الدرس في شرح بعض منارل السائرين إلى الله 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع منزلة الخشوع كمنزلة عظيمة من منازل السائرين إلى الله مستدلاً بالآيات وأقوال السلف، ويوضح ابن القيم أن الخشوع في اللغة السكون والذل وفي الاصطلاح قيام القلب بالخضوع والجمعية على الله. كما يبين أن محله القلب وثمرته تظهر على الجوارح ومن علاماته الانقياد للحق عند المخالفة.
يبيّن المقطع أن الخشوع الحقيقي محله القلب لا الجوارح مستدلاً بحديث التقوى وأقوال السلف محذراً من خشوع النفاق، ويوضح ابن القيم أن ثواب الصلاة بقدر ما يعقله المصلي ويخشع فيه بينما إسقاط الفرضية لا يشترط فيه الخشوع الكامل.
يستعرض المقطع حكم الصلاة عند غلبة الخشوع أو عدمه وأن السنن تجبر نقص الفريضة مع رجحان صحة الصلاة ونقص الأجر، ويذكر أسباب الخشوع من تفرغ القلب وتدبر القرآن والبعد عن الملهيات مؤكداً أن قسوة القلوب سببها المعاصي. ويختتم بتنبيهات تنظيمية للمعتكفين كشرط السن وتسجيل الأسماء.
يؤكد المتحدث أهمية العناية بممتلكات المسجد والحرص على نظافتها كما ينبه إلى المحافظة على الممتلكات الخاصة للمعتكفين. ويختتم الجلسة بالدعاء بأن يوفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد انتهينا من رسالتي ومنظومتي العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله تعالى، والتي هي في صفات السائرين إلى الله والدار الآخرة ومنازلهم. وقد ذكر في رسالته رحمه الله أهم المنازل التي يسير عليها السائرون إلى الله والدار الآخرة، كمنزلة المحبة والخوف والرجاء والتوكل والصبر والإحسان، وغير ذلك مما مر معنا. وبما أن رسالته ألفها على وجه الاختصار وذكر أهم المنازل، بقيت هناك منازل أخرى للسائرين إلى الله ذكرها العلامة ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه "مدارج السالكين". فإن شاء الله نكمل بعض هذه المنازل من كتابه، أي كتاب ابن القيم عليه رحمة الله. وفي هذا الدرس معنا منزلة كذلك مهمة من منازل السائرين إلى الله والدار الآخرة، وهي منزلة الخشوع. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. يقول ابن القيم عليه رحمة الله بعدما ذكر تلك الآية: قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: "ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين، إلا أربع سنين". وهذا الحديث في الصحيح، أو هذا الأثر عن ابن مسعود في الصحيح، وقد ذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية. وقال ابن عباس: إن الله استغطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، من نزول القرآن. فهذه الآية تبين لنا عباد الله منزلة الخشوع في ديننا، وأن المسلم ينبغي أن يتحلى به. وقد مدح الله عز وجل وأثنى على الخاشعين في آيات كثيرة، فقال الله عز وجل مادحاً أهل العلم: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾. وقال في الثناء على بعض أنبيائه ورسله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. وهكذا يقول الله عز وجل في الثناء على الخاشعين في الصلاة خاصة: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. وقد جعل الله عز وجل من أعظم أسباب الفلاح، ومن أول صفات أهل الفلاح، الخشوع في الصلاة، فقال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. فهذه منزلة عظيمة ينبغي للمسلم أن يتحلى بها. قال ابن القيم عليه رحمة الله: "والخشوع في أصل اللغة: الانقباض والذل والسكون". قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ﴾، هذا في يوم القيامة، يعني هذه الأصوات لم يرتفع منها صوت، فهي منخفضة ساكنة. وهكذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾. خاشعة يعني ساكنة لا تتحرك ولا تتشقق لأن الماء لم ينزل عليها، فلما نزل عليها الماء اهتزت وربت، أي تحركت وذهب خشوعها وسكونها. فإذا هذا هو أصل الخشوع في اللغة، وله ارتباط بأصل الخشوع في الاصطلاح. قال ابن القيم وهو يبين معنى الخشوع في الاصطلاح: "والخشوع: قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل والجمعية عليه". هذا هو الخشوع في الاصطلاح، اصطلاح الشرع: قيام القلب بين يدي الله بالخضوع والذل والسكون والطمأنينة. فأصل الخشوع في القلب، ثم الجوارح تتبع ذلك، فمن لم يخشع قلبه لا تخشع جوارحه، لا تخشع جوارحه. وقيل: الخشوع الانقياد للحق، وهذا من موجبات الخشوع، من الخشوع أن ينقاد المسلم للحق وأن يعمل بالحق ولا يتكبر، فهذا من الخشوع. قال رحمه الله: "فمن علامته أن العبد إذا خولف ورد عليه بالحق استقبل ذلك بالقبول والانقياد". هذا من علامات الخشع لله سبحانه وتعالى، الذليل بين يديه الخاضع له، فإنه إن أخطأ أو زل أو جانب الصواب فنبه على خطأه فإنه سرعان ما ينقاد وسرعان ما يستجيب. قال رحمه الله: "وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب، وثمرته على الجوارح وهي تظهره، فإذا خشع القلب ظهر ذلك على الجوارح". قال: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه". وهذا الحديث مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام لا يثبت، فهو حديث ضعيف، ولكنه صح عن التابعي الجليل سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى كما في مصنف عبد الرزاق وابن أبي شيبة. فإن سعيد بن المسيب رحمه الله رأى رجلاً يصلي وهو يعبث بلحيته، فقال سعيد رحمه الله تعالى: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه". هذا الذي ثبت عن سعيد بن المسيب، أما عن النبي عليه الصلاة والسلام فلم يثبت، وإن كان معناه صحيحاً، لكن لم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل ولم يقل ذلك عليه الصلاة والسلام لهذا الرجل. ولكن معنى قوله: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" معناه صحيح كما جاء عن سعيد بن المسيب رحمه الله. وقال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "التقوى هاهنا"، وأشار إلى صدره ثلاث مرات. وجه الاستدلال من هذا الحديث أن الخشوع من التقوى، أن الخشوع من تقوى الله عز وجل، وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام أن محل التقوى وأصل التقوى إنما تكون في القلب، فتتبع الجوارح هذا القلب. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب". فقوله: "التقوى هاهنا"، وأشار إلى صدره، يريد القلب لأن القلب في الصدر، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. وقال: وقال بعض العارفين: "حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن". فلا يقول قائل مثلاً، وقد ارتكب بعض المخالفات: "أنا قلبي نظيف، أنا قلبي طاهر"، كما يقول بعض الناس عندما يعني يحذر أو يقال له في أمر ما: "هذا لا يجوز أن تفعله"، فيشير إلى قلبه ويقول: "أنا قلبي نظيف، وأنا قلبي طاهر". فلو كان قلبه نظيفاً لكانت جوارحه منقادة لشرع الله، فلا تجده يخالف أمر الله. فهذا معنى قوله: "حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن". فإذا لم يتأدب الظاهر بأدب الشرع فهذا دليل على فساد الباطن، هذا دليل على فساد الباطن. بعض الناس مثلاً تقول له: لماذا أنت تصافح المرأة الأجنبية التي لا يجوز لك أن تصافحها؟ أو لماذا تخلو مع النساء الأجانب؟ أو لماذا تفعل كذا وكذا من المخالفات؟ يقول: "أنا قلبي نظيف، هذه بنت عمي، أو هذه جارتي، هل أنا سأفعل معها شيئاً؟ أنا قلبي نظيف". ويقال له: لو كنت نظيف القلب لظهر ذلك على جوارحك، لظهر ذلك على انقيادك لشرع الله سبحانه وتعالى، ولكنه دليل على فساد الظاهر وكذلك الباطن. وقال: ورأى بعضهم رجلاً خاشع المنكبين والبدن، يعني يتكلف الخشوع في الظاهر، فقال: "يا فلان، الخشوع هاهنا"، وأشار إلى صدره، "لا هاهنا"، وأشار إلى منكبيه. وقال: وكان بعض الصحابة رضي الله عنهم، وهو حذيفة، يقول: "إياكم وخشوع النفاق". قيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: "أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع". هذا هو خشوع النفاق. تجدوه هكذا يتكلف الخشوع بيديه وبرأسه، وربما ما ينظر إلى أمامه أو إلى ما فوقه بحجة أنه خاشع، وإذا به يدعو غير الله، وإذا به يحدث البدع والخرافات، وإذا به كذلك يخالف سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا خشوع النفاق، هذا خشوع النفاق: ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع، بل قد وقع في مخالفات كثيرة. وقال: ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً طأطأ رقبته في الصلاة، فقال: "يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب". وصدق رحمه الله تعالى، فإذا خشع القلب خشعت الجوارح من دون تكلف، خشعت الجوارح من دون تكلف. قال رحمه الله: "قال رحمه الله تعالى: والحق أن الخشوع معنى يلتئم من التعظيم والمحبة والذل والانكسار". هذا هو حقيقة الخشوع: تعظيم لله عز وجل ومحبة، فيتبع ذلك الذل والانكسار والقنوع لله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: "الصلاة وعدم الخشوع". قال: "فإن قيل: ما تقولون في صلاة، أو في صلاة من عدم الخشوع، هل يعتد بها أم لا؟ قيل: أما الاعتداد بها في الثواب فلا يعتد له فيها إلا بما عقل فيها وخشع فيه لربه". وهذا تفصيل بديع من ابن القيم عليه رحمة الله. إنسان يصلي وما يخشع في صلاته، أو يخشع قليلاً في صلاته، فمن حيث الثواب على هذه الصلاة فلا يعتد فيها إلا بما عقل فيها، بما عقل فيه منها، وأما ما لم يعقل فليس له ثواب على ذلك، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: "إن أحدكم يدخل في الصلاة فيكتب له عشرها، تسعها، ثمنها..."، إلى أن ذكر نصفها عليه الصلاة والسلام. أي يكتب للمرء من صلاته ما خشع وعقل فيها. وأما من حيث إسقاط الفرضية، فرضية هذه الصلاة، ولا يؤمر بإعادتها، ولا يؤمر بإعادتها، إلا أن بعض العلماء قال: أن الخشوع في الصلاة ليس ركناً ولا شرطاً من شروطها أو من أركانها، وإنما هو واجب مستقل، هو واجب مستقل. فلذلك يتحصل المرء على ثواب الصلاة بقدر الخشوع في هذه الصلاة، بقدر الخشوع في هذه الصلاة. قال: قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها". وهذا ورد الإمام أحمد في مسنده. قال: "وفي المسند"، يعني مسند الإمام أحمد، "وكذلك في سنن أبي داود: إن العبد ليصلي الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها أو ثلثها أو ربعها حتى بلغ عشرها". قال: "وقد علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم، فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح، ولو اعتد له بها ثواباً لكان من المفلحين". وأما الاعتداد بها في أحكام الدنيا، يعني أنها أنه يعد مصلياً، وأما الاعتداد بها في أحكام الدنيا وسقوط القضاء، يعني في أحكام الدنيا يعد مسلماً، فإذا مات يصل عليه، وإذا أراد أن يتزوج زوج، أي لغير ذلك. قال: "فإن غلب عليها الخشوع، فإن غلب عليها الخشوع وتعلقت اعتد بها إجماعاً، وكانت السنن والأذكار عقيبها جوابر ومكملات لنقصها، وكذلك السنن الرواتب"، يعني يريد بالسنن هنا السنن الرواتب، فإنها تجبر النقص الحاصل في الصلاة. قال: "قال: وإن غلب عليه عدم الخشوع فيها". قال: "فإن غلب عليها الخشوع وتعقلها، وتعقلها، اعتد بها إجماعاً، وكانت السنن والأذكار عقيبها جوابر ومكملات لنقصها. وإن غلب عليه عدم الخشوع فيها وعدم تعقلها، وعدم تعقلها، فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها، فأوجبها أبو عبد الله بن حامد من أصحاب أحمد، وأبو حامد الغزالي في إحيائه، لا في وسيطه وبسيطه، واحتجوا بأنها صلاة لا يثاب عليها، ولم يضمن له فيها الفلاح، فلم تبرأ ذمته منها، ويسقط القضاء عنه كصلاة المرائي". قالوا: ثم ذكر حجتهم. ورجح رحمه الله أن صلاته صحيحة، وإنما نقص أجره لأنه لم يأت بها على وجه الكمال، على وجه الكمال، ويدل عليه الحديث المتقدم، حديث عمار بن ياسر: "يكتب... إن العبد ليصلي الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها..."، إلى آخر الحديث. فهذا كله يدلنا عباد الله على أن المسلم ينبغي أن يحرص على الخشوع في الصلاة، وأن يتخذ جميع الأسباب التي تعينه على الخشوع في الصلاة. الصلاة من التفرغ لأمر الصلاة قبل إقامتها والاستعداد لها والتجهز لها، وهكذا البعد عن كل ما يشغل عنها. فإن كنت جائعاً قضيت حاجتك من الطعام، وإن كنت كذلك يدافعك الأخبثان قضيت حاجتك منهما، ثم أتيت إلى الصلاة. وهكذا تفرغ قلبك لهذه الصلاة، وتحرص على التدبر، تدبر ما يقال في هذه الصلاة، خصوصاً سورة الفاتحة، فتعرف معانيها وتفسيرها، وهكذا تعرف تفسير بعض السور وكذلك الآيات التي تقرأها في الصلاة ويقرأها الإمام. فهذا من أسباب كذلك الخشوع في الصلاة، من أسباب الخشوع في الصلاة. وهكذا تحاول في صلاتك أن تبتعد عن كل ما يشغلك وأنت تصلي، كالأمور المزخرفة، أو أن تصلي أمام متحدث، أو أمام يعني جماعة يتكلمون، أو إلى غير ذلك. فهذا أيضاً مما يعينك على الخشوع في الصلاة. ومن أعظم ما يعين على الخشوع في الصلاة أن تحرص على سلامة قلبك من المعاصي والذنوب، والذنوب، ومن المخالفات. القلب، وهكذا تعقل ما يقال في هذه الصلاة، فلا يحول بين قلبك وبين آيات الله شيء من آثار المعاصي والذنوب. فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الله عليه وعلى آله وسلم: "إذا أذنب العبد ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب ونزع واستغفر سقل قلبه، وإن عاد زيدت فيه، فذلك الران الذي ذكر الله عز وجل: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾". إن كثيراً ممن يشكو من عدم التأثر بكلام الله والتدبر والخشوع في الصلاة، إنما هو بسبب هذا الران الذي غطى القلوب، والعياذ بالله. وإلا فإن الله سبحانه وتعالى قد بين في كتابه أن هذا القرآن يتأثر به سامعه، يتأثر به سامعه. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ويبين أن المؤمن إذا سمع القرآن خشع قلبه ووجل ودمعت عينه وقشعر جسمه. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾. فقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾. ويخرون للأذقان يبكون، ويخرون للأذقان يبكون، ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. فإذا عباد الله، ما قست القلوب وما كذلك ذهب منها الخشوع إلا بسبب المعاصي والذنوب. فمن أعظم أسباب الخشوع والتدبر والتأثر بكلام الله هو البعد عن المعاصي والذنوب، والإكثار من طاعة الله سبحانه وتعالى. أسأل الله بمنه وكرمه، وكرمه، أن يوفقنا لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وهنا تنبيهات للمعتكفين حتى تضبط الأمور، وحتى يكون الاعتكاف على ما جاء في شرع الله عز وجل من التفرغ لعبادة الله سبحانه وتعالى، وعدم الانشغال بغير روحي وحقيقة الاعتكاف. فمن هذه التنبيهات: تسجيل الأسماء من باب الضبط، ومن باب ترتيب محتاجات هؤلاء المعتكفين، وكذلك الإتيان بما يكون مناسباً لهم أو كافياً لهم. فتسجل الأسماء عند الأخ عبد الرحمن بن عبد الحافظ براهم. وكذلك من هذه التنبيهات: لا يدخل المعتكف من كان صغيراً دون الخامسة عشرة، يعني هذا الشرط الذي أعد للمعتكفين لا يدخل فيه إلا من كان كبيراً، أما الصغير الذي هو دون الخامسة عشرة فلا يدخل، حتى لا يعبث، وحتى لا يشوش على المعتكفين. وهكذا من هذه التنبيهات: الحفاظ على ممتلكات المسجد والحرص على نظافته، الحرص على نظافته، وكذلك المحافظة على الممتلكات الخاصة، وهذا كذلك مما ينبه عليه. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه.