مهمات الأعمال في أوائل رمضان

الخطبة بعنوان مهمات الأعمال في أوائل رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢ رمضان ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية العلم في صحة الصيام

يُشدد على أهمية طلب العلم والتفقه في أحكام الصيام لضمان صحة الصيام وعدم الوقوع في الأخطاء. يُنبه إلى ضرورة إزالة الموانع التي تعيق الطاعات في شهر رمضان.

أعمال ترد الصيام وأثر حقوق العباد

يُنبه إلى أن هناك أعمالًا وأقوالًا قد تُبطل صيام العبد وتجعله مردودًا، مثل إهمال الصلاة وتعدي حقوق المسلمين. يُشدّد على أهمية إقامة الصلاة وإرجاع المظالم لقبول الأعمال.

أمور ينبغي مراعاتها في رمضان والختام بالدعاء

ينبغي على المسلمين الإقبال على العلم والتفقه في أحكام الصيام، ومراعاة أداء الصلاة وإرجاع الحقوق، والحرص على صلاة القيام وقراءة القرآن والدعاء. يُستحب الدعاء بالخير للإسلام والمسلمين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إننا نحمد الله جل وعلا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، نحمده سبحانه وتعالى على ما أعطى وأسدى من نعم علينا تترى، فلك الحمد ربِّي حتى ترضى، ولك الحمد حين الرضا، ولك الحمد بعد الرضا. نحمده سبحانه وتعالى على ما أنعم به علينا من نعم الدنيا والدين، ومما أسبغ به علينا من مواسم الخيرات، ومن شهر البركات، من شهرٍ تتضاعف فيه الأجور وتزداد فيه الحسنات، ألا وهو شهر رمضان، هو شهر الخيرات وشهر البركات وشهر الرحمة والخيرات. ها هي بركة هذا الشهر قد حلَّت علينا، ورأيناها بأم أعيننا، بالأمس كان الكثير منا على تخوفٍ من صيام نهاره لطول وقته ولشدة حرارته، فإذا بمعونة الله جلَّا في علاه تتنزَّل على عباده، فصامه الكثيرون، صامه الصغار والكبار والرجال والنساء. وما كاد أحدٌ منا يستشعِر بالضمأ الذي كان يتوقَّعه، فلرب الحمد حمدًا من بعد حمد، من قبل ومن بعد. عباد الله، علينا أن نتوجَّه جميعًا إلى الله سبحانه وتعالى بالشكر والعرفان، وأن تلهج ألسنتنا بشكره وحمده، أنه سبحانه وتعالى أطال في أعمارنا لحضور مثل هذا الموسم المبارك، نتفيَّأ في ظلاله ونتنعَّم بخصاله وفضائله. هو سبحانه جلَّا في علاه هو فقط الذي أطال في أعمارنا، وجعل في أوقاتنا وفي أعمارنا فُسحةً من دهرنا، لا بحولنا ولا بقوتنا، لحضور هذا الشهر. كم من أناس كانوا أشدَّ منا حرصًا وأكثر منا حبًّا لحضور هذا الشهر، لكن باغتهم الأجل ووافتهم المنية وقضوا نحبهم، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، فأصبحوا من أهل القبور، والله المستعان. أما نحن فقد حبان الله جل وعلا من بين سائر الناس، وخصَّنا بأن أطال في عمرنا وجعل لنا فُسحةً من دهرنا لحضور هذا الشهر. روى الإمام النسائي في سننه بسندٍ صحيح عن عبيد بن خالد الأسلمي رضي الله تعالى عنه قال: آخَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين، فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا وَمَاتَ الْآخَرُ بَعْدَهُ، وفي رواية: الْمُدَّة الَّتِي بَيْنَهُمَا كَانَتْ بِمِقْدَارِ إِسْبُوعٍ. قال: فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا وَمَاتَ الْآخِرُ بَعْدَهُ، قال: فَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ نَبِيُّنَا صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: «مَاذَا قُلْتُمْ؟» أي في دُعَائِكُمْ، قُلْنَا: دعونا له، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم ارحمه، اللهم ألحقه بصاحبه، ألحقه بصاحبه الذي مات قبله بأيام. قلنا: اللهم ألحقه بصاحبه، فقال عليه الصلاة والسلام مستغربًا متعجبًا: «فأين صلاته من بعد صلاته؟ وأين صيامه من بعد صيامه؟ فلا ما بينهما، فلا ما بينهما، فلا ما بينهما، كما بين السماء والأرض، كما بين السماء والأرض». نعم، يا عبد الله، إنها نعمة العمر أن يمد الله سبحانه وتعالى في أعمارنا ويجعل ذلك في طاعته. عباد الله، وإننا في مستهل هذا الشهر الكريم علينا بمراعاة أمور ينبغي أن تكون نصب أعيننا، لأن فيها تصحيحًا لمسارنا وتعديلًا لأوضاعنا في شهر صيامنا. وأن الإخلال بهذه الأمور هو في الحقيقة هدمٌ لصيامنا وإضاعةٌ لثوابنا وأجورنا. ومن هذه الأمور التي ينبغي أن يراعيها الجميع، وهو أن نقبل جميعًا على موائد العلم والتفقه والتعلم لأحكام الصيام، إذ أن الصيام عبادةٌ من العبادات الشرعية، وأن ما من عبادةٍ إلا وقوامها على العلم. قال ربنا جل في علاه موضحًا ذلك: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾، قال العلماء مستنبطين من هذه الآية: أن الله جل وعلا بدأ بالعلم قبل القول والعمل، بمعنى قبل أن تأتي يا عبد الله بتطبيقي وأدائي عبادةٍ قوليةٍ أو فعلية، فعليك أولًا يا عبد الله أن تبدأ بالتفقه فيها والتبصُّر بأحكامها حتى تؤديها كما أراد الله جل في علاه. وإلا كما قيل: من عبد الله بغير علمٍ أفسد أكثر مما يُصلح، وكم من أناس رجالًا ونساءً حباهم الله بصيام مديد من رمضانات، إلا أنهم كانوا في عمايةٍ تامة عن تعلم أحكامه ومسائله. فإذ بهم يخبطون فيه خبط عشواء، فكم من مفطرات تلبسوا بها وهم لا يشعرون، وكم من رخص حرموها على أنفسهم وهم لا يعلمون. وهكذا أناس هم في ضياعٍ ومتاهات في أمر الصيام، لأنه ما أقبل على موائد العلم. فمن أراد الضمانة في صحة صيامه، فعليه من هذه الأيام في مستهل الشهر أن يعلم الذي ينبغي عليه أن يؤديه في حق هذا الشهر، حتى يؤدي حق الله وحقوق العباد. وأيضًا عباد الله، مما ينبغي مراعاته ونحن خاصة في مستهل هذا الشهر، أن يسارع الجميع إلى إزالة الموانع التي تؤثر سلبًا على صيامنا وعلى سائر طاعاتنا. فإن هناك من الأعمال والأقوال والاعتقادات، متى مبتُلِي بها العبد، وخاصة من كان من أهل الصيام، فإن ذلك إشارة إلى أن عملك يا عبد الله مردودٌ على وجهك. ومن هذه الأعمال التي ينبغي يا عبد الله أن تحرِص على إزالتها، أن تحرِص على إقامة الصلوات الخمس، الصلاة يا عبد الله، إن ترك الصلاة ليعتبر مؤشرًا ومؤثرًا خطيرًا جدًا، يؤثر في خيريتك، بل لربما ما هو أعظم من ذلك، يؤثر حتى في إسلامك. ذهب جماعة من العلماء إلى أن من ترك الصلاة، وأن تارِك الصلاة كافرٌ مُرتد قد خرج من الدين والملة، مهما عمل من عملٍ، فإن الله جل وعلا لا يقبله منه، بل يرُدُّه على وجهه. واسدلُّ بقوله عليه الصلاة والسلام: «العهدُ الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»، بل ذهب جماعة من السلف ونُسِبَ ذلك إلى جماعة من أصحاب نبينا صلواتُ ربي وسلامُه عليه، وعلى ذلك جماعة من العلماء والفُقهاء: أن من ترك فرضًا واحدًا متعمدًا حتى يخرج وقته، فقد كفر. فيا لله والعجب، أين الكثير من الصائمين وهم قد حزصوا على الصيام أكثر من حرصهم على الصلاة. إن ذلك لهو الضلال المُبين، يا عبد الله، إن أول ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، وليست الصيام، أول ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة الصلاة. قال عليه الصلاة والسلام: «فإن صلُحت، فقد أنجح وأفلح، وإن فسدت، فقد خاب وخسر، خاب وخسر». ويا عبد الله، اتق الله وأنت في شهر الصيام، وأنت ترجو من الله جل في علام أن يتقبل منك الصيام، فاحرص على إتمام الصيام على إتمام أمر الصلاة. وإلا فلا تُتعِبن نفسك، كحال بعض الصائمين، لربما إن صلى صلى أربعة فروض، وأما صلاة الفجر فهي نسيًا منسيًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأيضًا يا عبد الله، ومن الموانع التي ينبغي أن نُسارِع جميعًا في إزالتنا حتى يتقبل منا ربُّنا جل وعلا صيامنا وأعمالنا، ما كان من إرجاعنا لحقوق المسلمين، وذلك بإرجاع المظالم إلى أهلها والتحلُّل من أصحابها. فبأي عقلٍ وبأي دين يُقِرُّك على هذا الفعل المُشين؟ تَلُوجُ يا عبد الله وتخُوب في دماء المُسلمين، وفي أعراضهم، وفي أموالهم، يدك قد بطَشَت في دماء المُسلمين ضربًا وتنكيلًا وقتلًا وسفكًا وإزهاقًا للأرواح. وهكذا يا عبد الله، امتدَّت يدك إلى أموال المُسلمين سرقة وغصبًا واختلاسًا وتكسيرًا وتدميرًا ونهبًا، وأيضًا لسانُك فرَت في أعراض المُسلمين طعنًا ولعنًا وسبًا وشتيمةً وغيبةً ونميمة. تعديت يا عبد الله على الدماء وعلى الأموال وعلى الأعراض، ثم تأتي في هذا الشهر المفضال تقول: يا رب، يا رب، اغفر لي، أين لك يا عبد الله من مغفرة الذنوب وأنت ابتليت بهذه العيوب؟ تعديت على حقوق المُسلمين، يا عبد الله، إن المظالم إن المظالم لها مغبة، إن لم تنلها في هذه الدنيا، فاعلم والله أنها مُدركةٌ لك لا محالة يوم القيامة. قال عليه الصلاة والسلام: «أتدرون من المفلس؟» قلنا: يا رسول الله، المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال عليه الصلاة والسلام: «المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وقيام، إلا أنه ضرب هذا وسفك دم هذا وأخذ مال هذا وقذف هذا فيأخذ من حسناته، فتُعطى لغرمائه، تُعطى لغرمائه ممن يُطالبونه برد المظالم، فهناك لا مال ولا دينار، ولا هنالك قصاص، ما هنالك إلا الحسنات والسيئات، فتُأخذ من حسناته فتُعطى لغرمائه، حتى إذا فُنيت حسناته، أخذت من سيئاتهم فوضعت على ظهره، ثم وضع في النار، ولا حول ولا قوة إلا بالله». ما نفعته صلاته، وما نفعه صيامه، إنها حقوق العباد، يا عبد الله، وأنت في مقبل هذا الشهر، تأمَّل في أقوالك، تأمَّل في أموالك، هل فيها اعتداء لحقوق الآخرين؟ فسارع يا عبد الله إلى إرجاعها إلى أهلها، علَّ وعسى أن الله جل وعلا يتقبَّل منك سائر العبادات والطاعات. وهكذا يا عبد الله، ومن الأمور التي ينبغي أن نسارع إلى رفعها لأنها تؤثر سلبًا على طاعاتنا، ما يتعلَّق بأمر القطيعة، القطيعة يا عبد الله يُعْتَبَرُ من الأمور العظام التي بسببها تُردُّ الأعمال. سواء أكانت قطيعة بين أصحابك وأرحامك، أو قطيعة بين أهلك وأقاربك. قال صلواتُ ربي وسلامُ عليه: «تُفتح أضوابُ الجنة يوم الإثنين والخميس، فيُغْفَرُ لِكُلِّ عبدٍ لا يُشْرِكُ بالله إلا رجلًا، كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيُقال: انظروا هذين حتى يصطلِحا، تبقى أعمالُهم معلَّقة بين السماء والأرض، لا يأذن لها ربُّنا بالقبول ولا بالصعود ولا بالعُروج حتى يكون الصُلح بين المُتَشاحِنَين». وإن كانت هذه الشحناء مع قرابتك، فإن الأمر أشد وأنكى. روى الإمام البزار في مسنده، قال عليه الصلاة والسلام: «ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم، ولا يقبلُ منهم صرفًا ولا عدلًا، لا يقبلُ الله منهم صرفًا ولا عدلًا»، قال العلماء: الصرف والعدل بمعنى الفريضة والنافلة، مهما عملوا من طاعات من فرائضٍ وواجبات، أو من نوافلٍ وقربات، فإن الله يردها على وجوههم. ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم، ولا يقبلُ منهم صرفًا ولا عدلًا، فذكر أول من ذكر صلواتُ ربي وسلامُ عليه، قال: «العاقُ لوالديه»، يا من ابتُريتَ بهذه الدسيسة الخبيثة، أن اعتراكَ العقوق لأحدِ والديك، لأمك ولأبيك، أو لكليهما، فاعلم أنك مهما عملتَ من عملٍ، من صلاةٍ، من صيامٍ وقيام، فإن الله جل في علام لا يقبلُ منك صرفًا ولا عدلًا. أقول قولي هذا، واستغفرُ الله، إنه هو الغفورُ الرحيم. الحمدُ لله على إحسانه، والحمدُ لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فلازلنا عباد الله وإياكم في هذا المقام، نستعرضُ أمورًا ينبغي مراعاتُها، وخاصة ونحن في هذا الشهر المفضال، لأنه من كانت له بدايةٌ موفَّقة، فإنه بإذن الله له نهايةٌ مشرِّفة. فكان من ذلك يا عبد الله، مما ينبغي أن يعتني به الجميع، الإقبال على العلم والتفقه في أحكام الصيام، وذلك حتى يتسنَّى لنا أن نُؤدِّي هذه الشعيرة العظيمة على ما أراد الله جلَّا في علاه. ولا يكون ذلك إلا بالإقبال على العلم وعلى موائد العلم. ومن ذلك أيضًا الأمور التي ينبغي مراعاتُها، أن نُسارِع إلى إزالة كل مانعٍ تؤثر في صيامنا وتؤثر سلبًا في طاعاتنا. فكان من ذلك الحرص على أداء الصلاة، وأنك يا عبد الله، كما حرِصت كل الحرص على الصيام، فينبغي يا عبد الله كذلك أن يشتد حرصك على أداء الصلاة، فإنه لا إسلام لمن لا صلاة له. وهكذا مما ينبغي أن نُسارِع في رفعه، ما كان من إرجاع الحقوق إلى أهلها، وذلك برد المظالم إلى أصحابها والتحلُّل من أهلها. وأيضًا مما ينبغي الإسراع إلى تركه وإزالته حتى يتقبل منا ربُّنا جل وعلا الطاعات والعبادات، الإسراع إلى رفع القطيعة. وعليك يا عبد الله أن تجعل يدك ممدودة إلى الصفح والإحسان عن من ظلمك وعن من أسى إليك، فإن ذلك من مكارم الأخلاق ومن روائع الآداب. ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم، وما يُلقَّاها إلا الذين صبروا، وما يُلقَّاها إلا ذو حظٍ عظيم. وأيضًا عباد الله، مما ينبغي مراعاته، وخاصة ونحن في بداية هذا الشهر المفضال، وذلك بأن نشد العزم وأن نشمِّر عن ساعد الجد في اغتنام الأوقات واستغلال الأيام بما نستطيع في طاعة الله وفي عبوديته جل في علام. فإننا في موسم، يا عبد الله، التجارة فيه مع الله لن تبور، نحن في موسم قد هيَّأ فيه ربنا جل وعلا من أسباب الإعانة ما لا قد تجده يا عبد الله في موسمٍ آخر أو في وقتٍ آخر. فنحن في هذا الشهر تكفَّل ربنا جل وعلا بتصفيد الشياطين، وصفِّدَت الشياطين، أي رُبِّطَت وسُلسِلت، فكفَّت عن بث شرورها وبث وساوسها لبني آدم. وفي هذا الشهر فُتِحَت أبواب الجنان شوقًا لأهلها وتحميسًا لأصحابها، وفي هذا الشهر كذلك يا عبد الله، أنت تعيش بين مكفِّراتٍ للذنوب، تنوَّعت واختلفت وكثُرت في هذا الموسم خاصًا. فإن عباد الله على هذا حقيقٌ على كل مسلمٍ ومسلمة، ما ينبغي أن يخرُج عليه هذا الشهر إلا وقد غُفِرت ذنوبه ومُحِيت عُيوبُه. قال نبينا، ففي الحديث المروي الذي قال فيه جبريل لنبينا صلواتُ ربي وسلامُ عليه: «رغمُ أنفِ رجلٍ أدرك رمضان فلم يُغفَر له»، فقال عليه الصلاة والسلام: «آمين، آمين». وفي رواية: عندما قال جبريل عليه السلام: «من أدرك رمضان فلم يُغفَر له، فأُدخِل في النار، أبعدَه الله»، فقُلتُ: «آمين». نعم، يا عبد الله، إن هذا لهو الحرمانُ العظيم، وله الخُذلانُ المُبين، أن يحبيك ربُّك جل وعلا ويمنُّ عليك بهذا الخير العميم، ثم تخرُج بعد ذلك وأنت صفرُ اليدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله. احرِصِ يا عبد الله، وأن نحرِص جميعًا عباد الله على اغتنام الأوقات واستغلال الساعات بما يُقرِّبُنا إلى ربنا جل وعلا. احرِص يا عبد الله على إتمام الصيام، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه». علينا عباد الله أن نحرِص على صلاة القيام، ومنها التراويح والتهجُد، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه». احرِص يا عبد الله على قراءة القرآن، على قراءة القرآن، فإن رمضان هو شهر القرآن، كما قال ربُّنا جل في علاه: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾، والحرف بعشر حسنات. فكيف إذا كان أمرُك في رمضان؟ فإن الأجور تتضاعف. وهكذا عباد الله، علينا أن نحرِص على الدعاء، فإن الدعاء في رمضان، على كثث الروايات، على أنه من الأوقات المستجابة التي يستجيب فيها ربُّنا لعباده، متى ما رفعوا أكُفَّ الضراعة إلى الله. عليك أن تلهج يا عبد الله بسؤال ربك من خير الدنيا والآخرة، وما فيه نفع للإسلام والمسلمين. وهكذا يا عبد الله، احرِص على أداء المندوبات وعلى أداء السنن والنوافل والطاعات، فإن الأعمال في هذا الشهر المفضال تتضاعف وتزداد، كما قال سلفنا الصالح: تسبيحةٌ في رمضان خيرٌ من ألف تسبيحة، وركعةٌ في رمضان خيرٌ من ألف ركعة. وهكذا عباد الله، نُقبل جميعًا على صلة الأرحام، وعلى إطعام الإطعام، وهكذا عباد الله على سائر الطاعات. فإننا في موسم، وفي شهرٍ، ما من يومٍ إلا ونادى مُنادٍ: «يا باغي الخير، أقبل، يا باغي الخير، أقبل». أقبل يا عبد الله في هذا الشهر على إصلاح نفسك، واقبل يا عبد الله على الإصلاح فيما بينك وبين ربك. فاسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنًا. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم يسر أمورنا في الدنيا والآخرة، اللهم أعِننا على طاعتك وعلى حُسن عبادتك. اللهم تقبل منا الصيام والقيام والدعاء وسائر الأعمال والطاعات. اللهم ادفع عن بلادنا اليمن وعن سائر بلاد المسلمين الفتن ما ظهر منها وما بطن. الله من أراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه، يا رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.