المحاضرة بعنوان تعظيم نساء المسلمين لسنة سيد المرسلين، محاضرة للنساء والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الجمعة 27 رجب 1447هـ الموافق 16 يناير 2026م ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد المقطع أن الفلاح والنجاح يكمن في اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم ونصرتها، وأن الصحابة هم الأمنة للأمة بعده. ويسلط الضوء على تميز نساء الصحابة وأمهات المؤمنين في تعظيم السنة، مبيناً مكانة عائشة رضي الله عنها وعلو علمها وفقهها.
يسرد المقطع مواقف عملية لعائشة وصفية وأم سليم وزوج جابر في اتباع هدي النبي في الصيام والصدقة وتعظيم السنة. ويبرز قصة جابر في غزوة الخندق حيث بارك النبي في القليل من الطعام فأطعم الجيش، دليلاً على تسليم الصحابيات لأمر النبي وتصديقهن لوعده.
يسرد المقطع مواقف لصحابيات كأم حرام وأسماء بنت عميس، وتبعيّات كحفصة بنت سيرين وأم الدرداء، في يقينهن بالوحي وتمسكهن بالسنة. ويختتم بقصة الحسن البصري مع البزاز الحالف تحذيراً من الحلف الكاذب في البيع.
يسرد المقطع قصة الحسن البصري مع تاجر ترك الحلف الكاذب بعد زواجه بامرأة تعينه على الطاعة، وقصة إسماعيل عليه السلام مع زوجتيه. مبيناً أن الزوجة الصالحة سبب لبركة الرزق وصلاح الحال، وأن تعظيم المرأة للسنة يصلح الله بها أمرها وأمر زوجها وأولادها.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فبادئ ذي بدء نحمد الله جل وعلا على ما أنعم علينا سبحانه وتعالى، ونحمده جل وعلا ونشكره على أن يسر لنا هذا اللقاء، الذي نسأل الله عز وجل أن يكون لقاءً مباركًا نافعًا. أيها الأخوات في الله، يقول ربنا جل وعلا: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. الله عز وجل في هذه الآية بيّن أن من عظم رسول الله صلوات الله وسلام عليه، ونصر سنته واتبع هديه، فهو من المفلحين، من الفائزين الذين وعد الله عز وجل لهم الجنة. فلا شك ولا ريب أن الله عز وجل أرسل رسوله بالحق، بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله. أرسله الله عز وجل بشيرًا ونذيرًا لهذه الأمة، يعلمهم عليه الصلاة والسلام ما علمه الله عز وجل. فما من خير إلا ودلنا عليه، وما من شر إلا وحذرنا منه عليه الصلاة والسلام. كان ناصحًا حريصًا على هذه الأمة، كما قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. فصلوات الله وسلام عليه، فقد أرسله الله عز وجل فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله عز وجل به الغمة، غمة أهل الجاهلية. فكشف الله عز وجل به الغمة، وتركنا على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. تركنا على السنة والسيرة العظيمة، التي قال الله عز وجل فيها: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فالطريق هو طريقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد بيّن الله عز وجل أن الاقتداء به، أو أن نبينا عليه الصلاة والسلام هو القدوة لمن أراد الله عز وجل والدار الآخرة، فقال جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. فهذه السنة والهدى الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، أمر الله عز وجل باتباعه، وأنه لا اهتداء إلا باتباع النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾. وقال صلى الله عليه وعلى وسلم: «وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى وسلم». لهذا فإن أهل الاتباع وأهل السنة من الذكور والإناث هم أتباع رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، يعظمون شرع الله، ويعظمون كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، ويعظمون سنة النبي عليه الصلاة والسلام، لا يخرجون عنها، ولا يذهبون مع من خالفها، بل يتبعون ما جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وعلى وسلم. لهذا فالمفلح هو الذي يعظم سنة رسول الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ﴾. فهذه الأشياء الثلاثة: وهي تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام، وتعظيم سنته، وكذلك نصر سنته واتباعها، هذه الثلاثة الأشياء هي الفلاح، وهي النجاح، وهي تحقيق رضا الرب جل وعلا. لهذا تجد أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كانوا أكثر تعظيما لرسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، ونصرا لسنته، واتباعا لهديه عليه الصلاة والسلام. لهذا فهم أمناء لهذه الأمة. من اتبعهم فقد اتبع رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، ومن خالفهم فقد شاق وقالف رسول الله صلوات الله وسلام عليه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾، شاققه أي خالفه، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي سبيل الصحابة رضي الله عنهم. فسبيلهم هو الأمان، وهو الفلاح. ولهذا جاء في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: خرج النبي عليه الصلاة والسلام بعدما صلينا المغرب، فوجدنا جلوسًا، فقال: «ما لكم جلوس؟» فقلنا: صلينا المغرب وانتظرنا، أو ننتظر لصلاة العشاء. فقال: «أحسنتم». ثم نظر إلى السماء، فقال عليه الصلاة والسلام: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأمتي، فإذا ذهبت أتى أمتي ما توعد، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون». لهذا أيها الأخوات الكريمات، فإن سيرة الصحابة ومن بعدهم من أهل السنة في تعظيم سنة النبي عليه الصلاة والسلام والوقوف عندها، وكذلك اتباعها، كثيرة جدًا. لكن في هذا المقام نأخذ ما كان عليه نساء المسلمين في تعظيم واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم وهديه. في هذا الهدي العظيم تجد أن كثيرًا من نساء المسلمين كن يتبعن سنة رسول الله ويعظمنها. ونذكر بعض الأمثلة، وإلا فالأمثلة كثيرة جدًا. فكثير من نساء الصحابة كن يعظمن السنة ويعظمن هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، وأعظمهن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام: خديجة، وعائشة، وأم سلمة، وحفصة، وغيرهن، وغيرهن من زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، ولهن مواقف كثيرة. فهذه عائشة رضي الله عنها، أعلم نساء هذه الأمة، تحصلت على علم عجيب وعظيم، حتى قال عروة بن الزبير لخالته: يا أم المؤمنين، ما رأيت أحدًا أعلم منك بسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، ولا بفقه ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا بأيام الناس، أي لا أعلم أحدًا أعلم منك بأيام الناس، أي بالتاريخ والأنساب. قال: وهذا ليس بعجب، لكن العجيب أنك من أعلم الناس بالطب، كنت تصفين الأدوية للناس. فقال: فمن أين تعلمت هذا؟ قالت رضي الله عنها: يا عرية -أي تريد تصغير العروة- قد كانت الوفود تأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، وفيهم الأطباء الذين يصفون للنبي عليه الصلاة والسلام الدواء، فأقضوا -أو قالت: فمن هنا تعلمت- فمن هنا تعلمت. هكذا كانت رضي الله تعالى عنها موسوعة من موسوعات العلم والسنة، وكانت تتبع النبي عليه الصلاة والسلام عدو القدوة بالقدوة رضي الله تعالى عنها. فكانت تصوم مثل ما كان يصوم النبي صلى الله عليه وسلم، وتفطر كما كان يفطر النبي عليه الصلاة والسلام. في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم يصوم حتى يقال كاد أن لا يفطر، ويفطر حتى يقال أنه لا يصوم. فكانت تفعل ذلك أيضًا اتباعًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم، كما نقل ذلك عروة رحمة الله عليه. وكذلك كانت من أشد الناس صدقة، اتباعًا لرسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ما أحب أن لي ذهبا مثل أحد، ويصبح منه شيء»، ويصبح من هذا الذهب الكثير يصبح منه شيء، وإنما أقول به هكذا وهكذا وهكذا، أي عن يمينه، وعن شماله، ومن أمامه، وعن خلفه. أراد النبي صلى الله عليه وسلم أي أنه يتصدق به. هكذا عرفت عائشة رضي الله عنها بصدقتها وبكثرة الصدقة، حتى أن معاوية رضي الله عنه اشترى منها بيتًا فأعطاها مئة ألف دينار، فما أصبح منها شيء. وكانت تأكل في الغداة خبزًا وزيتًا. فقالت لها جارية من جواريها: يا أم المؤمنين، لو تركت لنا دينارًا نشتري به لحمًا. قالت: لو تكلمتي لتركت. قالت: لو تكلمتي لتركت. فكانت تتبع النبي عليه الصلاة والسلام حتى في هذه الصدقة. وكانت من أشد الناس تعظيما لسنة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. فإذا رأت أن حديثًا أنكرته، كانت ترسل إلى من حدث بهذا الحديث، وتنكر على الصحابة تحديثهم أشياء لم تسمعها من النبي عليه الصلاة والسلام، أو أنها علمتها من سنته فأنكرت على عبد الله بن عمر قوله: أن النبي عليه الصلاة والسلام اعتمر في رمضان. فقالت: والله ما اعتمر في رمضان أبدًا. وكان عبد الله بن عمر شاهدًا معه، أي هي تقول: وكان عبد الله بن عمر شاهدًا، لكنه وهم. وكذلك كانت تستدرك على الصحابة مسائل وأشياء، تعظيما لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. كذلك حتى من أقارب النبي عليه الصلاة والسلام ممن أسلمن، كن يعظمن سنة رسول الله وكلامه ويتبعونه عليه الصلاة والسلام. فهذه صفية بنت عبد المطلب رضي الله تعالى عنها، وقد أخرج النسائي من حديث عبد الله بن الزبير أن الزبير حدثه أنه كان يوم أحد، لما قتل حمزة رضي الله تعالى عنه، فجاءت صفية أخته، هي أم الزبير بن العوام، جاءت بكفنه، ودخلت بين الموتى. فلما رآها النبي عليه الصلاة والسلام قال للزبير: «المرأة المرأة، أدرك هذه المرأة حتى لا ترى ما في القتل من تشويه». لأن في أحد شوهوا بحمزة، وطعنوا بطنه، وكانت أيضًا في غيره مثله، كما قال أبو سفيان رضي الله عنه بعد الحرب: يا محمد، إن في القتلى مثلة، لم آمر بها، لم آمر بها مثلها. معنى أنهم يقطعون أجزاءهم، وهذا ما كانت العرب تفعله. فقال: إن في القتلى مثلة ما أمرت بها، أي لم آمر بها أنا، وإنما فعله ناس من عند أنفسهم. لهذا خاف النبي عليه الصلاة والسلام أن ترى صفية ما بأخيها من جراح، فقال: «أدرك المرأة». فقام الزبير وأراد أن يثنيها وأن يمنعها من أن ترى القتلى. قالت: فضربت، فلكمتني لكمة شديدة، وكانت امرأة شديدة. قال: حتى قلت لها: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم يعزم عليك أن ترجعي. قالت: فوقفت. ثم ألقت ما كان معها من كفن، وقالت للزبير: كفنوا في هذا حمزة. رضي الله تعالى عنها، ورضي الله تعالى عن حمزة. هكذا أيها الأخوات، النساء يعظمن كلام رسول الله وسنته، ويعظمن ما يأتي عن رسول الله، ولو لم يعلموا أنه صحيح أو لا، لكنهم يسلمون لرسول الله صلى الله عليه وعلى سلم، وإن كان ظاهره يخالف الواقع. وأقصد ما جاء عن أم سليم رضي الله تعالى عنها، وما جاء أيضًا عن امرأة جابر، والقصتان متشابهتان، ونذكر إحداهما، وهي قصة جابر بن عبد الله. قال جابر: لما كنا نحفر الخندق، عرضت لرسول الله صلى الله عليه وعلى سلم كدية شديدة وقاسية. والكدية: أي حجرة كبيرة. ففتتها النبي عليه الصلاة والسلام بمعوله، والمعول: حديدة مذببة. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يضربها ضربة ثم يقول: «الله أكبر، فتحت الشام». ثم يضربها الثانية فيقول: «الله أكبر، فتحت العراق». ثم يضربها الثالثة حتى تفتتت، وقال: «الله أكبر، فتحت اليمن». قال جابر رضي الله عنه: قال فجلسنا ثلاثة أيام لا نذوق طعامًا، حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعصب على بطنه أحجارًا عليه الصلاة والسلام من الجوع، حتى لا تسقط بطنه صلى الله عليه وآله وسلم. قال: فلما رأيت ذلك استأذنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أذهب إلى بيتي لحاجة لي، فأذن لي. قال: فذهبت إلى امرأتي وقلت لها: هل عندك من طعام؟ قالت: نعم، عندنا قليل من شعير. قال: فهاتيه وعجنيه، وهاتي هذه البهمة نذبحها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإني رأيت الجوع في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فذبح جابر هذه البهمة، وهي العرس الصغيرة. ثم ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله، إن امرأتي طبخت بعض الطعام أو قليلا من الطعام، تعال أنت ورجل أو رجلان. فقال عليه الصلاة والسلام: «يا أهل الخندق، إن جابرا معه طعام، فهلما فتعالوا»، أي: هلموا نذهب إليه. قال: فمشيت قبلهم، ومشى النبي عليه الصلاة والسلام ومن كان من أهل الخندق، وكانوا ألف رجل. قال: فلما رأتني... فلما رأت امرأتي، قلت لها: ثكلتك أمك، هذا رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم قد جاء ومعه أهل الخندق. قالت: هل سألته أو قلت له أنه طعام قليل؟ قال: نعم، قلت له: تعال أنت ورجل أو رجلان. فقالت: هذه المرة... هذه المرة التي أيقنت أن النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى. ما معها إلا قليل من الطعام وقليل من اللحم لا يكفي هؤلاء، لكن قالت: ما دام أنه قال لك، أو ما دام أنه علم بذلك، فالله ورسوله أعلم، الله ورسوله أعلم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لجابر: «اجعل امرأتك لا تفتح البرمة، أي برمة اللحم، ولا تعجن حتى آتي». فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: هلموا بمن يعيننا على العجين. فجاءوا بنساء، فعجن ذلك بعد أن برك فيه عليه الصلاة والسلام، نفث فيه وبرك، أي قرأ شيئا من الدعاء، برك فيه التنور، وكذلك في ذلك الطعام. ثم قال لجابر: «أدخل الناس». فكان يغرف من اللحم ويكسر الخبز عليه الصلاة والسلام، والناس يأكلون حتى أكل عن آخرهم، أي كلهم أكلوا من هذا الخبز ومن ذلك اللحم الذي هو القليل، فكفى. قال جابر: فما بقي أحد إلا وأكل، وإن برمتنا لتغض من اللحم، أي مليئة لحم، مليئة هذه البرمة التي توضع في التنور مليئة باللحم، وكذلك معنا خبز. فقال عليه الصلاة والسلام لامرأة جابر: «كلي وأطعمي وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة». فهذا أيها الأخوات، هذه المرأة الصابرة التي عرفت أن هذا من الله عز وجل، وأن الأمر في شيء، فسلمت لكلام رسول الله صلوات الله وسلام عليه. وهكذا أيضا كانت المرأة من نساء الصحابيات توقن بكلام النبي عليه الصلاة والسلام، وتعلم أنه حق. فهذه أم حرام بنت ملحان رضي الله تعالى عنها، أم حرام بنت ملحان رضي الله تعالى عنها، كان النبي عليه الصلاة والسلام عندها، وهي زوجة عبادة بن الصامت. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يدخل على أم سليم، أم حرام، بنات ملحان، يعنّسهن لموت أخيهم. وكذلك قيل أنهن كن من أرحامه، أو بينهم رضاعة، لكن لم يصح ذلك، لكن هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام. فلما نام القيلولة، قام عليه الصلاة والسلام وهو يهتف بالعرق، قال: «إن أناسا من أمتي يركبون ثبج هذا البحر، قال: كالملوك على السرر، أو قال: ملوك على الأسرة». فقالت أم حرام بنت ملحان: ادع الله أن أكون منهم يا رسول الله. فقال: «أنت منهم». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «ولا يكونن أيضا أقوام من أمتي يركبون البحر، أو يركبون ثبج هذا البحر، ملوك على الأسرة، أو كالملوك على الأسرة». فقالت أم حرام: اجعلني يا رسول الله منهم، أو ادع الله أن أكون منهم. قال: «أنت في الأولين، أنت في الأولين». قال: فلما كانت... فلما كانت زمن معاوية، دخل الناس، خرج الناس وأرادوا الهند، فسلكوا البحر. فكان معهم عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام بنت ملحان. فدخلوا ذلك البحر، فلما خرجوا من البحر تعثرت بها الناقة وسقطت فماتت، رضي الله تعالى عنها. وكانت موقنة بذلك أنها تطلع ذلك البحر كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كن نساء الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فهذه أسماء بنت عميس رضي الله تعالى عنها، لما جاءوا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة. أسماء بنت عميس هي زوجة جعفر، زوجة جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وكانوا في الحبشة منذ أن ذهبوا من مكة حتى كانت السنة السابعة. فجاء جعفر وجاء من معه في السفينة، وكان معه الأشعريون، أصحاب أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه. فجاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام في خيبر، بعد أن رجع النبي عليه الصلاة والسلام منها منتصرًا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أدري بما أفرح، هل بفتح خيبر أم برجوع جعفر وأصحابه». فرجعوا من خيبر رضي الله تعالى عنهم. فلما كانت أسماء بنت عميس عند حفصة زوجة النبي عليه الصلاة والسلام، دخل عمر، أراد حفصة ابنته، فسمع صوت امرأة، فقال: يا حفصة، من هذه المرأة؟ قالت: هذه أسماء بنت عميس، زوجة جعفر. قال: الحبشية هذه، البحرية هذه، أي التي جاءوا في البحر وجاءوا من الحبشة. قالت له: نعم. فقال: نحن أحق برسول الله صلى الله عليه وعلى سلم منكم، أنتم بعيدون عنه، ونحن كنا نحيطه عليه الصلاة والسلام. فقالت: كلا والله، نحن كنا البعداء، كنا في أرض غرباء، وعنتم عند رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم، يطعم جائعكم، ويسقي ظمآنكم، ويعلم جاهلكم. وإني والله لأذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم وأخبره بما قلت. فذهبت أسماء إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم وأخبرته بما قال عمر وما قالت لعمر. فقال عليه الصلاة والسلام: «أنتم أهل السفينة لكم أجران، أنتم أهل السفينة لكم أجران»، أي أجر الغربة وأجر أيضًا صحبة رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم، ولزومكم الإسلام والثبات عليه. فقال: «أنتم أهل السفينة لكم أجران». قال: قال فما فرح الناس بشيء، أي الذين جاءوا من خيبر من الحبشة، فما فرحوا بشيء أحب إليهم من كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم. فكان أبو موسى وأصحابه من الأشعريين يأتون إلى أسماء بنت عميس لأجل أن تخبرهم بكلام رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم، كان لأجل أن يخبرهم، فيسرون بذلك الكلام العظيم من رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم، أن لهم أجرين عند الله جل وعلى. فهكذا لو نظرنا أيضا كذلك إلى من كان من بعد الصحابة، لو وجدنا أيضا أشياء كثيرة من هذا القبيل. كن الصحابيات يوصين أزواجهن بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم، كما كانت تفعل أم أبي هريرة، فتوصي ابنها بسماع رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم، وينقل لها كلامه. وهكذا أبو سعيد، وهكذا غيره من الصحابة رضي الله عنهم. وكذلك من جاء من بعدهم من العالمات والفقيهات والعابدات، كن يعظمن أمر رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم وسنته وهديه. وأذكر في هذا المقام تلك المرأة الصالحة، أم الهذيل، حفصة بنت سيرين، رحمة الله عليها. تلك المرأة التي كانت من أعظم الناس اتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم، حتى أن بعض من كان يعرفها، كهشام، كان مولى لهم، مولى لآل سيرين، فكان يقول: كانت حفصة أتبع لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم من أخيها محمد، وأعلم. كانت حفصة أتبع لسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أخيها وأعلم، أي أعلم من أخيها محمد بن سيرين، رحمة الله عليهما. وهي التي لما قيل لها، وقد كانت من القواعد من النساء، قيل لها: لم تتحجبين وقد بلغتي هذا المبلغ من العمر، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّلَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾. قالت: ألم يقل الله عز وجل: ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾؟ قال الله عز وجل: ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾، فهذا خير ذكره الله عز وجل. وهكذا أيضا من التابعيات، أم الدرداء الصغرى، الفقيهة، هجيمة الأوصابية أو جهيمة الأوصابية، رحمة الله عليها، كانت تصلي مثل ما كان يصلي النبي عليه الصلاة والسلام، تفرش، حتى أنكرها بعض الناس، أي تفرش في الجلوس، تجلس جلسة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الافتراش، أن ينصب رجله اليمنى ويجلس على رجله اليسرى، فكانت تفعل ذلك اتباعًا لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كن النساء يتعلمن تعظيم السنة وتعظيم الدين، كن يوصين أزواجهن بذلك. حتى أن الحسن بن أبي الحسن البصري ذكر قصة من باب الفائدة، وإن شاء الله تعالى نختم بها. ذكر رحمه الله، كما ذكر ذلك صاحب الجواهر، الجواهر وكنوز العلم، ذكر رحمه الله عن الحسن بن أبي الحسن البصري قال: كنت قد ذهبت إلى الحج، فدخلت عند بزاز، البزاز الذي يبيع الثياب. قال: فرأيته يبيع ويحلف، ويقول: اشتريته بكذا وكذا، ويحلف. وهذا منهي عنه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة»، وخاصة إذا كان هذا الحلف على كذب، فإنه أعظم وأعظم. فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله عز وجل يوم القيامة ولا ينظر إليهم»، وذكر رجلا يحلف على سلعة له كاذبا. لهذا قال الحسن: فجئت إلى هذا البزاز، فرأيته يذكر ثمنا وأنه اشتريته بكذا، ويحلف. قال: فذهبت وتركته، وذهبت إلى بزاز آخر، فاشتريت من عنده. قال: ثم جئت بعد سنتين، جئت بعد سنتين إلى الحج، فذهبت إلى ذلك البزاز، فرأيته يبيع ولا يحلف ولا يذكر ثمنا، أي لا يذكر أني اشتريته بكذا، أو أنه يحلف. قال: فرأيته يبيع ولا يحلف ولا يذكر ثمنا. فقلت: أعنت ذلك الرجل الذي قد وقفت عنده قبل سنتين، وكنت تحلف وتذكر ثمنا؟ قال: نعم. قال: فما غيرك؟ قال: هذا الرجل، قال: كنت متزوج امرأة، فكانت إن جئت بقليل عيرتني، وكانت تطمع أن آتي بالكثير فتفرح بذلك. ثم رحمني الله عز وجل منها، فماتت. فتزوجت امرأة كانت امرأة تقية زاهدة، وكانت تقول: إذا أردت أن أخرج إلى السوق، قالت: تقول يا فلان، اتق الله فينا، لا تطعمنا إلا من حلال، إذا جئت بقليل كثرناه لك، وأن حمدنا الله عز وجل وتكثر بالبركة، وإن لم تأت بشيء أعناك بمغزلنا، أي أعناك بالغزل. قال: فبارك الله عز وجل لي بسبب هذه المرأة. وهذا يذكرنا بالقصة التي حكاها النبي عليه الصلاة والسلام عن إسماعيل، نبي الله إسماعيل عليه السلام، التي جاءت في البخاري، ذكرها ابن عباس عن النبي عليه الصلاة والسلام. لما جاء نبي الله إبراهيم لزيارة ابنه إسماعيل، جاء إلى هذه، إلى زوجته، وسألها عن عيشهم وعن طعامهم، فأساءت القول، وقالت: ما معنا إلا اللحم، وما معنا كذا، ونحن في عيش ضنك، ومن هذا الكلام. فقال لها: إذا جاء إسماعيل فسلمي عليه، وقول له: غير عتبة بابك. فلما جاء إسماعيل، أخبرته بما قال، فقال: ذلك أبي، وأمرني أن أطلقك، فاذهبي إلى أهلك. ثم أنه تزوج امرأة أخرى، تزوج امرأة أخرى. فلما جاء نبي الله إبراهيم إليها زائرا لابنه، فلم يجده، فسألها عن معاشهم، فحمدت الله جل وعلا، قالت: الحمد لله، عندنا اللحم، وعندنا كذا والماء، ونحمد الله عز وجل على ما أعطانا. فلما جاء، قال لها: إذا جاء إسماعيل فسلمي عليه، وقول له: يثبت عتبة بابه. فقال نبي الله إسماعيل: هذا أبي، وأراد مني، أو أوصاني أن أثبتك، وأن لا أطلقك. وهذا بسبب فالمرأة تعين على طاعة الله، تعين زوجها على طاعة الله جل وعلا، وكذلك أيضا تعظم سنة رسول الله. إن كانت معظمة، أصلح الله عز وجل أمرها، وأصلح أولادها، وأصلح زوجها، بسبب تعظيمها لسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى سلم، كما حصل لكثير من النساء. ولعل الوقت قد أدركنا، وإلا فالموضوع له بقية. فإن شاء الله تعالى نكتفي بما قد ذكرناه. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.