توطين النفوس عند البلاء

الخطبة بعنوان توطين النفوس عند البلاء، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١ صفر ١٤٣٧ هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في التأقلم مع المصائب

يتحدث الخطيب عن أهمية التأقلم مع الأوضاع الصعبة والمصائب، ويشير إلى أن الإيمان بالقضاء والقدر هو ركن من أركان الإيمان. كما يبين أن العبد المسلم يجب أن يستشعر هذا المقام لتهون عليه المصائب.

مقامات المسلم عند نزول البلاء

يشرح المقطع أهمية الإيمان بالقضاء والقدر وإحسان الظن بالله عند نزول المصائب، ويبين أن الله يبتلي العباد ليميز الصابرين. كما يشير إلى أن الصبر غاية حميدة تظهر في أيام الفتن والمحن.

دروس مستفادة من مواجهة الشدائد

يجب على المسلمين في مواجهة الشدائد أن يتحلوا بالصبر والرضا بقضاء الله، وأن يعلموا أن البلاء يحمل حكمًا عظيمة مثل التخويف وكفارة للخطايا. كما يتفكروا في عظم الجزاء الذي أعده الله للمبتلين.

دعوة للصلاة في أوقات الشدة

المقطع الأخير يحث على إقامة الصلاة ويذكر بعض الأذكار والأدعية الإسلامية. يبدأ بدعوة الناس إلى الصلاة ويختم بذكر الصلاة على النبي محمد، ويتضمن تكبيرات وتشهد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يُصلِح لكم أعمالكم ويغفِر لكم ذنوبكم، ومن يُطِع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، اعلموا رعاكم الله أننا نحمد الله جل وعلا حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، على ما أنعم به علينا من دفعه عنا لذلك البلاء الذي كاد أن يقع بنا، فصرفه عنا جل في علاه برحمته جل وعلا، أمن يُجيب المُضطرَّ إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض، أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ. وإنَّنَا لازِنَّا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَيَّامِ تَتَرَى مَا إِلَى الْأَسْمَاعِ عَنْ تِكْرَارِي وَعَنْ إِسْتِجْدَادِ حُدُوثِ مِثْلَ ذِلْكُمُ الظَّوَاهِرِ التي مرَّت من تساقط الأمطار ومن هبوب الرياح، مما أثار ذلك مخاوف العديد من الرجال والنساء على حد سواء، فأزعج قلوبهم وأقلق نفوسهم، ناهيك عما اعتراهم من خوف ووجل وقلق. واعلموا عباد الله، سواء صحت تلكم الأخبار عن تكرار مثل تلكم الظواهر والمظاهر أو لم تصح، فإن العلم عند الله جل في علاه، ولكن علينا عباد الله أن نعلم جميعًا أن الله سبحانه وتعالى من خلال شريعته التي أنزلها على نبيه أوجد لدى نفوس المؤمنين ظاهرة لا تكاد تجدها يا عبد الله في أحد من أهل الملل والنحل، ألا وهي ظاهرة التأقلم مع الأوضاع. فإن المسلم في كل أحواله في حلوها ومرها وفي خيرها وشرها، فقد علمه ربه كيف يتأقلم مع هذه الأوضاع بما آتاه الله من دين وشريعة، ويؤيد هذا المعنى ما جاء في الصحيح، قوله عليه الصلاة والسلام: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أمره كله خير، فإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ولم يكن هذا لأحد إلا للمؤمن». فالمؤمن فقط هو الذي يمتلك هذه الطبيعة الفذة، أنه يتأقلم مع الأوضاع، فهو في كل أحواله وفي كل شؤونه قائم بأمر الله، مهما وقعت عليه المتغيرات أو طرأت عليه المستجدات، فهو قائم بأمر ربه، لا يثنيه شيء عن عبوديته لله، سواء أكان في غناه أو فقره، أو كان في حالة صحته أو سقمه. وهكذا قل ولو كان في أيام الأفراح أو في أيام الأمطار وسقوط الرياح، فإن المؤمن يا عبد الله أمره كله خير. وإنني عباد الله لفي هذا المقام لأذكر مقامات شرعية، متى ما اتخذها المسلم والمسلمة إزاء المصائب والنكابات، فإن ذلك سيعود عليه بالنفع في دينه ودنياه وأخراه. بل إن بعضًا من الناس من شدة تحريه لهذه المقامات حتى أصبح يتلذذ بالبلاء النازل عليه، قال عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء»، يا سبحان الله، حتى قال بعض السلف: «إني لأحمد الله على البلاء أربع مرات». فهذه هي يا عبد الله قمة التأقلم الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم إزاء المصائب والنكبات والنوازل وعظم النكبات التي تقع عليه، أن يتأقلم بها. واعلموا عباد الله أن من أعظم هذه المقامات التي ينبغي أن يتخلق بها المسلم، متى ما وقعت عليه مصيبة أو سقطت عليه كارثة أو حصلت عليه نازلة، أن يعلم أن كل ذلك بتقدير من الله جل في علاه، فعليك أن تعلم يا عبد الله أن هذه النوازل إنما هو من الإيمان بالقضاء والقدر. وهذا المقام ركن من أركان الإيمان، والذي لا يصح بإيمان واحد منا إلا بعد اعتناقه والإذعان بما فيه، وهذا المقام فحواه أن تعلم يا عبد الله أنا ما أصابك ما كان ليخطئك، وما أخطأك ما كان ليصيبك، وأن تعلم يا عبد الله أن ما من شيء يقع عليك إلا كان بتقدير من الله، هو الذي شاءه وهو الذي قدره. قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. إن العبد المسلم متى ما استشعر بهذا المقام حق الاستشعار، لهانت عليه المصائب والأضرار، لعلمه أن ذلك بتقدير العزيز الجبار جلا في علاه. قال عليه الصلاة والسلام: «واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضرُّوك بشيء لم يضرُّوك إلا بشيء قد كتبه الله عليك»، نعم يا عبد الله، فالكون كونه والخلق عبيده، يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير. وما تسلَّى المسلمون بهذه المصائب النازلة عليهم بمثل تسلية أنفسهم بالإيمان بالقضاء والقدر، قال الله حاكيًا عنهم: ﴿قُلْ لَنْ يَصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. هو مولانا جلا في علاه يُقدِّر ما شاء جلا في حكمته وعزَّ في مقامه، يفعل ما يشاء سبحانه وتعالى. وأيضًا عباد الله، من المقامات التي ينبغي أن يتخلَّق بها المسلم متى ما وقع في مُدلَهِمَّة أو وقعت عليه كارثة، حتى يُخفِّف عن معاناته، وأن يعود عليه هذا الضُر بالنفع في دينه ودنياه، هو إحسانُ الظَّن بالله. إن المُؤمن الصادِقَ في إيمانَه هو عظيمٌ رجاء بالله، مُحسِنُ الظَّنِّ بربِّه ومولاه، يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَهْمَا قَدَّرَ عَلَيْهِ الْبَلَاءَ وَقَدَّرَ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ وَالْمَعَائِبُ، فإنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَيُنَجِّيهِ مِنْ هَذِهِ الشَّدَائِد، ويدفع عنه الفتن والمحن والمصائب. ويعتقد اعتقادًا جازمًا لحسن ظنه بربِّه أن الله سبحانه وتعالى سيجعل له من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل همٍ فرجًا، هذا الذي عليه المسلم من عظيم إحسان ظنه بربِّه، بخلاف أهل النفاق وبخلاف أهل الشقاق وبخلاف ضعاف النفوس. الذين لازالت أنفسهم تشكك في ظنهم بالله، حتى أصبح هاجز واحدٌ منهم على ما تُبتلَى قُرَانا وَلَا يُبْتَلَى غَيْرُنَا، لِمَاذَا نُبْتَلَى بِهَذَا الْبَلَاءَ وَغَيْرُنَا فِي خَيْرٍ وَنَعْمَا، هذا يا عبد الله إساءة ظنٍ بالله. إنما المؤمن متى ما وقعت عليه المصائب، فإنما يُحسنُ الظنَّ بمولاه. واعلموا عباد الله أن الله سبحانه وتعالى يُعامِلُ العباد على حسب ظن العباد بربِّهم، الله جلَّ فِي عُلَاه يُعامِل العباد على حسب ظن العباد بربِّهم، فإن ظنَّ العباد بربِّهم خيرًا جعلَ لهم الله الخير في كل أحوالهم. ومتى ما اعتقد الناس في ربِّهم وفي مقاديره شرًّا وجدوا الشر أمامهم، لأن هذا ظنُّهم بربِّهم، قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي، فليظنَّ عبدي بي ما شاء»، وفي رواية قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي، فإن ظنَّ بي خيرًا فله، وإن ظنَّ بي شرًّا فله». فانظر يا عبد الله إلى ظنِّك بالله، فإن ظنَ أنت بمقادير الله الخير وجدت الخير، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾، يأتيك الخير متى ما علم الله من قلبك الخير وحُسنَ الظنَّ برجائه وبمقاديره. وأما يا عبد الله إن ظننت بمقادير الله شرًّا وظننت بمقدور الله سوءًا، كان هذا المقدور على ما ظننت، كان يَشُرًّا ووبالًا عليك، قال سبحانه في حق أهل النفاق: ﴿ذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. أرداهم ظنُّهم الذي ظنُّوه بربهم، فإياك إياك يا عبد الله أن يكون هذا حالُك، بل علينا عباد الله جميعًا، متى ما تراكمت وتكالبت علينا الخطوب، واشتدَّت علينا الأزمات والفتن والنوازل، فعلينا في كل أحوالنا أن نُحسن الظنَّ بالله، حتى يجعل لنا ربُّنا جل وعلا من ظنِّنا خيرًا. أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، لازلنا وإياكم نستعرض مع بعض هذه المقامات، والتي متى ما قام بها المسلم في أحلك المواقف، رجع ذلك عليه بالنفع في دينه ودنياه وأخراه. وكان من ذلك الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره، ومن ذلك إحسان الظن بالله. وأيضًا عباد الله، من هذه المقامات التي ينبغي أن يستشعر بها المسلم، وخاصة عند نزول المصائب والكوارث والأزمات والفتن والمحن والشدائد عليه، أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى ما أراد بهذا البلاء إلا أن يختبر صبر العبد واحتسابه، ومدى قوة تماسكه وصلابته. إن الله سبحانه وتعالى ما رضي أن يكون الناس كلهم على شاكلةٍ واحدة، ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب، ولأجل أن يميز الله سبحانه وتعالى بين الخبيث والطيب، وأن يمحص ما في القلوب، ينزل ربنا جل وعلى الفتن وينزل ربنا جل وعلى النوازل. حتى يعلم ربنا سبحانه وتعالى من هم الصابرون الذين صبروا على البلاء، ومن هم الصاخطون الذين تصخطوا على قضاء الله وقدره، قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾. فإن الله جل وعلا يوقع البلاء ويأتي بالفتن والمحن على الأفراد والمجتمعات، حتى يظهر الصابر، يظهر الصابر الذي ما تصخط قط على قدر الله سبحانه وتعالى. قال سبحانه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. هؤلاء هم أهل الفلاح، هؤلاء هم أهل النجاح، ما يظهر معدنهم إلا في أيام الفتن، ما تظهر ضمائرهم إلا في أيام المحن والشدائد. الصبر يا عبد الله غاية حميدة، أرادها الله سبحانه وتعالى أن تظهر في عباده، ولا تظهر هذه الصفة جليًا إلا في أيام النجاح، وإلا في أيام المحن والشدائد. واعلم يا عبد الله أنك متى ما كنت من الصابرين، فما تصخط لا في قلبك ولا في فلتات لسانك ولا في أفعالك، بل كنت من الصابرين من الراضين لحكم الله ولقضائه وقدره، فاعلم أن الله معك، وأن الله يؤيدك بتأييده ويمدك بمجد من عنده. قال سبحانه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وقال عليه الصلاة والسلام: «ومن يتصبر يصبره الله»، واعلموا عباد الله أيضًا، من المقامات التي ينبغي أن يتخذها المسلمون في أيام الشدائد وأيام النوازل والكوارث، أن يعتقدوا وأن يعلموا أن الله عز وجل ما أراد بهذا البلاء النازل إهلاك العباد ولا إبادتهم. وإنما أراد سبحانه وتعالى التخويف لهم والتحذير عما هم فيه، قال سبحانه: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾، فهذه الآيات التي ينزلها الله على العباد من رياح وأعاصير ومن فيضانات وبراكين وغيرها، ما أراد الله بذلك إلا تخويفًا للعباد لعلهم ينزجروا، وعن شرهم يكفوا، وأن يؤوبوا إلى الله ويتوبوا. فهذه من المصالح العظيمة أن الله سبحانه وتعالى تنبيهًا للغافل وتذكيرًا للجاهل وتهديدًا للمعاند، ينزل ربنا سبحانه وتعالى هذا البلاء لكي يتعظ الواعظون. وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا، فحينها يتوجه العباد إلى طاعة الله وإلى عبادة الله وإلى فتح صفحات جديدة مع الله، بالإقبال على الصلاة، بالإقبال على الاستقامة والاستجابة. وهذه من الحكم العظيمة المرجوة من إنزال البلاء على عباد الله، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «الدعاء والصدقة والأعمال الصالحة من أعظم الأسباب في دفع البلاء النازل من السماء». واعلموا أيضًا عباد الله، من المقامات التي ينبغي أن يعتقدها المسلمون، وخاصة متى ما حلَّت عليهم المصائب والنكبات والشدائد، عليهم أن يتفكَّروا بعظم الجزاء، بعظم الثواب الذي أعدَّه الله في حق المبتلين ممن ابتلاهم الله بأي بلاء. فقد صحت الأخبار عن نبينا المختار عليه الصلاة والسلام، عن عظيم الجزاء الذي سيعطيه ربنا جل وعلا في حق العباد، متى ما ابتلوا بمثل هذه النوازل والمصائب، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وولده حتى يلقى الله ما عليه خطيئة»، إن البلاء لا يزال بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وولده حتى يلقى الله ما عليه خطيئة. هذه النوازل، هذه المصائب ما هي إلا مساحة للعيوب، كفارة للخطايا والذنوب، فهل بعد ذلك يا عبد الله تتسخط منها؟ بل اعلم يا عبد الله ليس من شرق النازلة أو من شرق المصيبة أن تكون عظيمة حتى تكفر من ذنوبك. كفاك يا عبد الله شوكة تصاب بها، يكفر عنك ربك من خطاياك، ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ومن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، قال: قال عليه الصلاة والسلام: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا أذى ولا حزن ولا هم ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه». شوكة يا عبد الله كثيرة بمسح شيء من ذنوبك، فما ظنك يا عبد الله بما هو أعظم من ذلك بكثير وكثير وكثير، حينها تعلم أن هذه النوازل التي تقع على العباد لكفاه يا عبد الله أن تغسل غالب ذنوبك إن لم يكن كلها. قال عليه الصلاة والسلام: «أمتكم هذه أمة مرحومة، ليس عذابها في الآخرة، عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل»، هذا عذاب الأمة رحمة من ربنا جل في علاه، أن الله عاقب المذنبين منها، عاقبه في الدنيا، بمقابل أن عفى عنه في الآخرة. فهل بعد هذا الفضل من فضل؟ لا والله، أمتكم هذه أمة مرحومة، ليس عذابها في الآخرة، عذابها في الدنيا، عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل. فعلينا عباد الله أن نستشعر هذا المقام حق الاستشعار، فوالله والله لو علم الناس بعظم الثواب، بعظم الجزاء الذي يجعله ربنا جل وعلا في هذه النكبات، لكان الواحد منا على خير هذا الحال، بل ربما تلقى مثل هذه المصائب بصدر رحب، لعلمه أن الله جل وعلا قد يخلف له خيرًا في الدنيا والآخرة. وإن البلاء كلما اشتد، وإن النازلة كلما عظمت، كان الجزاء أكبر، وكان العطاء أعظم، قال عليه الصلاة والسلام: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط». فعلينا عباد الله أن نجند أنفسنا على هذه المقامات، في أي مصيبة حلت، وعلى أي كارثة وقعت علينا، أن نتسلح بمثل هذه المقامات، أن نستشعر أن هذه النازلة إنما وقعت بقضاء الله وقدره. وعلينا أيضًا أن نحسن الظن بالله، أن يجعلنا فيها مخرجًا وفرجًا، وأيضًا علينا أن نتسلح بالصبر، فإن هذا مما يحبه ربنا ويرضاه عن عباده. وعلينا أن نعلم أن الله ما أراد بهذه النوازل شرًّا، وإنما أراد منهم التحذير، وأراد منهم التنبيه أن يغير حالهم، وأن يصحح مسارهم. وعلينا أيضًا إذا هذه النوازل وهذه المصائب، أن نستشعر بعظم الجزاء وبعظم البلاء، وحينها نعلم قوله عليه الصلاة والسلام فيما حكاه عن سلفنا الصالح: «وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء». أقول قولي هذا، وأسأل مولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله.