الدرس في منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 15، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل المتحدث بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين. ثم يحمد الله رب العالمين في مستهل الحديث.
يشرح المقطع معنى الزهد الحقيقي بأنه ترك ما لا ينفع في الآخرة لا ترك المباحات النافعة، والفرق بينه وبين الورع. ويؤكد أن السائرين إلى الله يفرغون قلوبهم من الشواغل لتملأ بأفكار القرب من الله كتدبر القرآن وذكره والتفكر في الآخرة.
يبيّن المقطع أن السائرين إلى الله يشغلون قلوبهم وأفكارهم بالعلم والتدبر والذكر والخوف والرجاء وتأمل صفات الله وأحوال الآخرة، وينزهون أنفسهم عن سفاسف الدنيا. ومن جعل الآخرة همه جمع الله شمله وأغناه بقلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة.
يوضح المقطع أن الغنى الحقيقي هو غنى النفس والقناعة بما قسم الله، مستشهداً بأحاديث نبوية وآثار السلف. ويختم بدعاء الهداية إلى صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
الحمد لله كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الإمام العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في منظومته "السير إلى الله والدار الآخرة": عزفوا القلوب عن الشواغل كلِّها قد فرغوها من سوى الرحمن حركاتهم وهمومهم وعزومهم لله لا للخلق والشيطان قال في شرحه رحمه الله: أي فرغوا قلوبهم عن جميع ما يشغل عن الله من صفات السائرين إلى الله عز وجل والدار الآخرة. فرغوا قلوبهم عن جميع ما يشغل عن الله لأن همهم وغايتهم وهدفهم هو الوصول إلى مرضاة الله، وهم يتخذون كل طريق وسبيل يوصل إلى الله سبحانه وتعالى، ويبتعدون عن كل ما يبعد عن الله سبحانه وتعالى. وهذه هي حقيقة الزهد. الزهد كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله فيما نقله عنه تلميذه ابن القيم في "مدارج السالكين": قال الزهد هو ترك ما لا ينفع في الآخرة. أي شيء لا ينفع في الآخرة فتركه يعد زهدا. فلا ينافي الزهد أن يكون معك بيت واسع أو سيارة فارهة أو ملابس جميلة، طالما أن هذه المباحات لا تشغلك عن الله سبحانه وتعالى وعن عبادة الله عز وجل. ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: "ترك ما ينفع ليس زهدا بل هو حمق". فمن ترك شيئا مباحا ربما يستعين به على طاعة الله وعلى إعفاف نفسه وأهله ومن يعول، فهذا من الحمق أن يترك ذلك، كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية. إنما الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة. ومن ذلك الدنيا إذا كانت تشغلك عن طاعة الله وعن مرضاة الله عز وجل، فترك ما زاد منها عن حاجتك هذا نعم من الزهد، هذا من الزهد. لكن إذا كان في تلك التجارة أو في ذاك العمل إعفاف لك ولأهلك وإعانة لك على طاعة الله سبحانه وتعالى، فهذا لا ينافي الزهد. وأما الورع فهو ترك ما يخاف ضرره في الآخرة، هذا هو الورع: تترك شيئا تخاف أن يضرك في الآخرة، هذا يسمى ورعا. وأما الزهد فهو ترك ما لا ينفع في الآخرة. واستحسن العلامة ابن القيم هذا الحد والتعريف للزهد والورع من شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. فإذا الزهد باختصار هو أن يشكر العبد عند العطاء وأن يصبر عند المنع والضراء. هكذا لخصه بعض أهل العلم: أن تشكر الله عند العطاء، ومن شكرك لله عز وجل أن لا يشغلك هذا العطاء عن طاعة الله. وهكذا من شكر العبد لله عز وجل فيما أعطاه، كما تقدم، أن يسخره في مرضاة الله، أن يسخره في مرضاة الله. فهذا هو حقيقة الزهد، وهذه من صفات السائرين إلى الله عز وجل. عزفوا القلوب عن الشواغل كلِّها قد فرغوها من سوى الرحمن همهم مرضاة الله عز وجل. قال في شرحه: ولا يكفي هذا التفريغ، يعني تفريغ القلب عن كل ما يشغل عن الله، ولا يكفي هذا التفريغ حتى يمتليء القلب من الأفكار النافعة والعزوم الصادقة. فتكون أفكار العبد في كل ما يقرب إلى الرحمن: من تصور علم، وتدبر قرآن، وذكر الله بحضور قلب، وتفكر في عبادة وإحسان، وخوف من زلة وعصيان، أو تأمل لصفات الرحمن وتنزيهه عن جميع العيوب والنقصان، أو تفكر في القبر وأحواله، أو يوم القيامة وأحواله، أو في الجنة ونعيمها والنار وجحيمها. وهذا تفصيل منه رحمه الله لما ينبغي أن يشتغل به السائر إلى الله عز وجل. فلا يكفي أن تكون متفرغا لعبادة الله عز وجل حتى يتفرغ قلبك كذلك لما ينفع. لذلك قال: حركاتهم وهمومهم وعزومهم لله لا للخلق والشيطان. فالسائر إلى الله همه الآخرة، همه الآخرة، فلذلك تفكيره وسيره وحركاته كلها لله وفي الله، كلها لله وفي الله. فقلبه ممتلئ من الأفكار النافعة والعزوم الصادقة. هذا على وجه الإجمال، ثم فصل رحمه الله بما ينبغي أن يفكر فيه السائر إلى الله. فقال: من تصور علم. هذه من أفكار السائرين إلى الله ومن همومهم ومن عزومهم: تصور العلم، وحفظ العلم، وفهم العلم، وفقه العلم، وتدبر قرآن. هذا أيضا مما يشغل يومهم وليلتهم. وذكر الله بحضور قلب، هذا كذلك مما يشتغل به السائر إلى الله. وتفكر في عبادة وإحسان، يشغلون عقولهم في التفكر والتدبر، وخوف من زلة وعصيان، فهم بين الرجاء والخوف كما تقدم. أو تأمل لصفات الرحمن، والمراد بالتأمل هنا تأمل معانيها وآثارها لا تأمل كيفياتها، فإن كيفية صفات الرحمن ليس لنا إليها سبيل، فعلمها عند الله عز وجل ولا يعلمها أحد من الخلق. فلذلك المراد بالتأمل هنا تأمل معاني صفات الرحمن وهكذا آثارها التي تدل عليها. فهذا كذلك مما يشغل هموم وعزوم السائرين إلى الله عز وجل. وكذلك تنزيه عن جميع العيوب والنقصان، من صفات النغص والعيب. وهكذا تفكر في القبر وأحواله، فهم أهل قلوب لينة خاشعة متفكرة في عاقبة أمرها. أو يوم القيامة وأحواله، أو في الجنة ونعيمها والنار وجحيمها. هذه هي هموم وعزوم السائرين إلى الله عز وجل، لا يشتغلون بغير هذه الأمور. لذلك قال: فأفكارهم حائمة حول هذه الأمور، يعني حائمة دائرة، ما تخرج عن هذه الأفكار. وكذلك العزوم قال: متنزهة عن دنيات الأمور، يعني الأمور التافهة التي لا نفع فيها. فما تجد السائرين إلى الله يشتغلون بالقيل والقال، ولا بضيع الأوقات في جلسات القات، وفي مشاهدة ما لا ينفع كمشاهدة الأفلام أو سماع الأغاني أو حضور المباريات أو إلى غير ذلك. هذا ليس من همومي ولا من عزومي ولا من كذلك أفكار السائرين إلى الله عز وجل. بل هذه من دنيات الأمور، يعني الأمور الدنيئة سفاسف الأمور، فهم لا يلتفتون إلى ذلك. قال: والتفكر بما لا يجدي على صاحبه إلا الهم والوبال، فلا يتفكرون في هذه الدنيا هلفانية، ولا في الحرص عليها، ولا في كذلك بناء القصور والدور فيها، وإنما فكرهم ممتلئ بالأعمال النافعة. قال: والتفكر بما لا يجدي على صاحبه إلا الهم والوبال وتضيع الوقت وتشتيت البال، غير نافع للعبد في الحال والمآل. ماذا ينفعك أن يكون تفكيرك في سفاسف الأمور وفي دنيات الأمور؟ فليكن فكرك وهمك وهكذا عزمك في الآخرة وفيما يرضي الله سبحانه وتعالى. فتأتيك الدنيا وهي راغمة، كما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من كانت الآخرة همه جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة». انظروا إلى ثمار الانشغال بالله عز وجل وبمرضاة الله سبحانه وتعالى وبجعل الهم هما واحدا ألا وهو هم الآخرة: يجمع الله شملَك مع أسرتك، مع ذريتك، مع أرحامك وأقاربك، مع إخوانك. جمع الله شملَك، وجعل غناه في قلبك، يكون عنده قناعة لأنه يعلم أن هذه الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فهو لا يهتم بها ولا يعيرها اهتمامه، فيجعل الله غناه في قلبه، فيكون قانعا بما قسم الله عز وجل له. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها». هذه هي القناعة. وقال عليه الصلاة والسلام: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه». فليس الغنى عن كثرة العرض يعني المال، وإنما الغنى غنى النفس. وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: إذا ما كنت ذا قلب قنوع فأنت ومالك الدنيا سواء فأنت ومالك الدنيا سواء. فالقانع الذي امتلأ قلبه غنى بالله عز وجل ورضا بما قسم له يعيش عيشة الملوك، يعيش عيشة الملوك في أمر هذه الدنيا، لأنه قد قنع بما رزقه الله عز وجل من رزق، وأتته الدنيا وهي راغمة. هو يبتعد منها وهي تجري خلفه، بخلاف ذاك الذي جعل همه الدنيا. قال عليه الصلاة والسلام: «ومن كانت الدنيا همه فرّق الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له». فليكن يا عبد الله همك هما واحدا ألا وهو مرضاة الله عز وجل والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا جاء عند الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهذا الحديث صحيح، صححه الإمامان المحدثان العلامة الألباني وكذلك العلامة الوادعي رحمهم الله تعالى. حديث أبي هريرة عند الترمذي قال عليه الصلاة والسلام: «يا ابن آدم»، في الحديث القدسي: «يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ قلبك غنى وأسُدَّ فقرك، وإلا تفعل أملأ يديك شغلا ولم أسدَّ فقرك». هكذا جاء في هذا الحديث: فمن تفرغ لعبادة الله، وليس معنى التفرغ لعبادة الله أن تلزم المسجد وتترك عائلتك وتترك أولادك وتترك معاشك، وإنما المراد بالتفرغ لعبادة الله أن تجعل الهم هما واحدا، أن يكون همك الله والدار الآخرة، أن يكون همك أن تعبد الله سبحانه وتعالى. ومن عبادة الله طلب الرزق الحلال الطيب، ومن عبادة الله عز وجل أن تعف نفسك وأن تعف أهلك. فالمراد بالتفرغ لعبادة الله أن لا تنشغل بغير طاعة الله وبغير مرضاة الله وبغير ما ينفع، بل تشتغل بما ينفع وتحرص على ما ينفع، كما أرشدك إلى ذلك نبيك عليه الصلاة والسلام في قوله: «احرص على ما ينفعك»، احرص على ما ينفعك. ثم قال في آخر بيت في هذه المنظومة وبها نختم، قال رحمه الله: نعم الرفيق لطالب السبل التي تفضي إلى الخيرات والإحسان. قال: فهؤلاء هم الذين يسعد بهم رفيقهم إذا اقتدى بسلوك سيرهم فريقهم. يعني أن من حقق تلك المقامات وتلك المنازل من منازل السائرين إلى الله والدار الآخرة فهو الذي يسعد وهو الذي يفلح في الدنيا والآخرة. لذلك قال: وهؤلاء الذين أمرنا الله أن نسأله أن يهدينا طريقهم، إذ أنعم عليهم بصدق إيمانهم وتحقيقهم. ويشير إلى قوله عز وجل في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. فالصراط المستقيم هو صراط السائرين إلى الله والدار الآخرة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا. فنعم الرفيق هؤلاء لمن اتبع سبيلهم. كيف تكون رفيقا لهؤلاء ومصاحبا لهم في الآخرة وكذلك مرافقا لهم في الدرجات العلا بالسير على طريقهم؟ فهذا هو المراد. لذلك قال: وهؤلاء الذين أمرنا الله أن نسأله أن يهدينا طريقهم في قولنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. ثم قال في آخر شرحه داعيا: فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، وأن يجنبنا طرق الغضب والضلال الموصلة إلى الخزي والوبال، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. والله أسأل وبأسمائه الحسنى وصفاته ونعمه أتوسل ألا يحرمنا خير ما عنده من الإحسان والغفران، بشر ما عندنا من التقصير بحقوقه والعصيان، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم وسببا للفوز عنده في جنات النعيم. والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، حمدا كثيرا مباركا فيه كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله. وصل الله على محمد النبي الأمي المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا. والحمد لله رب العالمين.