الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل منزلة وفضل الصحبة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأهمية السمع والطاعة لولاة الأمور وأمير المؤمنين. كما يشير إلى التفاوت بين الصحابة وضابط الصحبة.
هذا الفصل يتناول ضوابط طاعة ولاة الأمور، حيث يشترط عدم معصية الله في طاعتهم، مستندًا إلى الأدلة من القرآن والسنة. كما يؤكد حرص أهل السنة على التقييد بالشرع في هذا الأمر.
يتناول هذا الفصل طرق وصول الحاكم إلى السلطة، وهي التنصيص وإجماع أهل الحل والعقد والغلبة بالقوة، ويؤكد على وجوب طاعة الحاكم مهما كان تقواه، وأهمية الجهاد معه حتى لو كان فاجرًا.
تم في هذا الفصل اختتام الكلام بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم، مع الدعاء بالرحمة للمتحدث، ليكون ختامًا مناسبًا للموضوعات السابقة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فنواصل مع ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى حول منزلة وفضل الصحبة. ورحمه الله تعالى، ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، القرن الذي بعث فيهم، كل من صحبه سنة أو شهر أو يوم أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه. وبهذا يأتي الضابط في معرفة من هو الصحابي، فضابط الصحبة هو كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم. ولفظ اللقاء أعم من لفظ الرؤية، حتى يدخل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم ومن استطاع أن ينظر إليه، كحال من ابتلاه الله سبحانه وتعالى بالعمى وعدم الرؤية. فإذا اشترطنا الرؤية، فلا يكون هؤلاء في عداد الصحابة. ولهذا كان من المناسب أن نأتي بلفظ أعم من الرؤية، وهي لفظ اللقاء. وأيضًا الشرط الثاني أن يكون عند الرؤية وعند اللقاء أن يكون مؤمنًا بنبينا عليه الصلاة والسلام، حتى نخرج من لقي الرسول صلوات ربي وسلامه عليه وهو ليس مؤمنًا به، كحال أهل الكفر وأهل النفاق. وكذلك فإذا قد مرت على أن الصحبة التي تكون لنبينا ليست كأي صحبة التي تحتاج إلى طول مجالسة وطول صحبة. فالجلوس مع نبينا ولو للحظات يكفي لصاحبه أن يكون من عداد الصحابة. ورحمه الله تعالى له من الصحبة على قدر ما صحبه. ثم بعد ذلك الصحبة تختلف في التفاوت، والصحابة كذلك يتفاوتون فيما بينهم تفاوتا عظيما. وإن كان الكل من أهل العسنى. قال رحمه الله تعالى: «وكانت سابقته معه وسمع منه ونظر إليه نظرًا فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذي لم يروه». يعني لو هناك أحد أدنى رتبة من أهل الصحبة هو أفضل من غيره، أفضل من غيره؛ لأن مقام الصحبة وشرف الصحبة لا يعدلها أي شرف، لا يعدلها أي شرف. فمن ثبتت صحبته ولو للحظات بجلوس مع نبينا عليه الصلاة والسلام، فهذا يعطيه مزية أفضل من غيره، أفضل من غيره ممن يأتي بعده. هذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى. قال: «فأدناهم صحبة هو أفضل من القرن الذين لم يروهم ولو لقوا الله بجميع الأعمال؛ لأنهم لم يظفروا بمقام الصحبة التي ظفر بها ذلكم الرجل أو ذلكم الصحابي». قال: «كان هؤلاء الذين صاحبوا النبي صلى الله عليه وسلم ورأوه وسمعوا منه، ومن رآه بعينه وآمن به ولو ساعة، أفضل بصحبته من التابعين ولو عملوا كل أعمال الخير». وهذا يدلك يا عبد الله على شرف الصحبة، فالصحبة لا يعدلها شيء. وقد نبه العلماء إلى بعض المسائل ربما قد تضيع بها بعض الألسنة والأقلام دون مراعاة لحق الصحبة، كتلكم العبارة التي يقولها بعض الناس في تعبيرهم: «أن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه يعتبر خامس الخلفاء الراشدين». فبعض الناس يقول: لما ننتقل إلى عمر بن عبد العزيز هو ليس من الصحابة، أليس أولى بهذا اللقب هو معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه؟ بلا، معاوية أولى من غيره بهذا اللقب، أولى بغيره من هذا اللقب. إن كان أحد يسمى بخامس الخلفاء الراشدين فهو معاوية بن أبي سفيان؛ لأنه صحابي، لأنه صحابي. عمر بن عبد العزيز مع فضله ومع عدله لم يصل لمقام الصحبة، ولم يصل إلى هذا المقام المنيف. فمقام الصحبة لا يعدلها أي مقام، كما أشار إلى ذلك المؤلف رحمه الله تعالى. وبعد ذلك بعد مقام الصحبة وأفضل القرون بعد قرنهم قرن التابعين، وبعد قرن التابعين قرن أتباع التابعين، فهي القرون الثلاثة المفضلة التي جاءت الأحاديث والأخبار بتزكيتها وبتشريفها. قال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». فهي القرون الثلاثة المفضلة. قال عليه الصلاة والسلام: «طوبى لمن رآني، ولمن رآى من رآني، ولمن رآى من رآى من رآني». طوبى لمن رآني الصحابة، ولمن رآى من رآني التابعين، ولمن رآى من رآى من رآني وهم أتباع التابعين. فهذه القرون المفضلة جاءت الأحاديث الكثيرة في تزكيتها وفي فضلها. بل الواقع يشهد على ذلك، تجد قوة الشريعة وقوة الدين وبهور السنة كانت في هذه القرون المفضلة، وكانت البدعة قليلة وضئيلة. لكن تجد في القرن الرابع ظهرت وكثرت وأصبح لها مرتع خصب هنا وهنالك، بل أصبح لها بعض الدول تنطق بأسمائها وتتكلم برأي البدعة. فهذا مما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم على أن الأفضلية تكمن في هذه القرون الثلاثة المفضلة. قال رحمه الله تعالى: «والسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين». السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر مما يذكره أهل السنة والجماعة في كتب الاعتقاد ما يتعلق بمسألة الإمامة وما ينبغي لها من حقوق. فهي منزلة عظيمة، فأشار المؤلف رحمه الله تعالى من أعظم الحقوق التي ينبغي أن تكون للرعية في حق ولاتها ما يتعلق بأمر السمع والطاعة. وقد جاءت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام القاضية والآمرة بوجوب إعطاء هذا الحق لولاة الأمور. فقد ثبت في الصحيحين من حديث عباد بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وفي عسرنا ويسرنا، وأثرة علينا». فهذا كان من تمام البيعة ومن إبرام صفقة البيعة بين الصحابة وبين نبينا عليه الصلاة والسلام أن بايعهم على السمع والطاعة. وهذا خاص لنبينا، لا السمع والطاعة لجميع ولاة الأمور، كل من ولي أمرًا أو ولي ولاية كبرى على المسلمين، فإنه ينبغي أن يعطى له هذا الحق من السمع والطاعة. فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك». وهكذا ما جاء في الحديث المشهور حديث العرباض بن سارية عندما خطب نبينا خطبة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، أوصنا، كأنها موعظة مودع، قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي». فالمقصود بالسمع كما قال علماء: هو أنك تسمع لولي الأمر، وأن تستجيب لأمره. ومقصود بالطاعة هو طاعة من ولاه الله أمر الناس، طاعة من ولاه الله سبحانه وتعالى أمر الناس، فهما حقان متلازمان. ومما يذكر في هذا المقام به ينضبط هذا الحق الذي يعطى لولاة الأمور أن يقيد بقيد، أن يقيد بقيد. هذه مرتبة السمع والطاعة ينبغي أن تقيد إذا كانت في طاعة، إذا كانت في معروف. أما إن كانت في معصية الله سبحانه وتعالى، فلا سمع ولا طاعة. إذا ينبغي أن نتأمل في هذا الحق، وهذا القيد قد جاء ذكره في سنة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه. والأدلة العامة والخاصة تدل على هذا القيد. فقد ثبت في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة». لكل إذعان من جميع أفراد الرعية إذا كان من طاعة الله سبحانه وتعالى، ومما أباحه الله، أم إذا كان في معصية الله وفي محاربة شرع الله، ومن يناقض دين الله، فحينها لا سمع ولا طاعة. وكذلك بل القرآن استدل العلماء على أن هذا القيد وجد في كتاب الله أيضًا. كما استدل بذلك واستنتجه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وهكذا ابن القيم وآخرون، إن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:59]، كان هنا نكتة عظيمة استدل بها العلماء. وهي كيف أن الله جل وعلا كرر فعل الطاعة: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول»، لكن عند ولاة الأمور وعند ولي الأمر على من قال: أنهم الأمراء، ومن قال: أنهم العلماء، ومن قال: يشمل أمرين معًا. فعلى هذا الصنيع لم يخصه ربنا جل وعلا بطاعة لوحده، ما قال: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر»، لا، ما أعطاهم شيء من الطاعة المستقلة. لماذا؟ قال: في ذلك دلالة على أن طاعة ولاة الأمور تبع لطاعة الله وطاعة رسوله، أن طاعتهم تبع لطاعة الله ولطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، أي ليست لهم طاعة مستقلة، ليست لهم طاعة مستقلة. وهذا كذلك أدلة كثيرة تدل على هذا الأمر، وهذه القيود دائمًا أهل السنة يذكرونها في كتبهم ومتونهم، وكذلك في كلمات وتوجيهاتهم. وهذا فيه رد على كثير من أهل الأهواء ممن يشغب على أهل السنة والجماعة في هذه الفقرة. فإذا تكلم أهل السنة عن طاعة ولاة الأمور، إذ به يشغب عند العامة ويقول: «هؤلاء يعطون لولاة الأمور الطاعة المطلقة»، كذب، كذب، والله ما أحد يقول بهذا أبدًا، بل حتى بعضهم يتهكم ويقول: «أن هؤلاء يجعلون للولاة الأمر الصبغة الإلهية»، أعوذ بالله، ومن يفعل هذا من أهل السنة؟ أهل السنة كلهم من أحرص الناس على التقييد بالشرع، فهم يعطونهم المنزلة التي يستحقونها. فإذا أمروا بمعصية فلا سمع ولا طاعة. وكم أخبرنا ولازلنا نخبر، وتأتينا الأوراق التي فيها المراسلات من العلماء لولاة أمورهم، ينصرون بتقوى الله سبحانه وتعالى، والكف عن المعاصي التي استشرت هنا وهنالك. اللهم أنهم ما يفعلون ذلك جهرًا حتى لا يشغب الناس، وإنما أمرهم بينهم، فيما بينهم، بين الله عز وجل يرسلون الرسائل والنصائح سرًا. وهذا وفق المنهاج النبوي. وكذلك فيه رد هذا القيد فيه رد على من أعطى لولاة الأمور الصلاحية العامة، كحال بعض المرجئة. وهذا كما ينقل عنهم: «أن عندهم من تولى الأمر والحكم له أن يفعل ما شاء، وله الطاعة»، بغض النظر: أمر بطاعة، أمر بمعصية، أمر بمنكر، فله السيادة، لا، هذا منكر عظيم. فالأمر وسطي، عبد الله، فلهم السمع والطاعة فيما لم يكن في معصية الله، فإن أمروا بمعصية الله فلا سمع ولا طاعة. كذلك مما يذكر تحت هذا المبحث: لو افترضنا وقد يقع هذا أن تصدر منهم الأفعال المشينة فيما يكون فيه معصية الله سبحانه وتعالى، فلا يطاعون في هذا الباب. وهذا أمر مسلم به. بقي هذا الفعل الذي صدر منهم هو ذريعة لنا أن ترفع الأيدي عن بيعتهم كما يفعل بعض الناس؟ إذا رأوا قد أخطأ ذاك الأمير أو فعل تلكم الزلة وأمر بمعصية، قام بعض الناس واستغلوا هذه المزلة من هذا الإيمان وحرضوا الشعب عليه. فإذ بهم يخرجون بأيديهم وبأسلحتهم، وقبل ذلك أنهم قد قطعوا النيات في اتباع هذا وأنه لا بيعة له على رقابنا. أهكذا يكون؟ أهذا فعله ذريعة لنا بالخروج عليه؟ الصحيح لا، ومن قال بهذا هو نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، هو الذي أشار إلى هذا المسلك الذي ينبغي أن يتخذ. بأننا لا نجعل ما يصدر من المعاصي ومن الذنوب ومن الجرائر والجرائم التي تصدر من هذا ومن ذاك، ألا نجعل ذلك ذريعة في رفع الأيدي عن السمع والطاعة. قال عليه الصلاة والسلام كما جاء ذلك من حذيفة بن اليمان في صحيح مسلم قال: «قال نبينا: ألا من ولي عليه وال، أي والي، ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزع يدا من طاعة، ولا ينزع يدا من طاعة». فهذه مسألة إخواني فيها دقيقة، لا أقول غفل عنها العامة، لو كان الأمر كذلك لهان الخطب، لكن مما يذهبه القلب حسرات، أنا نرى بعض من ينتسب للفكر والدعوة والإصلاح في المجتمعات، أنا من أجهل الناس بهذه المقاييس النبوية. انظروا يمنة ويسرى يا عبد الله، يكفيك العبرة والعظة، يكفيك العبرة والعظة. والله وبالله وتالله لو أن أدنى رجل عنده فقه بكتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وتأمل في مثل هذه الأحاديث لكان على بصيرة، وسلم الله نفسه وأهله وجيرانه وبلده ووطنه من شر ما يقع وما قد وقع، ولا زال يقع هنا وهناك من حمامات الدماء التي سالت ولا تزال تسيل. وذلك عندما ترأس مثل هذه المجتمعات من لا فقه له، ومن لا عقل له، ومن لا دراية له بشرع الله سبحانه وتعالى. فالسنة يا عبد الله صمام وأمان من الفتن، إلجأ للسنة تجد فيها الراحة، ولو ظننت أن ذلك فيه غبن لك، لكن اصبر يا عبد الله، اصبر يا عبد الله. أخبر نبينا عن وجود الأثرة، الأثرة موجودة، لا أحد ينكرها، بل نبينا قد أخبر بها. اصبروا عندما أمر الصحابة، قال: «إنكم ستجدون بعدي أثرة»، أخبر أصحابه وأخبر أمة عن وجود الأثرة. الأثرة عبارة عن استحواذ، الاستحواذ الذي يكون الثروات تذهب إلى جهة معينة، إلى فئة، إلى شرذمة يتحكمون بالمنافع والثروات. أخبر نبينا بهذه الحالة، قال: «إنكم ستجدون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». نتسلَّ بالآخرة، إن ذهب حظنا من الدنيا نتسلَّ بما عند الله في الآخرة. تسلَّ يا عبد الله بصبرك على ما تلاقيه من الجفاء، على ما تلاقيه من الجوع والظمأ، على الفقر، اصبر يا عبد الله، تسلَّ بما عند الله بأن الله قد وعد أهل الصبر بالحسنى. هذا الذي أمر به نبيك عليه الصلاة والسلام. أما أنك تترك السنة النبوية خلف ظهرك وتأتي بما تسمى بالقواعد المكابيلي وقواعد الغربيات، وبرذكاليات المأخوذة من صهاينة، ثم نجعل هذه المقاييس لأننا نتعامل بين الراعي والرعية، انظر من الذي حصل لأمتنا الهلاك، ونزال الهلاك يقع، هذا عقوبة من الله سبحانه وتعالى. فلنستبصر يا عباد الله بديننا، استبصر يا عبد الله بدينك، تمسك بالسنة فإنها المنجية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وسمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولي الخلافة فاجتمع الناس عليه وارضوا به، ومن غالبهم بالسيف حتى صار خليفة سمي أمير المؤمنين». هذه فقرة إخواني فيها مهمة كذلك في هذا المبحث، وهي تدلك كيف لأحد أن يصل إلى مركز السلطة بحيث تكون له السمع والطاعة وتكون له ماذا أحقية الخلافة عن غيره؟ باختصار الأدلة الشرعية أثبتت على أن وصول الرجل إلى محل السلطة يكمن في أمور ثلاث، وفي صور ثلاث. الأمر الأول أن يكون بالتنصيص، أن يكون بالتنصيص. معنى التنصيص أن الوالي قبل موته قبل رحيله ينص على أنه يخلفه على العرش على كما يقال أو على كرسيه وعلى سدة الحكم فلان بمفلان، ينص يكون يبقى هذا كحكم أو كوصية تترك. فإذا مات هذا الخليفة وقرئت الوصية بأن يخلفني فلان بفلان تم ذلك. فهذه طريقة شرعية. وهل هذا لها كما يقال واقع موجود؟ نعم، وقع ذلك لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عندما أناب بعده من؟ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، خاصة انتهى الأمر وانتهى الإشكال. قرية الوصية هو أمر أن يكون بعده على الحكم على رقاب المسلمين هو عمر بن الخطاب. ففي التنصيص التنصيص صور من صور انتقال الحكم من شخص إلى آخر. الصورة الثانية إجماع المسلمين، إجماع المسلمين إذا أجمعوا. ولهذا قال رحمه الله تعالى: «ومن ولي الخلافة فاجتمع الناس عليه». فإذا اجتمع الناس على أمر على رجل أن يحكمهم فيكون هذا هو الوالي الفعلي، الوالي الفعلي. مع التنبيه على كلمة: عندما نقول باجتماع الناس من نعني بالناس؟ الشعب من أوله إلى آخره الصغار والكبار؟ لا، ليس لهذا المقصود. المقصود باجتماع الناس باجتماع أهل الحل والعقد، أهل الحل والعقد هم الصفوة في المجتمع، ما من بلدة إلا ولهم الصفوة من لهم الكلمة العليا لنفوذهم. مثل الأمراء والقواد والعلماء والوجهاء، هؤلاء أصحاب النفوذ، هؤلاء هم أهل الحل والعقد. وأمراء الأجناد، فهؤلاء لهم الوجاهة، فهؤلاء هم الذين إذا اجتمعوا على أمير ما على رجل ما فيكون له ماذا الحكم الشرعي؛ لأن الناس اجتمعوا به. وما يدندن به بعض الناس عندما يقول: «أنا والله ما أرى، أنا فلان علي أو له علي بيعة، أنا الحمد لله ما طرحت يدي على يده». أنتوا باعتموه تحملوا، أنا ما وضعت، وهل الناس بحاجة إليك يا فلان ويا علان؟ نحتاج إلى نجمع الناس من كل بيت نخرجه حتى يأتي إلى القصر فيبايع بيده؟ ما نحتاج إليك. إنما الوجهاء أهل الحل والعقد هم صفوة المجتمع، متى ما رضخوا لهذا وعينوا فالقول قولهم، والناس تبع. الصورة الثالثة الغلبة، كما أشار إلى ذلك المؤلف رحمه الله تعالى، قالوا: «من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة سمي أمير المؤمنين». وهذا كما قال ابن حجر بالإجماع، قال ابن حجر رحمه الله تعالى: «قال قد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه». المتغلب اكتسح بلده بقوة سيفه حتى أجمع الناس من هنا إلى هناك وأسكتهم بقوة السلاح، فيبقى هذا له الخلافة؛ لأن الأمور قد آلت إليه. قال ابن إمام الشافعي رحمه الله تعالى: «قال كل من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمى خليفة ويجمع الناس عليه فهو خليفة أجمع الناس، كلهم رضخوا لأمره، هو هذا الأمر الواقع الموجود». إذن القول قوله، وذلك إذا غلب على القطر بأسره بحيث ماذا أن الناس رضخوا لأمره. قال رحمه الله تعالى: «والغزو ماضٍ مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر لا يترك». وأيضًا كذلك من الحقوق والحقوق كثيرة جدًا ما يتعلق بالغزو والجهاد كذلك هم الساسة الذين يناط لهم أمر الجهاد بتنظيم الرايات، وكذلك إرسال البعثات والجنود والأجناد، وحماية الثغور. هذا يكون لولاة الأمور بغض النظر عن تقواهم، قد يكون بر صالح تقي، وقد يكون كذلك فاجر. أحاديث تؤيد هذا المعنى لكن فيها ضعف، كأحاديث قال عليه الصلاة والسلام: «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برًا كان أو فاجرا». وهذا المعنى صحيح لكنه ضعيف الإسناد كما أشار لذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى في ضعيف أبي داود. لكن هنا عبارة طيبة نقرأها قراءة قوية جدًا من إمام متقن محقق له، شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، ويبين هذه المسألة، قال رحمه الله تعالى: «قال ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر؛ فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار». تأمل إلى بديع الاستنتاج واقع قد يقع، قد تجد أنك تحت رأي رجل فاجر هو الذي يمرك بالخروج أي الجهاد في سبيل الله، أو تكون في معسكر كثر فيه الفساد قد تصل إلى هذه المرحلة. قال: «لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار أو مع عسكر كثير الفجور، فإنه لا بد من أحد أمرين: إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررًا في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين وإقامة أكثر شرائع الإسلام وإن لم يمكن إقامة جميعها، فهذا هو الواجب في هذه الصورة وكل ما أشبهها، بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه». انتهى كلامه رحمه الله تعالى إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.