الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع أهمية وجود ولاة الأمر في إقامة الأحكام وإن كانوا ظالمين، ويفصل في مسألة دفع الزكاة إليهم. كما يبين آراء العلماء في ذلك.
يناقش حكم الصلاة خلف الأئمة الظالمين ويستدل بآثار الصحابة، ويعتبر إعادة الصلاة بدعة. كما يتطرق إلى مسألة الخروج على الأئمة ويعتبره مخالفًا للسنة والإجماع.
يتناول مسألة الخروج على ولاة الأمر ويبين أن من يخرج عليهم يموت ميتة جاهلية، ويشرح صور الخروج المختلفة عليهم.
من يرفض الانقياد للحق يموت على ضلالة، وهذا الموقف يشبه موت أهل الجاهلية بسبب رفضهم للقيادة والتزعم الديني أو الاجتماعي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقسمة الفي وإقامة الحدود إلى الأئمة ماض، ليس لأحد أن يطعن عليهم، ولا ينازعهم في هذا، لا زال المؤلف رحمه الله تعالى يذكر بعض الأحكام السلطانية التي مردها ومرجعها إلى ولاة الأمور، هم الذين يقومون عليها؛ لأن سياسة الناس بأيديهم، فمضى معنى ما يتعلق بالغزو، وهنا ذكر مسألتي قسمة الفي وإقامة الحدود. وقد قال الحسن البصري رحمه الله تعالى، مبينًا بعض الأعمال التي يقوم بها أولوا الأمر: «هم يلون من أمورنا خمسة: الجمعة والجماعة والعيد والثغور والحدود»، ثم قال: «والله لا يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا، والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون»، فبيّن أولًا بعض الأمور التي هم يقومون بها، فقال: «الجمعة والجماعة والعيد والثغور والحدود»، ثم بيّن أهمية أولوا الأمر، فقال: «والله لا يستقيم الدين إلا بهم، وإن جاروا وظلموا»، على ما يقع منهم من هنات وزلات، لكن وجودهم فيه مصلحة عظمى للأمة. ذكر إمام أحمد رحمه الله تعالى من هذه الأمور قسمة الفي وما يتعلق بقسمة الغنائم والأموال، فهذه مردها إلى أولي الأمر، يضعون هذه الأموال بما أراهم الله سبحانه وتعالى وبما أمرهم به. قال: «وإقامة الحدود»، وهكذا إقامة الحدود، هذه المسألة تتعلق بالأحكام السلطانية، فالولاة هم الذين بأيديهم تنفيذ الحدود. وقد ذكر الفقهاء الإجماع في هذه المسألة، وأنه لا يمكن لأحد أن يقيم حدًا على أحد إلا بعد أن يقوم بذلك ولاة الأمر أو من ينوب عنهم، أي له الصلاحية من قبل ولاة الأمر في إقامة الحدود، وليس لأحد سواهم أن يفعل ذلك. ثم قال رحمه الله تعالى: «ودفع الصدقات إليهم جائزة ونافذة، من دفعها إليهم أجزأت عنه، برًا كان أو فاجرًا»، وهذه مسألة متعلقة بدفع الصدقات من الزكوات، فإنها تدفع إليهم، وهي جائزة ونافذة، من دفعها إليهم أجزأت عنه، سواء كان هذا الوالي الذي دفعت إليه الزكاة من الأبرار أو كان من الفجار، فإنها تجزئ. الأصل إخواني في الله في أموال الزكاة أنها تعطى للولاة متى ما طلبوها، لأنهم مسؤولون عنها، ولهذا كان نبينا صلوات ربي وسلامه عليه يرسل العمال لكي يأتوا بأموال الزكاة، وكما قال ربنا جل وعلا: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾، فولي الأمر هو الذي من حقه أن يأتي بجمع الأموال، ثم يصرفها في مصارفها الشرعية. إذا لم يطلبها الوالي، فحينئذ كل مسؤول عن زكاته، بقي إذا كان الوالي من ولاة العدل ممن عرفوا أنهم يأخذون الأموال فيضعونها في مصارفها الشرعية، فهذا لا إشكال فيه، بل هذا محل إجماع، بضرورة إعطائهم الزكاة إذا طلبوها؛ لأنهم يجعلونها في مصارفها. لكن الإشكال إذا كان الوالي من الظلمة وممن لا يعطي الزكاة لأهلها، وإنما يأخذها لنفسه، يتلاعب بها ويأخذها في مصالحه الشخصية، فما حكم من كان هذا حاله؟ فهل تعطى له الزكاة؟ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى له في ذلك تفصيل، يرى رحمه الله تعالى أنه إذا علم وليس بالظنون وليس بالتخرصات، بل عندك قرائن وعندك أدلة وبراهين تدل على أن هذا الذي يأخذ أموال الناس لا يجعلها في محلها، فهذا لا تعطى له. إلا إذا خشيت الضرر، أي ألزمك بقوة وهددك بالسلاح، لابد أن تعطيه، فيكون هذا إن شاء الله مجزيًا. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، مبينًا هذه المسألة: «فإن كان ظالمًا لا يصرفها في مصارفها الشرعية، فينبغي لصاحبها ألا يدفع الزكاة إليه، بل يصرفها هو إلى مستحقيها»، أنت الذي تقوم بصرفها إلى مستحقيها، هذا متى إذا علمت أن هذا الذي أخذ الأموال من أولي الأمر لا يصرفها في محلها، تأخذ أنت وتصرفها ولا تعطيه إياها، لا تمكنه من مالك. ثم قال رحمه الله تعالى: «فإن أكره على دفعها إلى الظالم، بحيث لو لم يدفعها إليه لحصل له ضرر، فإنها تجزئه في هذه الصورة عند أكثر العلماء»، أما إذا وضع السيف عليك وألزمك وهددك إلا أن تسلم له الزكاة، فحينئذ أنت مضطر، فتدفع إليه الزكاة، وهل هي مجزئة؟ نعم، ذكر شيخ الإسلام أن أكثر العلماء يرى أن هذه مجزئة، ولا يلزم بإخراجها مرة أخرى، وحسيبه الله. قال رحمه الله تعالى: «وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولاه جائزة باقية تامة ركعتين»، كذلك من الحقوق التي ذكرها، ومضى معنى أثر الحسن البصري أن من حقوقهم إقامة الجمعة والجماعة، وهم الذين يصلون بالناس أو من يوكلونه ومن ينوبون عنهم عن هذا المقام، فهم لهم التقدم في هذا الباب. فقال: «وصلاة الجمعة خلفه وخلف من ولاه جائزة باقية تامة ركعتين»، أي الجمعة، من أعادها فهو مبتدع؛ لأن هذه كانت صفة عند المبتدعة أنهم ربما إذا دخلوا المسجد خاصة في صلاة الجمعة، أصلوا مع الناس، لكنهم يصلون ليست بنية الجمعة، فإذا سلم الإمام خرجوا وأعادوا الصلاة، وهم يصلون ليست بنية الجمعة؛ لأنهم يرون أن الجمعة لا تصح خلف هؤلاء الأئمة من أئمة الجور. فذكر إمام أحمد رحمه الله تعالى أن هذا مسلك المبتدعة، قال: «من أعادها فهو مبتدع، تارك للآثار، مخالف للسنة»، لأن السنة أمرت بالصلاة خلفهم، ثم بعد ذلك إن كانت الصلاة أصاب الأئمة فيها، فهذا لنا جميعًا، وإن أخطأوا فيها فهذه عليهم وليست علينا. ولهذا ثبت عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه أنه قال كما جاء في الصحيح: «يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم»، فنحن لا يصيبنا شيء مما يقعون فيه، وهذه السنة، فكيف أنت بعد ذلك تعارض السنة وترى أن الصلاة لا تصح خلفهم؟ السنة أمرت بأنك لا تشق عصاهم، وأنك تصل معهم، وأنك بعد ذلك لن تخرج وتحرم الأجر، فإن أصابوا فلكم، وإن أخطأوا فإن الجريرة تلحقهم ولا تلحقنا نحن. قال رحمه الله تعالى: «تاركًا للآثار»، وكذلك الآثار عن الصحابة، الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يصلون خلف أئمة الجور، يصلون خلف أئمة الجور. قال ابن عز الحنفي رحمه الله تعالى كما في شرح للطحاوية: «فإن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار، ولا يعيدون»، إذن هذا كان من مسلك السلف. ثم ذكر رحمه الله تعالى الآثار المروية عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يصلي خلف الحجاج، والحجاج معروف من الحجاج إذا ذكر ذكر الدم وذكر السيف، الظالم الجائر، ومع ذلك كانوا يصلون خلفه، أثر كذلك عن أنس رضي الله تعالى عنه، وكانوا يصلون خلف أئمة الجور. ولهذا هذا الذي عليه بقول: «تاركًا للآثار، مخالفًا للسنة»، وهذا الذي عليه المبتدع، أنهم يتنزهون أو يبتعدون عن الصلاة خلف الأئمة بحجة أنهم ظالم فاجر، وهذا ليس بذريعة. قال رحمه الله تعالى: «من أعادها فهو مبتدع، تارك للآثار، مخالف للسنة، ليس له من فضل الجمعة شيء»، أي إذا ظن أنه بالإعادة سيستحق أن ينال أجر الجمعة فلا؛ لأنه مبتدع. وليس له عمل عمله ليس عليه أمرنا فهو رد، مردود فعله على وجهه، فكيف يرجو منه الثواب؟ قال: «إذا لم يرَ الصلاة خلف الأئمة من كانوا، برهم وفاجرهم، فالسنة أن تصلي معهم ركعتين، من أعادها فهو مبتدع»، ويدين بأنها تامة، لا يكن في صدرك من ذلك شيء، أن يبقى عندك اليقين بأن الصلاة خلف هؤلاء تصح، وإن وقع ما وقع منهم من ظلم وجور، فهذا هو الذي يصيبهم ولا يصيبك يا عبد الله. ثم قال رحمه الله تعالى: «ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان، بالرضى أو بالغلبة»، هذه مسألة تتعلق بمسألة الخروج على الأئمة. قال رحمه الله تعالى: «ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان، بالرضا أو بالغلبة»، وقد مضى معنا أن الوصول إلى الحكم السلطاني والإمامة والخلافة يكون بثلاثة أمور: إما بالتنصيص، وإما بالإجماع، وإما بالغلبة والقهر. هذه الصور الثلاث التي بها تكون ماذا؟ تسلم زمام الحكم للوالي، إما أن ينص إمام سابق، أو بإجماع أهل الحل والعقد، وإما أنه يصل بالغلبة. مثاله تكون الدولة على يد حاكم الحكام، فأصبح الناس في الصباح إذ بهم قد وقع انقلاب، المساء انقلب الوزير أو النائب على الأمير فقتله أو زج به في السجن، فصعد هذا الآخر في ليلة من ليالي فأصبح الناس وقد تغير وجه الحاكم، أين الحاكم الأول؟ في غياهب السجون، وكيف الأوضاع؟ ننظر الأوضاع قد استقرت، الجميع قد خضع لهذا الحاكم الذي قد وصل، كيف وصل؟ هل بالرضا؟ ما بالرضا، وإن بالغلبة، ما العمل إذن؟ أقر الناس بإمامته، يسير الناس على هذا الوالي الجديد، مع أنه ما وصل إلا بالقهر والغلبة وبالسيف، لكن متى اجتمع الرأي عليه واستتب أمر بيديه، فيكون الحكم حكمه. هذا الذي كما قلنا ذكره العلماء رحمه الله تعالى، وقد ذكر الإجماع الذي معتبر في هذا المقام، وذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى. فقال رحمه الله تعالى: «ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه كان، بالرضا أو بالغلبة»، فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله. فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية، إذن يتكلم المؤلف رحمه الله تعالى في حق من خرج على هذا الوالي الذي وصل إلى السلطة بهذه الصور الماضية بإجماع الناس بالقهر والغلبة. قال رحمه الله تعالى: «فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين»، وإلاسف تكاد هذه المسألة، مسألة الخروج على ولاة الأمور، أصبحت هي السمة البارزة في كثير من الطوائف والملل والنحل الكثير. ليس أصبحت هي مسلك لبعض الفرق فقط، بل ربما لا تكاد فرقة من الفرق التي خرجت عن منه، إلا وهي تجعل من عقائدها ومن منهجها ومن فكرها مسألة الخروج والتوطين له والتمهيد له. حتى قال أبو قلابة رحمه الله تعالى كما روى ذلك الإمام أحمد بسند صحيح عنه: «ما ابتدع قوم بدعة إلا واستحلوا السيف»، ما ابتدع قوم بدعة بدعة نكرة، أي بدعة إلا تجد أنه في طيات منهجهم استحلال السيف، يكون في قلوبهم، وهذا شيء حتمي؛ لأن الذي يخرج عن منهج السنة، فمنهج السنة هو منهج الرحمة، ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾، فتجد الذي يلتصق ويلتجئ إلى رحاب السنة، تجده تعتديه الرحمة، لكن الذي خرج عن السنة يخرج عن الرحمة، فيأتيه العنف والقسوة والشدة. ومن أعظم ما يجعل في قلوب البغض على جماعة المسلمين، ولا ينفث عما في قلبه من البغض لأمة الإسلام بمثل السيف. «ما ابتدع قوم بدعة إلا واستحلوا السيف»، ولك يا عبد الله أن تنظر ولو بنظرة خفية إلى حال الجماعات هنا وهنالك، إلا ورأيت أن الدماء تسيل من مذهبهم ومن منهجهم. الحاصل إخواني في الله، ولكن وإن كان هذا قد اشتهر عن فرقة الخوارج؛ لأن الخوارج قاموا بذلك عيانًا، قاموا بذلك عيانًا، لكن بعضهم لا يظهر ذلك ولا يصرح به، لكن تجد أن ذلك في طيات منهجهم وفي خفايا منهجهم. وقد ذكر العلماء أن صور الخروج صور الخروج على ولاة الأمر تختلف، أحيانًا يكون بالفعل، هذه الصورة من أعظم صورها، وهذا الذي عليه الخوارج، يبارزون الولاة بالخروج ويخرجون عليهم. الصورة الثانية ما يكون بالقول فقط، أو قل بالاعتقاد، الاعتقاد وهو يكون في صدورهم، وهذا الذي عليه الرافضة وعليه المعتزلة، فهم يعتقدون أنه لا إمارة عليهم، لكن لا يصرحون بهذا بالفعل، لماذا؟ إما لعدم القدرة على ذلك، أو لعدم توفر الشروط. كالرافضة، الرافضة يشترطون في الخروج أن يأتي صاحب السرداب، المهدي المنتظر المزعوم الذي لا زال حبيس السرداب، فهم ينتظرون حتى يخرج، فإن خرجوا خرجوا، فهو عندهم عقيدة بمشروعية الخروج، لكن الذي حالهم الشرط لم يأتي، الشرط الذي يأذن به صاحبه بالخروج على ولاة الأمور. إذن المعتزلة والروافض من الأمثلة التي تمثل لك على أنهم يعتقدون ويؤمنون بقضية الخروج، لكن ما فعلوا ذلك إما لعدم القدرة أو لاختلال الشرط من الشروط. الفرقة أو صورة ثالثة من صور الخروج ما كان بالقول، ما كان بالقول، وهذا الذي عليه فرقة من المسمى بالقعدية، فهؤلاء ينشطون في تحريض الناس، وما أكثر هؤلاء في هذه الأزمان. قال ابن حجر رحمه الله تعالى في هدى الساري، مبينًا هذه الفرقة وما يتعلق بالتعريف بها: «القعدية هم الذين يزينون الخروج على الأئمة ولا يباشرون ذلك»، فقد يزين إذا صعد على المنبر، ضج وصاح وأرعد وأزبد وفضح القاصي والداني وألب المشاعر، ثم مع ذلك ينزوي ويجعل الناس في ثوران، في ثوران، حتى يجعلهم ينطلقون إلى سيوفهم وإلى أسلحتهم وتتفجر الثورات هنا وهنا وهنا، وهو لا يباشر ذلك، هذا قاعدي من القعدية من فرق الخوارج. وهذه فرق قديمة، ولزاد جذورها وفروعها في هذه الأزمان. فهذا إخواني في الله صورة من صور الخروج كما صرح بذلك العلماء. قال رحمه الله تعالى: «خالف الآثار عن رسول الله»، قد مر معنا النبي أمر بالصبر على الولاة ولو وقع منهم التقصير؛ فإن المصلحة تقتضي ذلك. قال: «فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية»، وهذا لثبوت ذلك عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه: «أن هذا الذي خرج عن ولي أمره فماته على هذه الحالة من الخروج فإنه يموت على ميتة جاهلية». قال عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «قال عليه الصلاة والسلام: من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات، فميتة جاهلية». وما معنى مات ميتة جاهلية؟ هل معنى مات كافرًا؟ لا، ليس كافرًا، يموت على حال موته، حاله كحال أهل الكفر، وأهل الجاهلية؛ لأن أهل الجاهلية كانوا من أمورهم أنهم يأنفون ما يحبون أحد يتصلف عليهم، ما يحبون هذا يريد الواحد بين عشيرته هو الذي يسيطر على إخوانه، أما يأتي أحد يؤلف بينهم في دولة كاملة، وإذا صلت عليهم افعلوا ولو لا تفعلوا، هذا ليس عندهم. فكانوا يحبون ماذا؟ يكونوا طلقاء، طلقاء في هذه المسلك، فمن كان في هذه الأزمان يرى أنه ما أحد عليه يأمر وينهى، ويرى أن هذا هو حقه، ثم مات، فموتته كأنه يموت على ضلالة كما مات أهل الجاهلية على ضلالتهم؛ أنهم لا يحبون أحد يتزعم عليهم. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.