منظومة السير إلى الله والدار الآخرة  1

منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 1

الدرس في منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة شرح الدرة الفاخرة: غاية العبادة وانحراف الناس

يستهل الشيخ شرح المنظومة ببيان أن غاية العبادة هي معرفة الله ومحبته والإنابة إليه. ويشير إلى أن أكثر الناس انشغلوا بالشهوات والعادات عن هذا الصراط المستقيم فخسروا السعادة الحقيقية.

تحذير من جعل الدنيا أساساً وإهمال السير إلى الله

يوضح المقطع كيف ينشغل الناس بالتجارة واللهو والدنيا فيتركون الصلاة والعبادة مستشهداً بآيات وأحاديث تحذر من الغفلة. ويبين أن من يفضل شهوات الدنيا على طاعة الله يقع في الجهل والظلم داعياً المسلم ليكون كغريب في الدنيا.

خطر الغفلة عن الله وفضل السائرين إليه

يشبه المؤلف أهل الدنيا بالسكرى الذين استحوذت عليهم الشهوات فقلبوا الحقائق، مبيناً أن نسيان الله يعني تركه للعبد عن علم وعمد. ويذكر أن القلة القليلة من العقلاء آثروا الآخرة فوجدوا لذة العبادة وسهولتها وصاروا سادة بأخلاقهم.

خاتمة المقدمة والانتقال إلى بدء المنظومة

أشار المحاضر إلى انتهاء المقدمة الخاصة بالمنظومة موضحاً أن الدرس القادم سيبدأ بشرح أول أبياتها. وختم الجلسة بالدعاء والتسليم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فبين يدي هذه الرسالة المسماة "الدرة الفاخرة في التعليق على منظومة السير إلى الله والدار الآخرة"، وهي عبارة عن تسعة عشرة بيتا نظمها العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى، ثم شرحها وعلق عليها. وكما قال العلماء: إن أفضل شرح للكتب هو الشرح الذي يتولاه المؤلف نفسه؛ لأن صاحب الدار أدرى بما فيها، فهو أعلم بمراده، وأعلم بقصده. فلذلك يعد هذا التعليق من أنفس التعليقات على هذه المنظومة، على منظومة "السير إلى الله والدار الآخرة". فشرحها وعلق عليها، وسماها "الدرة الفاخرة". فقال رحمه الله تعالى، قبل أن يشرع في أول هذه المنظومة: "الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه أجمعين. قال: هذا تعليق لطيف على منظومة في السير إلى الله والدار الآخرة، يحل معانيها ويوضح مبانيها؛ فإنها قد حصلت على كثير من منازل السائرين إلى الله، فهي في الحقيقة عبارة عن ذكر لبعض منازل السائرين إلى الله عز وجل". قال: "التي توصل صاحبها إلى جنات النعيم في جوار الرب الكريم، وتمنعه من عذاب الجحيم والحجاب الأليم". ويريد بالحجاب الأليم: يعني الحجاب عن رؤية الرب سبحانه وتعالى. فقوله: "التي توصل صاحبها إلى جنات النعيم في جوار الرب الكريم"، أي: أن أهل الجنة يرون ربهم، كما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام في وصف أهل الجنة: وأن الله عز وجل يناديهم، فيقول: «يا أهل الجنة، هل رضيتم؟» قالوا: وما لنا لا نرضى، وقد آتيتنا ما لم تؤت أحدا من خلقك. فقال سبحانه وتعالى: «إني أعطيكم أعظم أو أكثر من ذلك». قالوا: وما أكثر من ذلك؟ قال: «أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا». فأهل الجنة في جوار الرب الكريم سبحانه وتعالى. وأما من لم يتخذ هذه المنازل ويسير عليها، فيمنعه ذلك من رؤية الرب الكريم سبحانه وتعالى، فيحجب، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]. قال: "والله المسؤول بفضله ومنه أن يجعله خالصا لوجهه، مقربا عنده". ثم قال: "واعلم". هذا كله مقدمة قبل الشروع في هذه المنظومة. قال: "واعلم أن المقصود من العبادة: عبادة الله ومعرفته ومحبته والإنابة إليه على الدوام، وسلوك الطرق التي توصل إلى دار السلام". وشرع المؤلف وبدأ هذه الرسالة بهذه المقدمة في ذكر العبادة، وما ينبغي أن يكون عليه السائر إلى الله عز وجل؛ لأن العبادة هي الأساس في صلاح الأعمال، وبلوغ هذه المنازل العظيمة، منازل السائرين إلى الله. فينبغي أول ما يبدأ به -أو ما يبدأ به- في السير إلى الله عز وجل، أن يحدد هذا السائر غايته، وهكذا هدفه. فغاية السائر إلى الله عز وجل وهدفه: هو عبادة الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. فالسائر إلى الله يعيش في هذه الحياة وهو قد حدد هدفه وغايته، وهي العبادة لله سبحانه وتعالى، التي تقوم على محبة الله والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، والتي تدفعه هذه المحبة وهذه الإنابة إلى سلوك الطرق التي توصل إلى دار السلام. ويراد بالطرق هنا: أفراد الأقوال والأعمال والعبادات، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]. فجمعت السبل هنا، ويراد بها: أفراد الأقوال والأعمال والعبادات التي ينبغي أن يسير عليها السائرون إلى الله سبحانه وتعالى. وهذه الأقوال والأعمال والعبادات توصل إلى الله سبحانه وتعالى، وكلها ترجع إلى صراط وسبيل واحد، وهو الصراط المستقيم الذي جاء به نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام. ثم قال رحمه الله: "وأكثر الناس غلب عليهم الحس، وملكتهم الشهوات والعادات، فلم يرفعوا بهذا الأمر رأسا، ولا جعلوه لبنائهم أساسا، بل أعرضوا عنه اشتغالا بشهواتهم، وتركوه عكوفا عن مراداتهم، ولم ينتبهوا لاستدراك ما فاتهم في أوقاتهم، فهم في جهلهم وظلمهم حائرون، وعلى حضوض أنفسهم الشاغلة عن الله مكبون، وعن ذكر ربهم غافلون، ولمصالح دينهم مضيعون، وفي سكر عشق المألوفات هائمون، نسوا الله فأنساهم أنفسهم، أولئك هم الخاسرون". فبين رحمه الله تعالى أن كثيرا من الناس قد حادوا عن تلك الطرق التي توصل إلى دار السلام، والتي هي من أعظم صفات السائرين إلى الله سبحانه وتعالى. فقال: "وأكثر الناس غلب عليهم الحس"، ويريد بقوله "غلب عليهم الحس": يعني أنهم آمنوا بالمحسوسات والمشاهدات، فانكبوا عليها، فصرفتهم عن هذا الصراط المستقيم، وهذا السير إلى الله رب العالمين. فقال: "وملكتهم الشهوات والعادات"، يعني: شهوات الدنيا، فانشغلوا بها عن السير إلى الله سبحانه وتعالى. وكأنه يحكي واقعنا رحمه الله تعالى. فكم من أناس قد شغلتهم هذه الدنيا عن الواجبات، ولا أقول عن المستحبات. فلربما تجد المؤذن يؤذن وتقام الصلاة، وذاك في دكانه، وذاك في متجره، وذاك في لهوه ولعبه، وذاك في تجارته، وكأن هذا النداء لا يعنيهم. ولا حول ولا قوة إلا بالله. فلا شك أن هذا أقرب مثل يدل على ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى. وهكذا: كم من أخ قد قتل أخاه بسبب هذه الدنيا والإنهماك في شهواتها. وهكذا كم من جار قد خاصم جيرانه وقاطعهم بسبب هذه الدنيا. وكم من قريب قد قطع أرحامه بسبب هذه الدنيا والحرص عليها. وقوله هنا: "فلم يرفعوا بهذا الأمر رأسا"، يعني: أمر العبادة والسير إلى الله عز وجل، لا يعتنون بذلك، ولا يحرصون على أداء هذه السبل والطرق التي توصل إلى دار السلام. قال: "ولا جعلوه لبنائهم أساسا". تجد أن كثيرا من الناس الأساس عنده الدنيا، فإن وجد فراغا لأمر آخرته أتى بهذا الأمر الأخروي، وأما إذا لم يجد وقتا ومنهمك في دنياه، فإنه لا يلقي لأمر آخرته بالا. وقد حذرنا الله سبحانه وتعالى من ذلك في آيات كثيرة، أن تلهينا هذه الدنيا عن طاعة الله، وعن السير إلى الله سبحانه وتعالى. فقال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33]. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: 9]. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: 11]. فاحذر يا عبد الله أن تكون الدنيا هي الأساس عندك. هذا هو حال كثير من الناس، أن الدنيا هي الأساس عنده، وأما أمر آخرته وأمر دينه وأمر سيره إلى الله عز وجل، فيعطيه فضول وقته، إن وجد شيء من هذا الفضول. وهذا ليس من صفات السائرين إلى الله عز وجل. فالسائرون إلى الله: الأساس عندهم هو أمر الدين، الأساس عندهم هو أمر آخرتهم، ويعلمون أنهم في هذه الدنيا إنما هم غرباء، إنما هم كالمسافر يوشك أن يرجع إلى أهله، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». هذا هو حال السائر إلى الله عز وجل، يكون في هذه الدنيا كالغريب. الغريب لا يتشبث بأرض الغربة، ولا يركن إليها، بل يحن إلى وطنه وإلى بلده. وهكذا يقول عليه الصلاة والسلام، كما عند الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: «ما لي وللدنيا، ما أنا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها». راكب يعني: مسافر، بلغ به عناء السفر مبلغه، فأراد أن يستريح، وأراد أن يبرد، فوجد شجرة ظليلة، فاستظل تحتها. كم سيجلس تحت هذه الشجرة؟ إنها لحظات يسيرة، ثم يذهب ويتركها. وهكذا هي حال الإنسان، وهذه هي حال الإنسان في هذه الدنيا كهذا الراكب: لحظات يسيرة وأوقات يسيرة، ثم يرحل إلى الله سبحانه وتعالى. فاحذر أن تكون ممن قد شغلته هذه الشهوات عن السير إلى الله سبحانه وتعالى. وأما قوله: "بل أعرض عنه اشتغالا بشهواتهم"، يعني: أعرض عن عبادة الله، اشتغالا بهذه الشهوات، من جمع الأموال، ومن بناء الدور والقصور، ومن الركون إلى هذه الدنيا. "وتركوه عكوفا عن مراداتهم"، يعني: العكوف هو الملازمة، أي: لازموا هذه الشهوات والمرادات الدنيوية، فكان ذلك له أثر في تركهم لعبادة الله. وقوله: "ولم ينتبهوا لاستدراك ما فاتهم في أوقاتهم"، فإن الغافل لا يلقي لوقته بالا، ولا كذلك يحرص على استغلال وقته، فهو مضيع لوقته، وهو كذلك غير مبال بوقته. قال: "فهم في جهلهم وظلمهم حائرون". الذي يغفل عن ذكر الله وينشغل بدنياه، لا شك أن الجهل يستحوذ عليه، وأن الظلم كذلك يستحوذ عليه. قال: "وعلى حضوض أنفسهم الشاغلة عن الله مكبون". فإن من انشغل بالدنيا، ولم يحضر مجالس العلم، ولا مجالس الذكر، ولا كذلك مجالس الخير، لا شك أن الشيطان يستحوذ عليه، فيكون من أهل الغفلة، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. فالغفلة داء عضال قد أصيب به كثير من الناس، فتجده يجرس الساعات الطوال ولا يذكر الله سبحانه وتعالى، وإن ذكره ذكر الله قليلا. قال: "ولمصالح دينهم مضيعون"، بسبب انشغالهم بهذه الدنيا. مصالح دينهم: من أداء الواجبات، ومن ترك المحرمات، ومن السير إلى الله سبحانه وتعالى. قال: "وفي سكر عشق المألوفات هائمون". وهذا من بديع تعبير المؤلف، إذ شبه هؤلاء أهل الدنيا بالسكرى الذين قد ملكتهم هذه الدنيا، فاستحوذت على عقولهم وقلوبهم، فما حالهم إلا كحال السكران الذي أثر فيه هذا السكر، فصار لا يعي ما يعمل وما يقول. فهؤلاء بسبب سكر عشق المألوفات، يعني: مما ألفوه من شهوات وملذات هذه الدنيا، هائمون. يرون المعروفة منكرا، والمنكر معروفة. ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولذلك استدل بهذه الآية: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: 19] - أولئك هم الخاسرون. وهل الله سبحانه وتعالى يوصف بالنسيان؟ هذه المسألة فيها تفصيل: فإن كان المراد بالنسيان هو الذهول عن المعلوم، فهذا لا يوصف به الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]. وأما إذا كان المراد بالنسيان: ما كان الترك، إذا كان المراد بالنسيان الترك عن علم وعمد، فإن الله يوصف به، كما في هذه الآية: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: 19]، أولئك هم الخاسرون. فتركهم سبحانه وتعالى عن علم وعمد، وليس عن ذهول عن شيء قد علمه سبحانه وتعالى، فعلم الله عز وجل سابق. وإنما المراد: نسوا الله فأنساهم أنفسهم، أي: تركهم عن علم وعمد، لما هم فيه من الغفلة، ومن البعد عن ذكره وشكره. قال رحمه الله: "ولم ينتبه من هذه الرقدة العظيمة والمصيبة الجسيمة إلا القليل من العقلاء، والنادر من النبلاء". والمراد بالرقدة العظيمة: الركون إلى هذه الدنيا والانشغال بها، وترك سبل وطرق السير إلى الله عز وجل. وهكذا سماها مصيبة جسيمة، بل هي أعظم مصيبة، أعظم من مصيبة فقد الأموال، وفقد كذلك الأولاد؛ لأن هذا يؤثر في دنيا العبد، وأما فقد الدين، وفقد كذلك العبادة لله عز وجل، فهذه تؤثر على دين العبد، وربما تكون سببا في دخوله إلى النار، والعياذ بالله. وقوله: "إلا القليل من العقلاء"، أي: أن من وفق إلى تحقيق العبادة والسير إلى الله قليل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]، وكما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]، وقال الله عز وجل في كتابه الكريم كذلك في آيات كثيرة: أن الصابرين والشاكرين هم أهل القلة. قال: "فعلموا أن الخسارة كل الخسارة: الاشتغال بما لا يجدي على صاحبه إلا الوبال والحرمان". فهذه من صفات السائرين إلى الله عز وجل، أنهم علموا أن الخسارة كل الخسارة، هذه هي الخسارة الحقيقية، هذه هي الخسارة الحقيقية، وهذه هي المصيبة العظمى، وهو الاشتغال بما لا يجدي على صاحبه إلا الوبال والحرمان. ومن ذلك: الانشغال بهذه الدنيا، والحرص عليها، والإنكباب عليها، وترك ما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿وَلَا يُعَوِّضُهُ مِمَّا يُؤَمِّلُ إِلَّا الْخُسْرَانَ﴾ [العنكبوت: 23]. يعني: ما ينال بغيته، ولا ينال مراده. الذي ينشغل بهذه الدنيا، ربما يجعل الله عز وجل فقره بين عينيه، كما ثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «ومن كانت الدنيا همه، شتت الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما كتب له». فصدق رحمه الله في قوله: ﴿وَلَا يُعَوِّضُهُ مِمَّا يُؤَمِّلُ إِلَّا الْخُسْرَانَ﴾. قال: "فآثروا الكامل على الناقص". هؤلاء هم العقلاء، هؤلاء هم النبلاء: آثروا الكامل على الناقص، وباعوا الفاني بالباقي، وتحملوا تعب التكليف والعبادة. وبعض أهل العلم انتقد لفظة "التكليف"، فقال: هذا اللفظ لم يرد في الكتاب والسنة إلا على سبيل النفي، ولم يرد على سبيل الإثبات، كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. فلو يعبر بغيره لكان أولى وأكمل. ويريد: "تحملوا تعب التكليف"، يعني: تحملوا تعب العبادات الشرعية والأوامر الربانية، حتى صارت لهم لذة وعادة. والمراد باللذة: أي أنهم يتلذذون بهذه العبادات، فذهب عنهم ذلك التعب، وذلك كذلك المشقة التي ربما توجد في بعض العبادات، بسبب ما يجدونه في قلوبهم من لذة الطاعة، سواء كان في الصيام، أو في القيام، أو في قراءة القرآن. فصارت لهم هذه العبادات لذة وعادة. ويراد بالعادة هنا -بارك الله فيكم-: ليس أنه شيء اعتادوه بغير نية التقرب، وإنما المراد بالعادة: صارت عبادة وعادة، فلازمتها نفوسهم، فصارت هينا سهلة على هذه النفوس. بل ربما يوقظ أحدهم إيقاظا لأداء هذه العبادة، كما ذكر ذلك العلام ابن القيم عليه رحمة الله: الذي تعلق بطاعة الله عز وجل، ربما يوقظ لأداء هذه العبادة إيقاظا، لأنه قد اعتاد هذه العبادة، وصارت من أعمال يومه، وصارت كأكله وشربه الذي لا ينساه، والذي لا يغفل عنه. وهكذا هذه العبادات صارت له لذة وعادة. قال: "ثم صاروا بعد ذلك سادة"، يعني: بسبب صبرهم، وبسبب كذلك تحملهم لهذه العبادات، فصارت سهلة هينة عليهم. قال: "فاسمع صفاتهم، واستعن بالله على الاتصاف بها". هذه مقدمة ذكرها قبل أن يشرع في أول أبيات هذه المنظومة. فنكتفي في هذا الدرس بهذه المقدمة، ونشرع في أول أبياتها في الدرس القادم، بإذن الله تعالى. إلى هنا، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.