شرح بعض منارل السائرين إلى الله  6

شرح بعض منارل السائرين إلى الله 6

الدرس في شرح بعض منارل السائرين إلى الله 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

منزلة الصدق وفضائلها في مدارج السالكين

يستهل الشيخ بشرح منزلة الصدق باعتبارها أساس الدين وعمود اليقين وميزان التفريق بين المؤمنين والمنافقين، ودرجة تالية للنبوة، مستعرضاً ثمارها من معية الله الخاصة والقرب منه وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة، مستدلاً بآيات تأمر بمصاحبة الصادقين.

حقيقة الصدق وأبعاده ومستوياته الثلاثة

يوضح المقطع أن الصدق في الإسلام يشمل الأقوال والأعمال والأحوال، وهو أساس الإيمان وعلامة التقوى، مقسماً إياه إلى ثلاثة مستويات: صدق اللسان، وصدق العمل بالمتابعة والإخلاص، وصدق الحال باستواء الظاهر والباطن، مبيناً أن أبا بكر الصديق بلغ ذروة الصديقية.

مراتب الصديقية ومقامات الصدق الخمسة وآثارها

يبيّن الشيخ أن أعلى مراتب الصدق هي الصديقية وهي كمال الانقياد للرسول والإخلاص لله، مستعرضاً خمسة مقامات للصدق وردت في القرآن: مدخل صدق، ومخرج صدق، ولسان صدق، وقدم صدق، ومقعد صدق، مع ذكر أحاديث تربط الصدق بالطمأنينة والبر والجنة، والكذب بالريبة والفجور والنار، محذراً من الكذب على الله.

الصدق في المعاملات التجارية وخاتمة الدرس

يختتم الدرس بالتأكيد على أهمية الصدق والإخلاص في البيع والشراء، مستدلاً بالحديث النبوي أن الصدق والوضوح يجلب البركة في المعاملة، بينما الكذب والكتمان يمحقها، داعياً للتحلي بالصدق في الأقوال والأعمال لنيل الأجر في الدنيا والآخرة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه مدارج السالكين، وفي سياق ذكره لمنازل السائرين: قال: منزلة الصدق. قال: وهي منزلة القوم الأعظم، الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين، والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين، وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجنان من أهل النيران. وكل ذلك قد وردت به الأدلة. فقوله: «وبه تميز أهل النفاق من أهل الإيمان»، ما جاء في سورة التوبة من صدق أهل الإيمان ومن كذب أهل النفاق، وفي قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك تميزوا بالصدق فنجاهم الله عز وجل بصدقهم، وهلك من هلك من أهل النفاق فتميزوا بكذبهم. قال: «وهو سيف الله في أرضه، الذي ما وضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرعه، من صال به لم ترد صولته». فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «إن لصاحب الحق مقالا»، فلصدقه ولي كذلك ما عنده من حق، فإنه يصول ويجول بحجته. قال: «ومن نطق به علت على الحصوم كلمته، فهو روح الأعمال ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال». فالأهوال العظام لا منجى للعبد منها إلا بالصدق. قال: «والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس بناء الدين، وعمود في استقامة اليقين، ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين». وقوله: «ودرجته تالية لدرجة النبوة» يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾، فذكر درجة الصديقية بعد درجة النبوة، ومن ذكر في هذه الآية درجاتهم مرتبة على ذكر الأول فالأول، فأولا الأنبياء ثم الصديقون ثم الشهداء ثم الصالحون. قال: «ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين، ومن مساكنهم في الجنات تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصديقين، كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مدد متصل ومعين». قال: «وقد أمر الله سبحانه أهل الإيمان أن يكونوا مع الصادقين، وخص المنعم عليهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾». فهذا أمر من الله عز وجل لأهل الإيمان أن يكونوا مع الصادقين، وذكرت هذه الآية بعد ذكر آية التوبة على الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فلصدقهم وثباتهم على هذا الصدق نجاهم الله عز وجل وأنزل توبتهم من فوق سبع سماوات، فبعد ذلك أمر الله عز وجل عباده أن يتحلوا بهذه المنزلة العظيمة وهي منزلة الصدق. قال: «وقال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾، قال: فهم الرفيق الأعلى، وحسن أولئك رفيقا، ولا يزال الله يمدهم بأنعمه وألطافه ومزيده إحسانا منه وتوفيقا». قال: «ولهم مرتبة المعية مع الله، فإن الله مع الصادقين». كل ذلك ثمار ونتائج الصدق، فمن ثمار الصدق ونتائجه أن صاحبه يحظى بالمعية الخاصة، معية النصر والتأييد، فالله عز وجل مع الصادقين: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. قال: «ولهم منزلة القرب منه، إذ درجتهم منه ثاني درجة النبيين كما تقدم في الآية». قال: «وأخبر تعالى أن من صدقه فهو خير له، فقال: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾، فالصدق عاقبته إلى خير وعز ونصر وتمكين». قال: «وأخبر تعالى عن أهل البر وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم من الإيمان والإسلام والصدقة والصبر بأنهم أهل الصدق، فقال: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾». وهذا صريح في أن الصدق بالأعمال الظاهرة والباطنة، يعني ليس الصدق كما يفهمه البعض هو بالقول فقط وبالإخبار فقط، بل الصدق يكون أعم من ذلك، فهو يشمل الأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة. فانظر في هذه الآية ذكر الله عز وجل أعمالا كثيرة ظاهرة وباطنة، فذكر الإيمان والإسلام والصدقة والصبر، ثم قال: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾، فإذن الصدق يكون في الأقوال والأعمال والأحوال، كما سيبين ابن القيم عليه رحمة الله. قال: «وأن الصدق هو مقام الإسلام والإيمان». قال: «وقسم الله سبحانه الناس إلى صادق ومنافق، فقال: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾». ولذلك من أبرز وألصق صفات المنافقين الكذب، الكذب الذي هو خلاف الصدق، فقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «آية المنافق ثلاث»، وذكر أول هذه الآيات أي العلامات: «إذا حدث كذب». فما ثمة إلا صادق ومنافق، الصادق الذي قد أتى بالأعمال الظاهرة والباطنة كما يحب ربنا عز وجل ويرضى، والمنافق الذي أظهر الإسلام وأظهر الخير والصلاح ولكنه كاذب في قرارة نفسه. وكما هو معلوم أن النفاق على نوعين أو على قسمين: نفاق عملي ونفاق اعتقادي، والكذب من صفات كلا النوعين، سواء كان في القول أو كذلك في العمل. قال: «الإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر أبدا، لا يجتمع الكذب مع الإيمان». قال: «وأخبر سبحانه أنه في يوم القيامة لا ينفع العبد وينجيه من عذابه إلا صدقه، قال تعالى: ﴿هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾». في الدنيا قد ينطل الكذب على الخلق، فتظهر خلاف ما تبطن وتقول خلاف الواقع فتصدق، لأن البشر لا يعلمون الغيب ويحكمون بالظاهر، ولكن يوم القيامة لا يستطيع العبد أن يكذب فيفضح، بل ويشهد عليه أو تشهد عليه جوارحه، تشهد عليه جوارحه، فأنى له أن يكذب فيفضح، فلا ينفع يوم القيامة إلا الصدق: ﴿هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾، فيفضح الكاذبون يوم القيامة، يفضحون أمام الخلائق. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، فالصدق علامة من علامات التقوى. قال: «فالذي جاء بالصدق هو من شأنه الصدق في قوله وعمله وحاله، فالصدق في هذه الثلاثة يعني لا ينحصر الصدق في القول، بل يكون في القول وفي العمل أيضا وفي العمل، فمن أظهر الصلاح والخير ثم أضمر في باطنه خلاف ذلك فهذا كاذب في عمله، وهكذا الحال، وسيأتي تفسيره للحال». قال: «فالصدق في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها، يعني الإنسان يكون مستقيما في أقواله، أقواله مطابقة للواقع، مطابقة للواقع، هذا هو الصدق في الأقوال». قال: «والصدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد، هذا هو الصدق في الأعمال، أن تكون أعمالك على الأمر والمتابعة، أي الإخلاص والاتباع لشرع الله سبحانه وتعالى». قال: «والصدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص، وهذا هو مراده بالأحوال، أن يخلص العبد في أعماله الظاهرة فيكون ظاهره موافقا لباطنه، واستفراغ الوسع وبذل الطاقة، فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق». قال: «وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به تكون صديقيته، ولذلك كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه ذروة سنام الصديقية، سمي الصديق على الإطلاق، والصديق أبلغ من الصدوق، والصدوق أبلغ من الصادق، الصدوق من أفعال المبالغة أو من أمثلة المبالغة، وكذلك الصديق من أمثلة المبالغة، ولكن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فالصديق أبلغ من الصدوق لأنه خمسة أحرف بتضعيف الدال: الصديق، وأما الصدوق فهو أربعة أحرف: الصاد والدال والواو والقاف، فالصديق أبلغ من الصدوق، ولذلك قال: سمي الصديق على الإطلاق، والصديق أبلغ من الصدوق، أما الصادق فهو ليس من أمثلة المبالغة وإنما هو من أسماء الأفعال، فهو اسم فاعل، فهو اسم فاعل». قال رحمه الله: «فأعلى مراتب الصدق مرتبة الصديقية، وهي كمال الانقياد للرسول صلى الله عليه وسلم مع كمال الإخلاص للمرسل، يعني الإخلاص لله عز وجل، وحضي بذلك الصديق رضي الله تعالى عنه لتوفر كمال انقياده للرسول عليه الصلاة والسلام وكمال إخلاصه لله عز وجل، ولذلك كان الصديق أفضل هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام». قال رحمه الله: «وقد أمر الله تعالى رسوله أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق، فقال: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾، وأخبر عن خليله إبراهيم عليه السلام أنه سأله أن يهب له لسان صدق في الآخرين، فقال: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾، وبشر عباده بأن لهم عنده قدم صدق ومقعد صدق، فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾، وقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾، فهذه خمسة أشياء: مدخل صدق، ومخرج صدق، ولسان صدق، وقدم صدق، ومقعد صدق». قال رحمه الله: «وحقيقة الصدق في هذه الأشياء هو الحق الثابت المتصل بالله الموصل إلى الله، وهو ما كان به وله من الأقوال والأعمال، فكيف يكون مدخلك مدخل صدق؟ أن يكون مدخلك ومخرجك لله عز وجل وفي طاعة الله سبحانه وتعالى، وهكذا كيف تكون لسانك لسان صدق؟ أن يكون قولك لله وبالله ومن أجل الله سبحانه وتعالى، وهكذا ما ذكر في الآيات الأخرى». قال رحمه الله: «ومن علامات الصدق طمأنينة القلب إليه، يعني إلى هذا الصدق، فالصادق يحب الصدق ويطمئن إليه». قال: «ومن علامات الكذب حصول الريبة، كما في الترمذي مرفوعا من حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصدق طمأنينة والكذب ريبة»». فتجد الصادق لا يضطرب ولا كذلك يقلق، لأنه قد وافقت أقواله أعماله وأعماله أقواله، فهو مطمئن القلب هادي البال لا ينزعج، بخلاف الكاذب، فتجده ذو ريبة وخوف واضطراب وفزع وإلى غير ذلك، والحديث صححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. قال: «وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور»». فالكاذب تجده يخلف الوعد، وهذا من الفجور، الكاذب تجده يأخذ المال الحرام، الكاذب تجده يقتل النفس التي حرم الله، وقس على هذا، فالكاذب يهدي إلى الفجور. قال: «وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا»، والحديث في الصحيحين. قال: «فجعل الصدق مفتاح الصديقية ومبدأها وهي غايته، فلا ينال درجتها كاذب البتة، الصديقية لا ينال هذه المنزلة وهذه الدرجة الكاذب، لا ينالها لا في قوله ولا في عمله ولا في حاله، ولا سيما كاذب على الله في أسماء وصفاته، نفي ما أثبته أو إثبات ما نفاه عن نفسه، فليس فيها أولا صديق أبدا، وكذلك من ادعى أن غير الله يدعى ويذبح له ويخاف منه، فهذا من الكذب على الله وهو من أعظم الكذب». قال: «وكذلك الكذب عليه في دينه وشرعه، بتحليل ما حرمه وتحريم ما لم يحرمه، وإسقاط ما أوجبه وإيجاب ما لم يوجبه، وكراهة ما أحبه واستحباب ما لم يحبه، كل ذلك منافٍ للصديقية، وهذا من الكذب أن تقول هذا حلال بتخرص وعدم علم، وتثبت فتحرم ما أحل الله وتحلل ما حرم الله». قال: «وكذلك الكذب معه في الأعمال، بالتحلي بحلية الصادقين المخلصين والزاهدين المتوكلين وليس في الحقيقة منهم». قال: «فلذلك كانت الصديقية كمال الإخلاص والإنقياد والمتابعة للخبر والأمر ظاهرا وباطنا، حتى إن صدق المتبايعين يحل البركة في بيعهما، وهذا من ثمار الصدق حتى في أمور الدنيا، فإن الصدق عاقبته إلى خير، فيبارك الله عز وجل الصادق في رزقه في بيعه في شرائه، ولذلك قال: حتى إن صدق المتبايعين يحل البركة في بيعهما، وكذبهما يمحق بركة بيعهما، كما في الصحيحين عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتمَا محقت بركة بيعهما»». فالله الله في الصدق في الأقوال والأعمال، وكذلك في الإخلاص لله سبحانه وتعالى، فهذه منزلة عظيمة، وقد سمعتم الشيء الكثير من آثارها وثمارها في الدنيا والآخرة. أكتفي بهذا، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا من عباده المخلصين الصادقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.