الخطبة بعنوان فتنة المالفتنة المال، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٩ ربيع الأخر ١٤٣٧هـ وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٩ ربيع الأخر ١٤٣٧هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تناولت الخطبة فتنة المال بوصفها أعظم ابتلاء للأمة مستشهدة بالوحي على شدة حب الإنسان له وخطر اكتسابه من غير حله. حذر الخطيب من صور أكل المال الحرام ك الرشوة والغش والخيانة والكذب في البيع والتطفيف وخيانة الأمانة مؤكداً مراقبة الله ومحاسبة النفس.
حذر الخطيب من بيع الدين بعرض من الدنيا مستشهداً بقصة كعب بن مالك مع ملك غسان مبيناً أن المال الحرام يمحق البركة ويعرض صاحبه للعقوبات. دعا إلى ترك الشبهات والحرص على الكسب الطيب خوفاً من دعوة المظلوم وسخط الله.
استعرض المقطع عقوبات آكل المال الحرام المتعددة كعدم استجابة الدعاء ورد الصدقات وعذاب القبر والنار يوم القيامة مستدلاً بالقرآن والسنة وقصص السلف. ختم بالتحذير الشديد والدعوة إلى التوبة العاجلة ورد الحقوق إلى أهلها قبل فوات الأوان.
دعا المتحدث الله أن يوفق من أراد الخير للمسلمين إلى كل خير وأن يشغل من أراد بهم السوء في نفسه ويجعل الدائرة عليه. مختتماً بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى جعل في هذه الأرض فتنًا يبتلي بها العباد ليتميَّز الصادق من الكاذب والطائع من العاصي. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. ألا وعلموا عباد الله، إن أعظم فتنةٍ يبتل الله عز وجل بها عباده في هذه الدنيا هي فتنةُ المال، هي فتنةُ المال. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. وثبت عند الإمام أحمد من حديث كعب بن عياض رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن لكل أمةٍ فتنة، وفتنة أمتي المال». وفتنة أمتي المال. وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن في آخر الزمان كثيرًا من الناس لا يُبالي ما دخل عليه من مال، أمن حلالٍ أم من حرام، كما أخرج ذلك الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «سيأتي على الناس زمانٌ لا يُبالي أحدهم ما أخذ المال، أمن الحلال أم من الحرام». وهذا الإخبار معناه التحذير من هذا المسلك الخطير، ألا وهو عدم التحري في إدخال المال إلى معاش العبد. أيها المسلمون عباد الله، وإن مما تعظم به هذه الفتنة أن الإنسان فطر على حب المال، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. وكما قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾. وفسر الخير في هذه الآية بالمال، أي: وإنه لحب المال لشديد. ويقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. أيها المسلمون عباد الله، إن الناظر في أحوال كثير من الناس ليرى صورًا كثيرة من صور أكل المال الحرام، ومن إدخال المال من غير حلَّه. فمن تلك الصور عباد الله ما هو منتشرٌ بين أوساط المسلمين من الرشوة، ومن الغش، ومن الخيانة، ومن الكذب والتدليس في البيع والشراء، ومن السرقة والاختلاس في الأموال، وإلى غير ذلك من أصناف وأنواع صور لإدخال المال الحرام. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وأنتم تعلمون. قال ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه المال وليس عليه فيه بينة، فيخاصم عند الحاكم ويجحد وهو يعلم أن الحق عليه وأنه كاذب وآثم. نقل ذلك ابن كثير في تفسيره عليه رحمة الله. فهكذا من صور أكل المال المحرم، كذلك الحلف الكاذب في البيع والشراء، في البيع والشراء، فهذا من الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. وهكذا الكذب والتدليس، وهكذا الغش والتطفيف. وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهكذا عباد الله، من صور أكل المال الحرام عدم أداء الأمانة في الأعمال العامة أو الخاصة، في الوظائف العامة أو الوظائف الخاصة. فإنك تتقاضى على هذه الوظيفة أجرة مقابل عمل معين تقوم به، فإذا فرط فيه، وإذا لم تقم بما أوجب عليك في هذا العمل، فإنك تأخذ هذه الأجرة بغير حق. فاحذر يا عبد الله أن تفرط في الأمانة، لا سيما إذا لم يحاسبك أحد من البشر، فراقب الله عز وجل سبحانه وتعالى الذي يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين. فاحذر أن تتأخر عن دوامك، أو أن تتقاضى أموالًا أخرى فوق راتبك وأنت لا تستحقه، أو أن تستحل الأموال العامة التي إثمها أعظم لأنها تتعلق بشعب كامل ولا تتعلق بفرد من الأفراد. فاحذر يا عبد الله أن تستحل هذه الأموال، لا في المؤسسات الحكومية، ولا في الدوائر كذلك الحكومية، ولا في غيرها من الجهات. فمن أخذ شيئًا من ذلك فهو من أخذ المال من غير حله. أيها المسلمون عباد الله، وهكذا من صور أخذ المال المحرم، كذلك من صور أكل المال المحرم أن تتنازل عن شيء من الحق الذي علمته، ومن أمور دينك الذي علمتها، من أجل حفنة من حفن هذه الدنيا. فإن بعض الناس يدور مع المال حيث دار، وهو مع من يعطي أكثر من المال. وهذا أمر عظيم يا عباد الله، قد يؤدي بصاحبه إلى ترك سنة نبيه، بل وربما إلى ترك دينه. فإن أعداء الإسلام يستقطبون ضعفاء النفوس بهذه الدنيا الفانية. وكما أخبرنا الله عز وجل في كتابه عن ملكة سبأ لما جاءها كتاب سليمان، والتي يدعوها إلى توحيد الله عز وجل، فأرادت أن تعرف صدق هذا النبي، فقالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾. فلما جاء سليمان قال: ﴿أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾. وهكذا في قصة كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه لما هجره النبي عليه الصلاة والسلام وأمر أصحابه بهجره مع صاحبيه، وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت، ولا يكلمه أحد، وهو على هذا الحال، إذا نبطي من أنباط غسان، من أنباط القبط، يأتي ويسأل عن كعب بن مالك، من يدل على كعب بن مالك؟ فأشار إليه القوم، أي إلى كعب بن مالك، فذهب وأعطاه رسالة، ففتحها كعب بن مالك، فإذا هي من ملك غسان، ملك من ملوك الكفر والشرك. فإذا في هذه الرسالة: أما بعد، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد قلاك، وأن الله لم يجعلك بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، تعال إلينا نعطيك ما تريد من مال وملك وغيره. هكذا هي طرق ووسائل أعداء... لا أعداء... لا أعداء الله عز وجل. فاحذر يا عبد الله أن تبيع منهجك، أو أن تبيع الحق الذي علمته ونشأت عليه، بحفنة ولعاعة من لعاعة هذه الدنيا. ولقد صدق عليه الصلاة والسلام وهو الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم إذ يقول كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا، يبيع دينه بعرض من الدنيا». فاحذر أن تكون ممن يبيع دينه بسبب شيء من الريالات أو من الجعالات أو إلى غير ذلك، فتضر بنفسك وتضر بإخوانك المسلمين. وهكذا عباد الله، من صور الإفتتان بالمال أن ينشغل المسلم بهذا المال عن ما أوجب الله عز وجل عليه. وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. فاحذر أن يلهيك هذا المال عن أداء الواجبات أو عن ترك المحرمات. فهذا المال مال الله، أستخلفك فيه لينظر كيف تصنع به. وإنك لتأسف كل الأسف عندما تسمع المؤذن يؤذن وتقام الصلاة، وبعض المسلمين لا يزالون في محلاتهم أو في أعمالهم ووظائفهم، أو في لهوهم ولعبهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فنسأل الله بمنه وكرمه أن ينجينا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأستغفر الله العظيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، عباد الله، وإن من صور الإفتتان بالمال أن يعمل بعض الناس في أعمال محرمة، كبيع المخدرات وبيع المسكرات كالدخان أو القات، أو كذلك ما هو أعظم من ذلك من المخدرات المنتشرة في كثير من بلاد المسلمين. وهكذا عباد الله، من صور الإفتتان بالمال الأعمال، أو عمل بعض الناس في الأعمال المشبوهة التي هي بين الحلال الخالص والحرام الخالص. فإن السلامة في هذا النوع أن يُترك، لأن من وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كما أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام. أمر لا تعلم أهو حلال أم حرام، أهو فيه منفعة للمسلمين أو مضرة عليهم، أهو فيه خير أم شر، أهو فيه صلاح أو فساد، لا تعلم بحقيقة هذا العمل. فالسلامة يا عبد الله، فالسلامة يا عبد الله أن تتركه، فإنه من وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه. ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه. والسلامة لا يعادلها شيء. ولذلك جاء عن ابن المبارك رحمه الله تعالى أنه قال: «لأن أرد درهمًا من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بمئة ألف، أحب إلي من أن أتصدق بمئة ألف». وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: «إنا كنا ندع تسع أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام، مخافة أن نقع في الحرام». فاحذر من الأمور المشتبهة، لا سيما إذا احتفت بقرائن كثيرة كالكسب السريع، وكالإضرار بالمسلمين، وورود الشبهة: هل في ذلك مصلحة أو مفسدة؟ أيها المسلمون عباد الله، إن الذي يأكل المال الحرام أو يأخذ المال الحرام فقد عرَّض نفسه لعقوبة الله عز وجل في الدنيا وفي القبر ويوم الحشر. أما في الدنيا عباد الله، فإن هذا المال لا بركة فيه، ممحوق البركة، يخرج على صاحبه من حيث لا يشعر. وصدق الله عز وجل إذ يقول في كتابه الكريم: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. فالمال الحرام مالٌ ممحوق البركة، يخرج على صاحبه في أمور تافهة، في المحرَّمات من أكل أو شرب المسكِرات، أو من الزنا والفواحش واللواط، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهكذا جاء في الصحيحين من حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما». انظروا إلى عقوبة الله عز وجل، إلى عقوبة الله عز وجل لهذا الذي كسب المال من حرام. بل ولربما يُصاب في جسده بمرضٍ عُضال فيُخرِج هذا المال في هذا المرض، وربما يُؤدِّي به إلى الوفاة. وهكذا ربما يُصاب في أهله أو في بيته أو في سيارته. والواقع خيرُ شاهد، كم من إنسانٍ أخذ المال الحرام فإذا به يتكفَّفُ الناس، وإذا به لا يملك من المال شيئًا. وصدق الله عز وجل: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي﴾. وهكذا من عقوبة الله عز وجل لآكل المال الحرام أو آخذ المال الحرام في الدنيا، أن المظلوم يَدْعُوَ عَلَيْه هذا الذي أخذت ماله، فإنه يَرْفَعُ أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ يَدْعُوَ عَلَيْكَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ. وما في حديث معاذ لما أرسله النبي عليه الصلاة والسلام إلى اليمن وقال له: «وإياك ودعوة المظلوم»، أو: «واتقِ دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب، ليس بينها وبين الله حجاب». فهذا الذي أخذت ماله ظلمًا وعدوانًا، ألا تخش أن يدعو عليك بالفقر أو المرض، أو كذلك غير ذلك من الأسقام والأوجاع؟ فإذا احذر يا عبد الله من دعاء المظلوم. لا تظلمنا إذا ما كنت مقتدرًا فالظلم آخره يفضي إلى الندم تنام والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم، وعين الله لم تنم وقال الآخر: ألا قولوا لشخص قد تقوى على ضعفي ولم يخشَ رقيبًا خبأت له سهامًا في الليالي وأرجو أن تكون له مصيبة وهكذا من عقوبة الله عز وجل لآخذ المال الحرام في الدنيا، أن لا تقبل له دعوة، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ثم ذكر الرجل أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟ كيف يستجاب له وقد تلبس بهذا الجرم العظيم؟». انظروا، قد أتى بأسباب كثيرة من أسباب مضنة استجابة الدعاء: أولاً مسافر، ودعوة المسافر مستجابة، ثم هو رفع يديه وهذا مضنة استجابة الدعاء، ثم توسل باسم الله الرب فيقول: يا رب يا رب، ومع هذا لا يستجاب له لأنه أكل المال الحرام. وهكذا عباد الله، في هذا الحديث فيه عقوبة أخرى، وهي أن آخذ المال الحرام لا يقبل منه ما تصدق به من هذا المال، لأنه مال خبيث، والله طيب لا يقبل إلا طيبًا. فمهما تصدق ومهما عمل في وجوه البر والإحسان فهو مردود عليه، وما حاله إلا كما قال القائل: بنى مسجدًا لله من غير حله فتم بحمد الله غير موفق ككافلة الأيتام من كد فرجها لك الويل لا تزني ولا تتصدق ورحم الله الصديق. وهذا فيه أن من يعلم أن هذا المال الذي تصدق به عليه مال حرام، لا يجوز له أن يدخله في بطنه، ولا يجوز له أن يقبله. ورحم الله الصديق أبو بكر رضي الله تعالى عنه، كما جاء في صحيح البخاري من حديث عائشة، أنه كان له غلام، كان له غلام يخرج له الخراج، يخرج له الخراج فيأكل منه أبو بكر، يعني يأتيه في اليوم بشيء من المال لأنه غلام لأبي بكر، فيأخذ أبو بكر هذا المال ويأكله. ففي ذات يوم أتى هذا الغلام بشيء فأكله أبو بكر، فقال هذا الغلام لأبي بكر: «أتدري ما هذا؟» قال له: «وما هو؟» قال: «تكهنت لرجل في الجاهلية ولا أحسن الكهانة، ولكني خدعته، فلقياني فأعطاني هذا الذي أكلته». فما كان من أبي بكر إلا أن أدخل أصبعه في فمه فأخرج كل شيء في بطنه، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وهكذا عباد الله، عقوبة الله عز وجل لأخذ المال الحرام، وهو كذلك في قبره، إذ أن هذا المال الذي أخذه يشتعل عليه نارًا، كما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلًا أصابه سهم طائش في خيبر فقتل، فقال الناس: هنيئًا له الشهادة. فقال عليه الصلاة والسلام: «كلا، إن الشملة التي أصابها يوم خيبر لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا، لتشتعل عليه نارًا». فجاء رجل لما سمع الناس بذلك، جاء رجل بشراك وشراكين إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «شراك أو شراكان في النار». أتدري ما هي الشملة؟ وكم ياترى قيمتها؟ الشملة هي العباءة التي يشتمل بها، قيمتها دراهم معدودة. فكيف بمن أخذ الأموال الكثيرة؟ الأمر خطير يا عباد الله. وهكذا يوم القيامة، فإن آكل المال الحرام إن مات ولم يتب من هذا الجرم العظيم، فإنه موعود بنار جهنم وبئس المصير. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾. وهكذا جاء عند الترمذي من حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «يا كعب، لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به، إلا كانت النار أولى به». وهكذا جاء في البخاري من حديث خولة الأنصارية رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن رجالًا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة». ومعنى يتخوضون: أن يتصرفون في المال بالباطل، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله، يتصرف في المال بالباطل. وقد شرح هذا الحديث العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله فقال: «ويدخل في هذا الحديث من أخذ المال من حله ولكنه صرفه في الباطل كالمحرمات وغيرها». وهكذا يدخل في ذلك من أمن على شيء من المال فأخرجه في غير حقه، أي أخرجه بالباطل، فله النار كما أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام. فأيها المسلمون، إن هذه النصوص لهي أعظم زاجر لكل من له عقل، اللبيب أن يرد درهمًا واحدًا أخذه من حرام. ألا فتوبوا إلى الله سبحانه وتعالى، وتحللوا في هذه الدنيا قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وإنما هي الحسنات والسيئات. فإن من شروط التوبة التي تتعلق بحقوق الخلق أن ترد المظالم التي أخذتها منهم. نعم، قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري: «من كان عنده مظلمة لأخيه في عرضه أو في شيء فليتحلل منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وإنما هي الحسنات والسيئات، فيأخذ من حسناته إن كانت له حسنات، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فتحمل عليه». ويقول عليه الصلاة والسلام: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى يقاد الشاة الجلحاء من الشاة القرناء». فيكون القصاص يوم القيامة في المظالم. عباد الله، ألا فلنتحلل في هذه الدنيا، فنار الله أشد وأبقى. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا إلى كل خير، ونسأله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا وأن يرحمنا وأن يتوب علينا، إنه هو التواب الرحيم. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين. اللهم انصر كتابك وسنة نبيك، اللهم انصر كتابك وسنة نبيك. اللهم ولي علينا خيارنا ولا تولي علينا شرارنا، واجعل ولايتك في من خافك واتقاك واتبع رضاك، يا ذا الجلال والإكرام. اللهم من أرادنا والمسلمين بخير فوفقه إلى كل خير، ومن أرادنا والمسلمين بسوء فأشغله في نفسه واجعل الدائرة عليه، يا قوي يا عزيز. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. آمين آمين.