شرح بعض منارل السائرين إلى الله  8

شرح بعض منارل السائرين إلى الله 8

الدرس في شرح بعض منارل السائرين إلى الله 8، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

منزلة الإيثار والفرق بين السخاء والجود والإيثار

يشرح المقطع منزلة الإيثار كما وردت في مدارج السالكين لابن القيم، مبيناً أنها أعلى مراتب العطاء حيث يؤثر المسلم غيره مع حاجته، ويفرق بينها وبين السخاء والجود مستدلاً بآية الحشر وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذم الشح وبيان أنه سبب للهلاك، وأن البخل ثمرة للشح بينما الإيثار ثمرة للجود وسخاء النفس.

مراتب السخاء الثلاث وأمثلة من السلف

يوضح المقطع ثلاث مراتب للسخاء: الجود (إعطاء النصف)، والإيثار (تقديم الغير على النفس رغم الحاجة) وهو أعلى المراتب ووصف الله به الأنصار، والأثرة (الاستئثار بالمال عن المحتاج) وهي مذمومة، مع أمثلة عملية لقيس بن سعد وبدوي أكرم ضيوفه ورفض الأجر.

مراتب الجود العشر وفضل إيثار الأنصار

يشرح المقطع حكمة استئثار الناس على الأنصار بالدنيا مع إيثار الأنصار ليجازيهم الله بالمنازل العالية في الجنة، ثم يورد عشر مراتب للجود مستعرضاً أول ثلاث: الجود بالنفس في سبيل الله، والجود بالرياسة والتواضع لقضاء حوائج الناس، والجود بالراحة والنوم لخدمة الضيوف وإخوانهم.

معنى رب العالمين وتأويله

يشير مصطلح "رب العالمين" إلى الله سبحانه وتعالى كخالق ومالك ومدبر لجميع العوالم والمخلوقات، ويدل على شمول ربوبيته لكل ما في السماوات والأرض، ويستوجب العبودية والشكر له وحده.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد قال العلامة بن القيم عليه رحمة الله في كتابه مدارج السالكين منزلة الإيثار منزلة الإيثار قال الله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون وهذه الآية نزلت في شأن الصحابة من الأنصار لما قدم عليهم المهاجرون فآثروهم على أنفسهم قال فالإيثار ضد الشح فإن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه والشحيح حريص على ما ليس بيده فهو ضد الإيثار الشح ضد الإيثار الإيثار أن تعطي غيرك ما أنت محتاج إليه والشح أن تحرص على ما في أيدي غيرك وليس في يدك ولكن تحرص على ما ليس بيدك قال فإذا حصل بيده شيء شح عليه وبخل بإخراجه فالبخل ثمرة الشح الشح يتطلع إلى ما عند غيره فإذا جاءه الذي عند الغير بخل به يعني لم يخرجه ولم يعطي غيره قال فالبخل ثمرة الشح والشح يأمر بالبخل لأنه متطلع إلى ما في يد غيره فإذا نال ما في يد غيره تمسك به لأنه يخشى أن يفقده فيتطلع مرة أخرى إلى ما في يد الغير فلذلك قال والشح يأمر بالبخل قال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إياكم والشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا والحديث في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله وهذا الحديث فيه خطورة الشح وأنه سبب للهلاك سبب للهلاك ولذلك يقول الله عز وجل ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون قال فالبخيل من أجاب داعي الشح والمؤثر من أجاب داعي الجود والجود من صفات نبينا محمد عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن عباس كان النبي عليه الصلاة والسلام أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة قال عبد الله بن المبارك سخاء النفس عما في أيدي الناس أفضل من سخاء النفس بالبذل يعني عندما تكون عندك عفة وقناعة فيما أيد الناس هذا أعظم السخاء أفضل من أن يكون معك المال فتبذل وتعطي فتبذل وتعطي هذا معنى كلام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى فالذي لا يتطلع إلى ما في أيدي الناس لا يكون بخيلا لا يكون بخيلا لأنه قد ترك الشح وكما ذكر رحمه الله تعالى فإن البخل ثمرة الشح قال وهذا المنزل هو منزل الجود والسخاء والإحسان يعني التعفف عما في أيدي الناس وهكذا بذل ما في اليد قال وسمي بمنزلة الإيثار لأنه أعلى مراتبة يعني هناك جود وهناك سخاء وهناك سخاء وهناك إيثار وهناك إيثار فسمي هذا بمنزلة الإيثار لأنه أعلى مراتبة أعلى مراتب العطاء قال فإن المراتب ثلاث إحداها ألا ينقصه البذل ولا يصعب عليه فهو منزلة السخاء والثانية أن يعطي الأكثر ويبقي له شيئا أو يبقي مثل ما أعطى فهو الجود ليس المراد بالجود أن تنفق جميع مالك وإنما المراد أن تنفق شيئا من مالك ولو نصفه قال الثالث أن يؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه وهو مرتبة الإيثار فإذا معنا سخاء وجود وإيثار ما هو الفرق بينها كما ذكر السخاء ألا ينقصه البذل ولا يصعب عليه فهو يبذل ولو أكثر من نصف ماله ولو بماله كله فهذا يسمى سخاء لا يصعب عليه ذلك والثاني أن يعطي ويبقي له شيئا كالنصف أو نحوه فهذا يسمى الجود والثالث أن يكون معه شيء يحتاجه ولكن يقدم غيره على نفسه فهذا يسمى الإيثار وهو أعلى المراتب ولذلك وصف الله عز وجل به الأنصار ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة فلربما أحدهم قدم أكل أهله لضيفه وهو محتاج إليه وهو محتاج إليه فهذا هو الإيثار قال وهو مرتبة الإيثار وعكسها الأثرة عكس الإيثار الأثرة قال وهي استئثاره عن أخيه بما هو محتاج إليه هذا يسمى أثرة أخوك يحتاج إلى مال يحتاج إلى إعانة يحتاج إلى علاج فأنت لا تعطيه مع قدرتك على ذلك فتستأثر بالمال لنفسك فهذا يسمى أثرة يسمى أثرة قال وهي المرتبة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار رضي الله عنهم إنكم ستلقون بعد أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض والأنصار هم الذين وصفهم الله بالإيثار في قوله ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة فوصفهم بأعلى مراتب السخاء وكان ذلك فيهم معروفا يعني الإيثار والسخاء كان معروفا لديهم ومتصفون به قال وكان قيس ابن سعد بن عبادة رضي الله عنهما من الأجواد المعروفين حتى إنه مرض مرة فاستبطأ إخوانه في العيادة فسأل عنهم مرض فما زاره إخوانه المسلمون ما زاروه فاستبطأهم لماذا ما زاروني فسأل فقالوا إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين كان يعطيهم يدينهم فما عندهم ما يسددون به ديونهم فكانوا يستحيون أن يقابلوه لعله يطالبهم فقالوا له إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين فقال أخذ الله مالا يمنع الإخوان من الزيارة ثم أمر مناديا ينادي من كان لقيس عليه مال فهو منه في حل يعني خلاص عفى عنهم وأسقط حقه قال فما أمس حتى كسرت عتبة بابه لكثرة من عاده وهذا هو طبيعة البشر الآن بعض الناس ربما إذا رأى من دينه هرب إلى الشارع الآخر خشية أن يطالبه ذلك الأدائن قال وقالوا له يوما يعني ليقيس بن سعد وكان يضرب به المثل في السخاء والكرم وقالوا له يوما هل رأيت أسخى منك قال نعم نزلنا بالبادية على امرأة فحضر زوجها فقالت إنه نزل بك ضيفان المرأة جاءت عند هذا الرجل وقالت له نزل بك ضيفان فجاء بناقة انظروا إلى كرم العرب وسخائهم فجاء بناقة فنحرها وقال شأنكم يعني كلوا منها فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها فقلنا ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير يعني لماذا تذبح أخرى يكفيك أن تأتي لنا ما تبقى من الناقة الأولى ما الداعي أن تنحر ناقة أخرى فقالوا له ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا اليسير فقال إني لا أطعم ضيفان البائت نسمى البارح يعني الذي يبقى إلى اليوم الآخر فقال لا أنا لا أطعم ضيفاني البائت قال فبقين عنده يومين أو ثلاثة والسماء تمطر وهو يفعل ذلك كل يوم يذبح لهم ناقة قال فلما أردنا الرحيل يعني الانطلاق والذهاب من عنده وضعنا مئة دينار في بيته وهو غير موجود وقلنا للمرأة اعتذر لنا إليه ومضينا يعني اعتذر لما جلسنا حتى يأتي وضع هذا المال عند هذه المرأة قال فلما طلع النهار إذا نحن برجل يصيح خلفنا يعني هذا الرجل انطلق خلفهم وهو يقول قفوا أيها الركب اللئام أعطيتموني ثمن قرائي يعني ثمن ضيافتي أعطيتموني هذا المال ثم إنه لحقنا وقال لتأخذنه أو لأطاعننكم برمحي إما تأخذون المال الله سيكون قتال انظروا إلى كرم هؤلاء رحمهم الله تعالى قال فأخذناه وانصرفنا أخذوا المال رأى الرجل جاد والمسألة وصلت إلى حد القتال فلا داعي لذلك فأخذوا مالهم وانصرفوا قال رحمه الله فتأمل سر التقدير حيث قدر الحكيم الخبير سبحانه استئثار الناس على الأنصار بالدنيا وهم أهل الإيثار الناس استأثروا على الأنصار بالدنيا والأنصار أعطوا الدنيا وهذا من سر تقدير الله سبحانه وتعالى قال وهم أهل الإيثار ليجازيهم على إيثارهم إخوانهم في الدنيا على نفوسهم بالمنازل العالية من جنات عذن على الناس يعني من استؤثر عليه فليواسي نفسه أن هذه الدنيا ثانية وأن الإيثار من قبل نفسه على غيره هو الذي ينفعه وهو الذي يكون سببا في تبوئه المنازل العالية في جنات عدن قال فَطَظَهَرْ حِنَئِذٍ فضيلة إيثارهم ودرجته وبغضهم من استأثر عليهم بالدنيا أعظم غبطة قال فتظهر حينئذ فضيلة إيثارهم ودرجته ويغبطهم من استأثر عليهم بالدنيا أعظم غبطة الغبطة هو أن تتمنى ما عند الغير ولكن لا تتمنى زواله عنهم قال وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم قال فإذا رأيت الناس يستأثرون عليك مع كونك من أهل الإيثار فاعلم أنه لخير يراد بك مثل الأنصار الأنصار آثر على أنفسهم وغيرهم من أهل الدنيا استأثروا على الأنصار فمنعوهم حقهم فلذلك قال فإذا رأيت الناس يستأثرون عليك مع كونك من أهل الإيثار فاعلم أنه لخير يراد بك والله سبحانه وتعالى أعلم قال رحمه الله مراتب الجود قال والجود عشر مراتب إحداها الجود بالنفس وهو أعلى مراتبه كما قال الشاعر يجود بالنفس إذ ظن البخيل بها والجود بالنفس أقصى غاية الجود يعني أرفع مرتبة من مراتب الجود من مراتب الجود فالجود لا يقتصر على المال كما يفهمه البعض فمن مراتب الجود الجود بالنفس يجود العبد بنفسه من أجل دين الله من أجل إعلاء كلمة الله من أجل الجهاد في سبيل الله ومن أجل إذلال الكفرة والمشركين من اليهود والنصارى والروافض وإلى غير ذلك فهذا أرفع وأعظم مراتب الجود قال الثاني هل جود بالرياسة وهو ثاني مراتب الجود فيحمل الجواد أو فيحمل الجواد جوده على امتهان رياسته والجود بها والإيثار في قضاء حاجات الملتمس يعني أنه ربما يعطي هذه الرياسة غيره وهكذا لا يتكبر على الناس ولا يعمل الحواجز بينه وبين الرعية فهو يتواضع للرعية ويقضي حوائجهم فهذا من الجود بالرياسة من الجود بالرياسة قال الثالث الجود براحته ورفاهيته وإجمام نفسه فيجود بها تعبا وكدا في مصلحة غيره يعني يخدم إخوانا لا تظن يا أخي لما تسعى مع أخيك في قضاء حاجته وفي كذلك إعطائه شيئا من وقتك أن هذا ليس فيه فضل وأجر بل هذا من الجود الذي يؤجر عليه صاحبه فتضحي براحتك ورفاهيتك من أجل إخوانك ومن أجل دينك قبل ذلك فهذا الجود بالراحة والرفاهية الجود براحته ورفاهيته وإجمام نفسه فيجود بها تعبا وكدا في مصلحة غيره ومن هذا جود الإنسان بنومه ولذته لمسامره ومعنى مسامره يعني أن الضيوف الذين ينزلون عنده فيسامرهم ويباسطهم فيضحي بشيء من ساعات نومه من أجل ضيوفه فهذا من الكرم كذلك بالجود والراحة أو بالراحة وكذلك إجمام النفس قال كما قيل متيم أو متيم بالندى لو قال سائله هب لي جميع هب لي جميعك رأى عينيك لم ينمي يعني هب لي وقت نومك ما سيمتنع بل سيستجيب ويترك نومه هذا هو المراد بقيت سبع مراتب والوقت قد أدركنا فإن كان يوم غد المتمم لشهر رمضان إن شاء الله نكمل هذه المراتب وإلا فنسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما أخذنا وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه ونسأله سبحانه وتعالى علما نافعا وعملا صالحا إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين