الدرس في منظومة السير إلى الله والدار الآخرة 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبين الشيخ أن المحبة هي أصل المنازل في السير إلى الله، ويعرفها بتعلق القلب بالمحبوب، ويستعرض علاماتها من الانكفاف عما يكره الله والمبادرة لرضاه، مع جعل حركة العبد وسكناته كلها لله.
يذكر المقطع خمسة أسباب رئيسية لنيل المحبة، أولها الانكفاف عن كل قاطع كالدنيا والأهل والمال، ثم الإكثار من ذكر الله بحضور قلب، وتدبر القرآن، ومطالعة نعم الله، والوقوف بين يديه بأدب وحضور.
يستكمل الشيخ ذكر الأسباب بالقيام بخشوع، ومجالسة الصالحين، والإكثار من النوافل، ومعرفة الأسماء والصفات، والخلوة في الثلث الأخير، ثم يبين آثار المحبة العظيمة كاستجابة الدعاء وتأييد الله وحصول القبول في الأرض والسماء.
يختم بالتأكيد على أن من حقق محبة الله نال منزلتها العظيمة التي هي أصل جميع المنازل، ويحث على السعي للأسباب الموصلة لها سائلين الله التوفيق.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله في منظومته "السير إلى الله والدار الآخرة": قال: "وهم الذين ملأ الإله قلوبهم بوداده ومحبة الرحمن". قال في شرحه: هذه المنزلة، وهي منزلة المحبة، هي أصل المنازل كلها، ومنها تنشأ جميع الأعمال الصالحة والأعمال النافعة والمنازل العالية. ومعنى المحبة: تعلق القلب بالمحبوب، ولزوم الحب للقلب فلا تنفك عنه، وهي تقتضي من صاحبها الانكفاف عما يكره الحبيب، والمبادرة إلى ما يرضيه بقلب منشرح وصدر رحيب. فإن تكلم تكلم بالله، وإن سكت سكت لله، وإن تحرك فلله. ويحدث عن الحب الشوق إلى الله والقلق، فلا يكاد صاحبه يستقر. ذكر هذه المنزلة العظيمة من منازل السائرين إلى الله والدار الآخرة، ألا وهي المحبة، وكما قال رحمه الله: هي أصل المنازل كلها. وقد شبهت المحبة بالرأس، فإذا فقد الرأس مات الجسد. وقد تقدم معنا قول بعض السلف: "الخوف والرجاء المؤمن كالجناحين للطائر"، وبعضهم زاد: "وأما الرأس فهو محبة الله سبحانه وتعالى". فالمحبة أرفع من الخوف والرجاء، فالخوف والرجاء كالجناحين، إذا قطف الجناح أو قطع يعيش الطائر ولكنه لا يستطيع الطيران، ولكن إذا قطع الرأس فلا يستطيع الطائر أن يعيش. فالمحبة بمنزلة الرأس، فلذلك قال: هي أصل المنازل كلها، ومنها تنشأ جميع الأعمال الصالحة. فإذا استقرت المحبة في قلب السائر إلى الله دفعته هذه المحبة لعمل كل ما يحبه المحبوب، وهذا معنى قوله: "ومنها تنشأ جميع الأعمال الصالحة". فالمؤمن عندما يقدم على أي عمل صالح إنما يقدم عليه بمحبة ورغبة، وهكذا جميع الأعمال النافعة وجميع المنازل العالية التي يسعى إليها المؤمن إنما دفعه إلى ذلك حب الله سبحانه وتعالى. ثم بين رحمه الله معنى المحبة، ما هي هذه المحبة التي هي أصل المنازل؟ قال: هي تعلق القلب بالمحبوب، أي بالله سبحانه وتعالى، ولزوم الحب للقلب فلا تنفك عنه، فهو متعلق بالله سبحانه وتعالى. فهذه هي معنى المحبة، ولها علامات، هذه المحبة لها علامات يعرف بها العبد الصادق من غيره في دعوى المحبة، ولذلك قالها هنا: "وهي تقتضي" يعني من علامات هذه المحبة تقتضي من صاحبها الانكفاف عما يكره الحبيب. ومعنى الانكفاف: يعني التنزه والبعد عن كل ما يكره الحبيب. فالله عز وجل يكره الكفر، ويكره النفاق، ويكره الفسق والفجور والعصيان. فمن علامات المحبة الصادقة أن يبتعد المحب عن هذه المكرهات التي يبغضها الله سبحانه وتعالى. قال: "والمبادرة إلى ما يرضيه"، يعني من علامات المحبة أن هذا المحب يمتثل أمر المحبوب فيبادر إلى كل ما يرضيه من توحيده، ومن طاعته، ومن تمسكه بما أمره به ربه سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. وهكذا بقلب منشرح، ليس المبادر إلى ما يرضي المحبوب بكره، وإنما بانشراح صدر ورغبة وشوق إلى هذه الأعمال التي أمر بها الرب سبحانه وتعالى. و"صدر رحيب" يعني واسع. قال: "فإن تكلم تكلم بالله"، لأنه قد تعمق حب الله عز وجل في قلبه فلا يتحرك حركة إلا فيما يرضي المحبوب سبحانه وتعالى. فإن تكلم تكلم بالله، لا يتكلم لنفسه ولا لهواه ولا لدنياه، وإنما يتكلم بالله. وإن سكت سكت لله، أمر ليس فيه منفعة وليس فيه مصلحة فإنه يسكت ويكف عنه، وهذا من محبته لخالقه سبحانه وتعالى. وإن تحرك فلله، وإن سكن فله، فهو يحب لله ويبغض لله. قال: "ويحدث عن الحب الشوق إلى الله"، هذه أيضاً من علامات المحبة أنه يحب لقاء الله، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام. فمن علامات المحبة الشوق إلى المحبوب سبحانه وتعالى والقلق، فلا يكاد صاحبه يستقر حتى يلقى ربه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: "وإن قيل: فهل للمحبة التي هي أعلى المراتب من وسيلة وسبب؟" ويريد بهذا رحمه الله ذكر أسباب المحبة، كيف يصل العبد إلى محبة الله سبحانه وتعالى؟ هناك أسباب ذكرها العلماء، فذكر بعضها، وقد حصرها العلامة ابن القيم رحمه الله كما في كتابه "مدارج السالكين" في عشرة أسباب، في عشرة أسباب، سيذكر المؤلف بعضها ونكمل غيرها مما ذكره العلامة ابن القيم عليه رحمة الله. فقال المؤلف رحمه الله: "فهل للمحبة التي هي أعلى المراتب من وسيلة وسبب؟ قيل: لم يجعل الله مطلباً إلا جعل لحصوله سبباً". محبة الله عز وجل مطلب كل مؤمن، فالله عز وجل لم يجعل مطلباً إلا جعل لحصوله سبباً يتوصل به إلى هذا المطلب. قال: "فمن أكبر أسبابها الانكفاف عن كل قاطع بالقول والفعل والأفكار الردية". ومعنى الانكفاف: يعني الابتعاد عن كل قاطع، ويراد بالقاطع: الشيء الذي يؤخرك عن محبة الله سبحانه وتعالى، من محبة الولد أو الأهل وتقديم محبتهما على محبة الله، أو كذلك محبة المال والمساكن، وهكذا الدنيا والركون إليها، فكل ذلك من أسباب الانكفاف، من أسباب الانقطاع عن محبة الله عز وجل. ويستدل لذلك بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾. فمن أعظم أسباب وأكبر أسباب نيل محبة الله عز وجل الانكفاف عن كل قاطع يقطعك ويبعدك عن محبة الله عز وجل. فاحذر أن تؤثر الدنيا على محبة الله. من علامات إيثار الدنيا على محبة الله أنها إذا تعارضت مع أمر الله عز وجل قدمت الدنيا على أمر الله، هذا دليل على أن هذه الدنيا صارت سبباً في انقطاعك عن محبة الله، في انقطاعك عن محبة الله. ولذلك جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثلاث من كن فيه ذاق بهن أو وجد بهن حلاوة الإيمان»، والأولى: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما». ما معنى أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما؟ يعني إذا أمر الله بأمر فتعارض مع شهوتك، مع دنياك، فإن قدمت هذه الشهوة على أمر الله فهذا دليل على أنك قدمت أمر الشهوة على أمر الله عز وجل وآثرتها عليه. فهذا معنى قوله: "فمن أكبر أسبابها الانكفاف عن كل قاطع بالقول والفعل والأفكار الردية"، يعني التي تصرف العبد عن محبة الله، من الركون إلى الدنيا، ومن كذلك الركون إلى الأهل والمال والمساكن، وإلى غير ذلك مما ذكر في الآية المتقدمة. هذا أول سبب، هذا أول سبب. قال: "والإكثار من ذكر الله بحضور قلب". وهذا السبب الثاني من أسباب نيل محبة الله عز وجل، الإكثار من ذكر الله بشتى أنواع الذكر، سواء كان بالقلب أو باللسان أو بالجوارح، وهذا أيضاً مما ذكره العلامة ابن القيم عليه رحمة الله. كل هذه الأسباب ذكرها ابن القيم، وكما قيل: إن العبد إذا أحب شيئاً أكثر من ذكره، أكثر من ذكره، وهذا الذكر لا يكون من طرف اللسان وإنما يكون باستحضار القلب. قال: "وتدبر كلامه الكريم". هذا السبب الثالث مما ذكره الشارح من أسباب نيل محبة الله، تدبر القرآن الكريم، وهو من الذكر ولكن خصه لأنه من أعظم الذكر ومن أفضلها، فهو من باب ذكر الخاص بعد العام. ويستدل على ذلك بما جاء في صحيح البخاري أن رجلاً كان يقرأ سورة الإخلاص في كل ركعة، يقرأ سورة الإخلاص في كل ركعة، فسئل: لماذا تقرأ هذه السورة في كل ركعة؟ فقال: «إن فيها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها لأن فيها صفة الرحمن: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾». فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فقال عليه الصلاة والسلام: «أخبروه أن الله يحبه». أخبروه أن الله يحبه. انظر هذا الرجل تدبر سورة واحدة من القرآن فكان لشدة حبه لها يكررها، فكانت سبباً في محبة الله عز وجل له، والله عز وجل لا يحب إلا من يحبه سبحانه وتعالى، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه. فإذا كان هذا في شأن سورة واحدة، فكيف من يتدبر القرآن كله؟ لا شك أنه سينال هذه المرتبة العالية وهذه الدرجة الرفيعة، ألا وهي محبة الله سبحانه وتعالى. وأنتم في هذا الشهر المفضل، هذا الشهر المبارك، والمسلم يكثر من قراءته، فأحرصوا على أمر التدبر، أحرصوا على أمر التدبر. قال: "ومطالعة نعمه العظيمة على العبد". هذه أيضاً من أسباب نيل محبة الله، أن تنظر في إحسان الله عز وجل إليك، وما من به عليك من النعم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، نعم دينية ونعم دنيوية. والنفوس جبلت على محبة من أحسن، أو من يحسن إليها، أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم، لطالما، لطالما، لطالما نال الإحسان إحساناً، أو كما قال الشاعر في معنى أن الإنسان إذا أحسن إليه فإنه يحب هذا المحسن، ولله المثل الأعلى. إذا أعطاك عبد من عباد الله مالاً أو أعانك في فك كربة وشدة لا شك أنك تحترمه وتحبه، وكذلك تذكر جميلة، ولله المثل الأعلى. فالله عز وجل قد أحسن إلى العباد بهذه النعم العظيمة التي لا تعد ولا تحصى، فإذا تفكرت وتدبرت هذه النعم زادك أو زادتك تلك المطالعة محبة لله سبحانه وتعالى. قال: "وبالوقوف بين يديه بحضور قلب وأدب في الوقوف بين يديه". وهذا أيضاً سبب من أسباب نيل محبة الله، أن تقف بين يدي الله تناجيه وتدعوه وتجله وتمجده وتعظمه، وتقف بين يديه بأدب وذل وخشوع، فهذا أيضاً من أسباب محبة الله، وهذا مما ذكره أيضاً العلامة ابن القيم عليه رحمة الله. قال: "ومجالسة المحبين"، يعني مجالسة الصادقين المحبين الطيبين الصالحين، فهذه أيضاً من أسباب محبة الله سبحانه وتعالى. ويستدل لذلك بما جاء عند الإمام مالك في الموطأ من حديث معاذ بن جبل، في الحديث القدسي: «قال الله عز وجل: وجبت محبتي للمتحابين في، وللمتجالسين في، وللمتزاورين في، وللمتباذلين في». وكما تقدم أن محبة الله عز وجل للعبد إنما تكون لمحبة العبد لله سبحانه وتعالى، فاحرص على مجالسة الصالحين المحبين لله عز وجل، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، واحذر من مجالسة غيرهم. قال: "ومجانبة كل قاطع". وهذا كما تقدم، الابتعاد عن كل ما يشغل عن محبة الله من هذه الدنيا الفانية ومن الركون إليها. قال: "فمن فعل ذلك نال محبة الله إن شاء الله، هو الله المستعان". فذكر بعضاً من هذه الأسباب، وابن القيم كما تقدم في "مدارج السالكين" ذكر عشرة أسباب، فذكر هذه الأسباب وزاد عليها بعض الأسباب الأخرى. فمما ذكر أيضاً من أسباب نيل محبة الله: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فهذا أيضاً من أسباب محبة الله للعبد، أن يكثر من النوافل، ولا يكون ذلك إلا بعد أدائه للفرائض. ويستدل لذلك بما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة في قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: «من عاد لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به...» إلى آخر الحديث. فهذا أيضاً سبب من أسباب نيل محبة الله سبحانه وتعالى. فأكثروا من طاعة الله سبحانه وتعالى، سواء كان في باب الصلاة، أو في باب الصيام، أو في باب تعلم القرآن، أو في باب حضور مجالس العلم والقرآن، أو كذلك في باب الذكر، وكذلك الاستغفار، وإلى غير ذلك، فأكثروا من النوافل. وهكذا من الأسباب التي ينال بها أو تنال بها محبة الله: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها ومشاهدتها ومعرفتها، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة. فمعرفة أسماء الله وأفعال الله سبحانه وتعالى، هل قائمة على الحكمة والعدل؟ فلا شك أنه، أي هذا العبد، يحب الله سبحانه وتعالى، التي هذه صفاته وهذه أفعاله. فأنت تعلم أن من أسماء الله عز وجل: الحكيم، العدل، من أسمائه سبحانه وتعالى: السميع، البصير. فإذا عرفت معاني هذه الأسماء، وعرفت أن لله عز وجل تسعة وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة، لا شك أن هذه المعرفة تورث لك محبة ذلك الموصوف بهذه الصفات الجليلة. وهكذا من الأسباب التي ذكرها ابن القيم عليه رحمة الله: الخلوة به وقت النزول الإلهي، يعني في الثلث الأخير من الليل، وهو بمعنى قول المؤلف ها هنا: "الوقوف بين يديه بحضور قلب، بحضور قلب وأدب في الوقوف بين يديه". فمناجاة الله عز وجل في هذا الوقت الذي يناجي أو ينادي فيه عباده: «هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟» لا شك أن هذا يورث في قلب العبد محبة ذلك الخالق الكريم سبحانه وتعالى. وهكذا ذكر بعض أهل العلم من أسباب نيل محبة الله عز وجل: الإتيان بالصفات التي يحبها الله والتي ذكرت في القرآن، كمحبة الله عز وجل للمحسنين، وللمتقين، وللمتوكلين، وللصابرين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾. فاتصافك بهذه الصفات لا شك أنها من أسباب نيل محبة الله سبحانه وتعالى. هذا هو حاصل ما ذكره العلماء في أسباب نيل محبة الله عز وجل. وأما آثار هذه المحبة فإنها كثيرة، فمن أجلها وأعظمها ما ذكر في الحديث القدسي، حديث أبي هريرة: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». من أحب الله عز وجل فأحبه الله يكون موفقاً مسدداً، وهكذا يكون مستجاب الدعوة، يستجيب الله عز وجل لدعوته، ﴿وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ﴾. وهكذا من آثار محبة الله عز وجل: محبة الخلق لك، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. وكما جاء في حديث أبي هريرة أن الله سبحانه وتعالى إذا أحب عبداً نادى جبريل: «يا جبريل، إني أحب فلاناً فأحبه»، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: «إن الله يحب فلاناً فأحبوه»، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. هذه من آثار محبة الله سبحانه وتعالى للعبد. فمن حقق المحبة لله سبحانه وتعالى أحبه الله عز وجل، فنال أثر هذه المحبة كما سمعت. فهذه منزلة عظيمة، وكما قال المؤلف رحمه الله: هي أصل المنازل، هي أصل المنازل كلها. ألا فلنتخذ الأسباب التي بها ننال هذه المرتبة العالية وهذه المنزلة الرفيعة. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.