الدرس في منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 13، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتصف السائرون إلى الله بأكمل حال في معاملة الخلق، حيث يبذلون غاية النصح والإحسان ويحبون للناس ما يحبون لأنفسهم. ويستندون في ذلك إلى الأحاديث النبوية التي تأمر بتغيير المنكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يتميز السائرون إلى الله بالحرص على النفع الديني والدنيوي معاً، فيدعون للتوحيد وينكرون الشرك ويطعمون الجائع وينصرون المظلوم. كما يصبرون على أذى الناس اقتداءً بالنبي ﷺ ولا يرجون من الخلق أجراً ولا جاهاً بل يعملون لله خالصاً.
يختتم المؤلف بذكر صفات السائرين إلى الله والدار الآخرة داعياً الله أن يجعله وإياهم من أهلها. ويختم المجلس بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في منظومته «السير إلى الله والدار الآخرة»: «نصح الخليقة في رضا محبوبهم بالعلم والإرشاد والإحسان صحب الخلائق بالجسوم وإنما أرواحهم في منزل فوقاني» قال: هذه حالهم مع الخلق أكمل حال وأجلها، فأبدوا لهم غاية النصح، وأحبوا لهم ما أحبوا لأنفسهم من الخير، وكرهوا لهم ما كرهوا لأنفسهم من الشر، فسعوا في إزالة الشر عنهم بكل ممكن، واجتهدوا في إيصال النفع إليهم بكل مقدور، من أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وإطعام جائعهم، وكسوة عاريهم، وإغاثة ملهوفهم، وتعليم جاهلهم، وردع ظالمهم، ونصر مظلومهم، واحتمال أذاهم، وكفهم أذى أنفسهم عنهم. ومع هذا فصحبتهم لهم بالظاهر والجسم، وهذه كذلك من صفات السائرين إلى الله والدار الآخرة. كيف تعاملهم مع الخلق؟ كيف تعاملهم مع الناس؟ فالدين والإسلام ليس هو علاقة فقط مع الخالق سبحانه وتعالى، بل هو علاقة كذلك مع المخلوق. فهؤلاء من صفاتهم مع الخلق أن حالهم مع الخلق أكمل حال وأجلها، فأبدوا لهم غاية النصح، وهذه من أبرز صفات السائرين إلى الله أنهم نصحة للخلق، وأنهم يحبون للخلق ما أحبوا لأنفسهم من الخير. فقد قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وجاءت رواية في مسند الإمام أحمد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير، حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير». ألا وإن أعظم الخير الذي يقدمه السائرون إلى الله والدار الآخرة للخلق هو الخير الديني من التعليم والنصيحة، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بقدر ما يستطيعون. كما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». فهذا معنى قول المؤلف رحمه الله تعالى: «فسعوا في إزالة الشر عنهم بكل ممكن»، يعني بما يستطيعون. إن استطاعوا بأيديهم فعلوا، وإن استطاعوا بألسنتهم فعلوا، وإلا فإنهم ينكرون المنكر بأقل درجاته، ألا وهو الإنكار بالقلب. ولذلك قال: «واجتهدوا في إيصال النفع إليهم بكل مقدور»، فقدم رحمه الله النفع الديني لأنه هو الأهم وهو الأعظم، فقال: «من أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر». فهذه من صفات السائرين إلى الله أنهم قائمون بهذه الشعيرة العظيمة، شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، اقتداءا لقول الله عز وجل: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، وغيرها من الآيات. ألا وإن من أعظم المعروف التوحيد، فمن أعظم صفات السائرين إلى الله عز وجل دعوتهم إلى توحيد الله عز وجل، إلى تحقيق العبادة خالصة لله سبحانه وتعالى. ألا وإن من أعظم المنكر الشرك بالله عز وجل، ومن صفات السائرين إلى الله عز وجل أنهم ينكرون الشرك بجميع أنواعه وأشكاله. ثم بعد ذلك انتقل إلى النفع الدنيوي، فقال: «وإطعام جائعهم وكسوة عاريهم وإغاثة ملهوفهم وتعليم جاهلهم وردع ظالمهم ونصر مظلومهم واحتمال أذاهم». فهذه أيضًا من صفات السائرين إلى الله سبحانه وتعالى والدار الآخرة، أنهم ينفعون الناس ويتفقدون أحوال الناس. فمن كان من الناس جائعًا سعوا في إطعامه، ومن كان منهم عاريًا سعوا في كسوته، ومن أراد النصرة والإعانة سعوا في إغاثته، وهكذا من كان منهم جاهلًا حرصوا على تعليمه ورفع الجهل عنه. وكل ذلك من صفات السائرين إلى الله سبحانه وتعالى. وقد حسن العلامة الألباني رحمه الله تعالى حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، ذلكم الحديث الذي أخرجه الطبراني في الكبير وفي الأوسط وفي الصغير، وهو قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعة. قال: ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا». والحديث كما تقدم، حسنه العلامة الألباني في صحيح الجامع برقم ستة وسبعين ومئة. فعلى تحسين العلامة الألباني، فإن هذا الحديث يستدل به على ما ذكره المؤلف رحمه الله من صفات السائرين إلى الله، من أنهم من أنفع الناس للناس، وأنهم يتفقدون أحوال إخوانهم، مصداق قول النبي عليه الصلاة والسلام: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وشبك بين أصابعه عليه الصلاة والسلام. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». وهكذا من صفات السائرين إلى الله ردع ظالمهم ونصر مظلومهم، كما جاء في حديث أنس في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا». فقالوا: يا رسول الله، ننصره إذا كان مظلومًا، فكيف ننصره إذا كان ظالمًا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «تحجزه أو تمنعه عن الظلم». وهذا معنى قوله: «وردع ظالمهم». فمن كان ظالمًا من الخلق ردعوه ونصحوه وحجزوه عن ظلمه وطغيانه، ومن كان مظلومًا من الخلق وقفوا معه ونصروه على ظالمه. وهكذا من صفاتهم احتمال أذاهم، فإنهم يخالطون الناس، وهذه الأعمال التي يقومون بها لا بد فيها من مخالطة، لا بد فيها من مخالطة، فهذه المخالطة لا بد فيها من أذى، لا بد فيها من أذى، وإنهم يتحملون هذا الأذى ويصبرون، ولا يمنعهم هذا الأذى من الامتناع عن نفع الناس والاستمرار في دعوة الناس. فقد أخرج ابن ماجه بإسناد حسن من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم». فإذن لا بد من الصبر، ولا بد من احتمال الأذى، وهذه من صفات السائرين إلى الله والدار الآخرة. وهكذا كفهم أذى أنفسهم عنهم، فلا يؤذون الناس. السائر إلى الله عز وجل ينفع ولا يضر، ينفع ولا يضر. فهكذا من صفات السائرين إلى الله أنهم لا يؤذون الناس، بل يوصلون لهم كل معروف. قال: «ومع هذا فصحبتهم لهم بالظاهر والجسم»، أي أنهم لا يرجون من الناس شيئًا، ولا يتعلقون بالناس، ولا كذلك يطمعون بشيء من هؤلاء الخلق الذين أوصلوا إليهم ذلكم المعروف. ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾، فهم لا يسألون الناس أجرًا، لا مالًا ولا جاهًا ولا انتخابًا ولا شيء من ذلك، وإنما يدعون لله وفي الله، ويصبرون لله ولله، ويتعلقون بالله سبحانه وتعالى. فهم مع الناس بأجسادهم، وأما بقلوبهم فهم في منزل فوقاني، كما ذكر رحمه الله تعالى. ولذلك قال في شرحه: «وأما قلوبهم وأرواحهم فإنها تجول حول الحبيب»، يعني الله سبحانه وتعالى، «فإنها تجول حول الحبيب وتطلب من قربه أعظم نصيب، فتارة تنكسر بين يديه وتخشع وتخضع لديه، وطورا تشكره بحبه وتذل عليه لاستحضار بره وقربه، ثم تميل إلى مراضيه وتجتهد في عباداته وتحسن إلى مخلوقاته». فهؤلاء هم الناس، بل هم العقلاء الأكياس، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فهذه من أبرز كذلك صفات السائرين إلى الله والدار الآخرة، جعلني وإياكم منهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر