منظومة السير إلى الله والدار الآخرة  12

منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 12

الدرس في منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

معنى الإحسان في العبادة وحقوق الخلق

يشرح المقطع مفهوم الإحسان الوارد في حديث جبريل مبيناً درجتيه: مرتبة المشاهدة ومرتبة المراقبة، وأن الأولى أكمل. كما يعرض تعريف العلماء للإحسان في حقوق الخلق ببذل المنافع وكف الأذى وطلاقة الوجه.

الإحسان ثمرة لمراقبة الله في الحقوق والعبادات

يبيّن المقطع أن الإحسان في حقوق الوالدين والأقارب والجيران وفي العبادة كلها ينشأ من مراقبة العبد لربه. وتثمر هذه المراقبة الإتقان في الظاهر والباطن والإخلاص لله فتكتمل العبادة وتصلح القلوب والمجتمعات.

منزلة الإحسان ودورها في التربية والإصلاح المجتمعي

يؤكد المقطع أن إصلاح المجتمعات يقوم على تحقيق منزلة الإحسان وهي لب الإيمان وكماله الجامعة لمنازل الخوف والرجاء والمحبة. ويوجّه إلى مجاهدة النفس بالتدريج على مراقبة الله في السر والعلانية وتعليم الأبناء ذلك اقتداءً بلقمان.

خطر إهمال الناشئة لمنزلة الإحسان ووقوعهم في المعاصي

يحذر المقطع من انغماس عدد كبير من الأولاد والشباب في المعاصي والمخالفات وترك الطاعات. ويرجع السبب إلى فراغ قلوبهم من الإيمان والتقوى وإهمالهم لمنزلتهم الدينية العظيمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الحمد كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في منظومته «السير إلى الله والدار الآخرة»: «واعبد الإله على اعتقاد حضوره، فتبوأوا في منزل الإحسان». قال في شرحه: هذه المنزلة يقال لها منزلة الإحسان، وهي كما فسرها النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تعبد الله وحدك كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وقوله: «واعبد الإله على اعتقاد حضوره» يعني: اعبد الله عز وجل كأنك تراه، أو كأنه يراك سبحانه وتعالى. والإحسان نوعان: إحسان في عبادة الخالق سبحانه وتعالى، وهو ما فسره به النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، حديث عمر في الصحيحين، حديث عمر في مسلم، وجاء من حديث أبي هريرة في الصحيحين. فهذا هو معنى الإحسان في عبادة الخالق: أن تعبد الله وحدك كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فقوله: «أن تعبد الله»، يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى عند شرحه لهذا الحديث: المراد بالعبادة الطاعة مطلقة. المراد بالعبادة في قوله: «أن تعبد الله»، الطاعة مطلقة. قال: فيدخل في ذلك جميع الوظائف والأعمال، فيدخل في ذلك جميع الوظائف والأعمال، فيدخل في ذلك ما أمر الله به وما نهى الله عنه. وهذه المنزلة بهذا المعنى التي أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام، فيها إرشاد -أي هذا الحديث- إلى مراتبها، أي مراتب الإحسان. فإن الإحسان لهذا المعنى له مرتبتان: مرتبة المشاهدة، وهذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «أن تعبد الله كأنك تراه، كأنك تراه». والثانية: مرتبة المراقبة، وهي في قوله عليه الصلاة والسلام: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فإنه يراك». وأكمل هاتين المرتبتين هي الأولى: مرتبة المشاهدة، ولذلك قدمها النبي عليه الصلاة والسلام على مرتبة المراقبة. فمن يعبد الله على المشاهدة، هذا أكمل وأمكن ممن يعبد الله على المراقبة. هكذا قرر العلماء رحمهم الله تعالى. هذا النوع الأول من أنواع الإحسان: إحسان في عبادة الخالق. وهناك إحسان في حقوق الخلق، إحسان في حقوق الخلق. وقد فسره العلماء ببذل جميع المنافع من أي نوع كان، وبعضهم فسره بقوله: «بذل الندى، وكف الأذى، وطلاقة الوجه». هذا الإحسان في حقوق الخلق: من الوالدين، ومن الأقربين والأرحام، ومن الجيران، ومن الأزواج، ومن عموم إخوانك المسلمين. قال رحمه الله تعالى: فإذا تصور الإنسان هذا المقام في جميع أحواله، لا سيما حال العبادة، منعه من الالتفات بقلبه إلى غير ربه، بل أقبل بكليته على الله، وتوجه بقلبه إليه، متأدبا في عبادته، آتيا بجميع ما يكملها، مجتنبا كل منقص، مجتنبا كل منقص لها. فالإحسان في العبادة يولد أمرين اثنين، يولد أمرين اثنين: الإتقان والإخلاص. فمن راقب الله في عبادة ربه سبحانه وتعالى، فإنه ينال هاتين المرتبتين، أو هاتين... هذين الأمرين، ينال هذين الأمرين: الإتقان في العبادة، فيؤديها كما أراد الله، يؤديها في الظاهر والباطن بإتقان. في الظاهر: بأن يؤديها بأركانها وشروطها وواجباتها ومستحباتها، فيأتي بالعبادة كما أراد الله سبحانه وتعالى، ولا ينقص شيئا من ذلك. وهكذا في الباطن: يقبل بقلبه على الله، فيؤدي هذه العبادة بحضور قلب، وبخشوع كذلك قلب وجواره، فسيؤدي هذه العبادة على التمام والكمال بإذن الله سبحانه وتعالى، كما ذكر الشارح رحمه الله رحمة واسعة. وكذلك من راقب الله عز وجل في عبادة ربه، فإنه يخلص في هذه العبادة، ويؤديها لله عز وجل، لا يلتفت إلى الخلق، ولا يؤدي هذه العبادة من أجل الخلق، وإنما من أجل الخالق، لأنه يستشعر ويتصور أن الله يراقبه ويشاهده، ويشاهده، أو أنه يشاهد الله سبحانه وتعالى: «أن تعبد الله كأنك تراه». فمن استشعر هذا الأمر، لا سيما... فمن استشعر هذا الأمر، لا بد أن يتقن وأن يخلص في عبادة الله سبحانه وتعالى، سواء كان في الأوامر أو في النواهي. فإن العبادة، كما تقدم عن الإمام النووي رحمه الله تعالى، المراد بها الطاعة مطلقة، فيشمل جميع الوظائف والأعمال: من المأمورات بأدائها، ومن المنهيات بتركها، بتركها. فلو راقب العبد ربه، ولو راقب المسلمون ربهم، لم يحتاجوا إلى... يعني: كاميرات مراقبة، ولا شرط، ولا محاكم، ولا شيء من ذلك، لأن المسلم ما يتعامل مع الخلق، إنما يتعامل مع الخالق سبحانه وتعالى، فيراقب الله عز وجل في كل ما يأتي ويذر، في كل ما يأتي ويذر. فلذلك، صلاح المجتمع إنما هو بصلاح القلوب، بالإيمان بالله عز وجل، وبتحقيق المراقبة لله سبحانه وتعالى. وهذا ما يدعو إليه أهل الحق في كل زمان ومكان: من تربية المجتمع على الإيمان بالله، وعلى تزكية النفوس، وعلى تحقيق مبدأ المراقبة لله سبحانه وتعالى. فبهذا تصلح المجتمعات. وهذه دعوة أهل السنة والجماعة، فإنهم يدعون إلى التصفية والتربية، ومن ذلك تزكية النفوس، ومن ذلك مراقبة الخالق سبحانه وتعالى في جميع الأعمال والأقوال والأحوال. قال رحمه الله تعالى: وهذه المنزلة من أعظم المنازل وأجلها، ولكنها تحتاج إلى تدريج للنفوس شيئا فشيئا. أي أن المسلم يجاهد نفسه على تحقيق هذه المنزلة، وذلك بتحقيقها شيئا فشيئا، حتى يألفها، وحتى كذلك تسهل عليه. قال رحمه الله: ولا يزال العبد يعودها نفسه حتى تنجذب إليها وتعتادها، فيعيش العبد قرير العين بربه، فرحا مسرورا بقربه، وذلك بالتمرين والممارسة على هذه المنزلة العظيمة: منزلة الإخلاص، منزلة الإحسان. يقول ابن القيم عليه رحمة الله، كما في كتابه «مدارج السالكين»، يقول عن هذه المنزلة -منزلة الإحسان-: هي لب الإيمان، هي لب الإيمان وروحها وكماله. قال: وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل، وهذه المنزلة تجمع جميع المنازل، فجميعها منطوية فيها: من الخوف، من الرجاء، من المحبة، من التوكل على الله عز وجل. كل ذلك مندرج تحت هذه المنزلة، منزلة الإحسان، كما ذكر رحمه الله تعالى. وقد أمر الله عز وجل في كتابه بهذه المنزلة وبتحقيقها في آيات كثيرة من كتابه سبحانه وتعالى. وقد أمر الله عز وجل بالمراقبة، وأن يراقب العبد ربه. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه﴾، وذلك بامتثال أمره واجتناب نهيه. وهكذا قال الله عز وجل: ﴿وكان الله على كل شيء رقيبا﴾، ﴿وكان الله على كل شيء رقيبا﴾. فالله عز وجل مطلع على جميع حركات وسكنات عباده. وهكذا يقول الله عز وجل: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ بعلمه وإحاطته سبحانه وتعالى. وقال الله عز وجل: ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾، لأن الله يرى. وقال سبحانه وتعالى: ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾. فهكذا ينبغي للمسلم أن يعلم ذريته وأولاده هذه المنزلة العظيمة، وأن يربيهم عليها. فهذا لقمان يقول لابنه: ﴿يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله﴾، ﴿يأت بها الله إن الله لطيف خبير﴾. من منا جلس مع أولاده، وقرر لهم هذه المنزلة، وبيّن لهم أن الله عز وجل يرى جميع أعمالهم، وجميع أقوالهم، وجميع حركاتهم؟ فينبغي للمسلم أن يعتني بأولاده، فإن الولد ربما لا يعرف مصلحة نفسه. فكم من الأولاد، وكم من الشباب، ممن أهمل هذه المنزلة، فوقع في المعاصي، ووقع في المخالفات، بل وترك الطاعات، لأن قلبه قد فر