وقفات مع نهاية رمضان

الخطبة بعنوان وقفات مع نهاية رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 26 رمضان 1437هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أحوال الناس في رمضان واستعدادهم للعبادة

يتحدث عن حال الناس في رمضان، حيث قسمهم إلى سعداء ومحرومين. السعداء اجتهدوا في طاعة الله واغتنموا الفرص، بينما الأشقياء أهملوا العبادات ولم يبالوا برمضان.

فضل العشر الأواخر وبيان أهمية ليلة القدر

يُشدد على أهمية استغلال العشر الأواخر من رمضان وخاصة ليلة القدر. يُنبه إلى ضرورة الابتعاد عن البدع والمحدثات والتركيز على العبادات المشروعة، ويُذكر فضل ليلة القدر وإدراكها.

أحكام زكاة الفطر وفضل أيام العيد والاستمرار في الطاعات

يشرح أحكام زكاة الفطر ووقت إخراجها ويبين فضل أيام العيد وأهمية استغلالها في الطاعات. يحث على الاستمرار في الأعمال الصالحة بعد رمضان ويختم بالصلاة والتكبير.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، ها هو شهر رمضان، شهر قد آذن بالانصرام، ذهبت أيامه وانقضت لياليه، فما بقي منه إلا القليل، فالله المستعان. واعلموا عباد الله أن من تأمل في أحوال الناس فيما مضى من رمضان لعلم أنهم قد انقسموا إلى قسمين اثنين: فمنهم السعيد المأجور، ومنهم الشقي المحروم. فأما السعداء، هم الذين عرفوا حقيقة رمضان، فشمروا عن ساعد الجد واجتهدوا في طاعة الرب، استغلوا كل لحظة من لحظاته وكل ساعة من ساعاته فيما يدنيهم ويقربهم إلى ربهم. فأقبلوا على الصيام وصبروا على ما لاقوه فيه من شدة الضمأ والإمساك عن الطعام، وكل ذلك محتسبين الأجر على العلي العلام، جل في علاه. وهم أيضا أقبلوا على صلاة القيام، أقبلوا على التراويح والتهجد، فانتصبوا لله قائمين خاشعين، تاركين دنياهم وأعمالهم، متجافين عن فرشهم ونومهم، كل ذلك في سبيل إحياء هذه الليالي بما يرضي ربهم. وهم أيضا، أي السعداء، الذين انتهزوا فرصة هذا الشهر الذي فيه قد تكفل ربنا بإجابة دعاء الداعين وبإجابة دعوة المضطرين، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة». فما كان منهم إلا أن رفعوا أكف الضراعة إلى الله، فتوجهوا إليه بقلوب خاشعة وبنفوس ذليلة خاضعة، أقبلوا على الله في سجودهم وقيامهم وفي خلواتهم ونجواتهم، يسألون ربهم من خير الدنيا والآخرة، يتلذذون بمناجاة ربهم وخالقهم. وهم أيضا السعداء الذين سابقوا وسارعوا إلى البذل والعطاء وإلى الكرم والجود والسخاء، مؤتسين برسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي كان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان. فتنافسوا على بذل ما يستطيعون على بذله من مال وعلم وطعام أو إعانة مسكين أو بصلة قريب، فأوصلوا خيرهم إلى غيرهم، فكانوا من خيار الناس في هذا الشهر المفضال. والسعداء هم الذين أقبلوا على كتاب الله، على القرآن، فأقبلوا عليه في صبحهم ومسائهم وفي ليلهم ونهارهم، ألسنتهم لا تكاد تفتر من قراءة القرآن، متمنته من ختمه، سرعان ما أعادوه من جديد، فكان القرآن هو أنسهم وهو جليسهم. هذا حالهم، عباد الله، إن هذا ما سمعتموه، وإلماحه لحال السعداء من رجال ونساء استغلوا هذا رمضان وقاموا بحقه خير قيام، فزكت نفوسهم وطهرت قلوبهم وانشرحت صدورهم، فلله درهم. وبالمقابل نجد هنالك الأشقياء المحرومين، الذين ما بالوا برمضان ولا بذهاب أيامه ولياليه، فما رفعوا له رأسا وما ألقوا له بالا. فما أدوا فيه حق الله سبحانه وتعالى، ما تلذذوا بعبودية الله رب الأرض والسماوات، فأهملوا الأركان والواجبات وفرطوا في السنن والنوافل والمستحبات، وما تنافسوا على أمهات الطاعات ولا على عظيم المقامات. فلا صلاة ولا صيام ولا قرآن ولا قيام ولا تقوى ولا إحسان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من أدرك رمضان فلم يغفر له أبعده الله». هؤلاء هم البعداء، هؤلاء هم الأشقياء، حباهم الله بشهر رمضان فما استغلوا أيامه وما اغتنموا لياليه. وعلى غرار هؤلاء وبمثل هؤلاء من ظن أنهم يحسنون صنعا، وذلك بما استحدثوه من ضلالات والتقلب في البدع والمحدثات من التطرب بالترانيم وإقامة الختاميات. عباد الله، إلى هؤلاء وإلى هؤلاء اعلموا، أصلحكم الله، ما كان هذا حال نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، فما كان يضيع أيام رمضان بما لا ينفع، وما كان يحس أصحابه على الحوادث والبدع. وإنما كان كله رجاء وكله طمع بمغفرة ربه ونيل رضاه، لقد كان نبينا صلوات ربي وسلامه عليه في مثل هذه الليالي من رمضان ينتصب لله قائما، ويعفر وجهه لله ساجدا، ويذلل لسانه بذكر الله تاليا وذاكرا وقارئا. كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره». ولنا في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر. عباد الله، واعلموا رعاكم الله، ويا من انقضت عليه أيام رمضان ولم يستقله حق الاستغلال، مع أنه لم يبق من رمضان إلا ليالي معدودة، إلا أن فيها خيرا وبركة وفيها فضلا وأجرا. فنحن في هذه الليالي، وهي ليالي العشر الأخيرة من رمضان، والتي لازلنا نتقلب ونتفيأ في ظلالها، فإنها حوت على ليلة هي خير من ألف شهر، ليلة تنافس عليها الأولون والآخرون لاغتنام فضلها ولالتماس بركتها. وكفى بها شرفا وفضلا أن الله عز وجل أنزل سورة في حقها، فهي وإن كان لا يعلم وقتها على التحديد إلا أنها من المؤكد في العشر الأخيرة من رمضان، وأرجى ما تكون في هذه الليلة، أي ليلة السابع والعشرين من رمضان. عباد الله، ليلة القدر الذي من وفق إليها وفق لخيري الدنيا والآخرة، ولا يدركها إلا من أدركها، فقد أدرك الخير كله. وإدراكها لا يكون بالتسكع في الطرقات ولا بإقامة البدع والمحدثات، وإنما إدراكها بإحياء ليلتها بما تستطيع، يا عبد الله، من عبادات مشروعة من طاعات وعبادات ومن نوافل وقربات ومستحبات. وكذلك أن توفق إلى قيامها، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». أقول قولي هذا، واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. عباد الله، ومما يدل على شرف هذه الأيام والليالي الباقية من رمضان، والتي تستدعي منا أن نجد ونجتهد فيه إلى آخرها، أن الله سبحانه وتعالى شرع فيها شعيرة تعتبر من أهم شرائع الإسلام، ألا وهي زكاة الفطر. والتي ما شرعت إلا لاستكمال النقص ولإصلاح الخج الذي يقع من الصائمين خلال صومهم، قال عليه الصلاة والسلام، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين». وزكاة الفطر هي واجبة بإجماع الفقهاء، وقد جاء ذلك مصرحا بالسنة النبوية، فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر وعلى الذكر والأنثى وعلى الصغير والكبير من المسلمين». والصاع هو ما يعادل أربعة أمداد، والمد ما يملأ كفي الرجل المعتدل. واعلموا عباد الله أن إخراجها على القول الصحيح يكون من غالب قوت البلد، إذ أن من شرعية الزكاة هو سد حاجة المسكين بما يحتاجه هو وبما يريده هو. واعلموا رعاكم الله أن وقتها يكون قبل الخروج إلى صلاة العيد، ولا بأس بإخراجها قبل العيد بيوم أو يومين. وأما تأخيرها، فإنه لا يجوز، كما قال عليه الصلاة والسلام: «فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات». ثم اعلموا عباد الله، ما إن ينتهي هذا الموسم، ألا وهو موسم العشر من رمضان، إلا وأتبع بموسم آخر، بموسم فاضل، ألا وهو يوم العيد، عيد الفطر. فإن أيام العيد من الأيام المباركة ومن الأيام المشرفة المقدسة، والتي أرادها الله جل وعلا أن تكون من أيام المسلمين. ففي مسند الإمام أحمد أنه عليه الصلاة والسلام دخل المدينة فوجدهم يلعبون في يومين، فسأل عن ذلك، فقالوا له: «إن هذين يوما كنا نلعبهما في أيام الجاهلية»، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله قد أبدلكم بخير منهما يوم الفطر ويوم الأضحى». فهنيئا لنا، عباد الله، أن من الله جل وعلا بمثل هذه الأعياد، لكي يعلم القاص والداني أن في ديننا فسحة. ولكن لا تظن، يا عبد الله، كما ظن كثير من الناس أن من فسحة أيام الأعياد أن يستسهل بها بفعل الذنوب والسيئات. لا، يا عبد الله، أيام العيد أيام شريفة، أيام منيفة، أيام معظمة مقدسة، ولهذا شرع في صبيحتها إقامة صلاة العيد، حتى تستفتح بعمل مبارك، صلاة العيد التي رغب وحث وحض عليها نبينا، بل وأمر بها، وأن تؤدى في المصلى. عباد الله، إن تتابع هذه المواسم علينا، إن دل على شيء، دل على عظيم ما أنعم به ربنا علينا، أن خصنا بهذا العمر، أن حضرنا رمضان من أوله، ونحن في العشر الفاضلة الأخيرة منه، وسرعان ما يحل علينا أو حلت علينا ليلة القدر، ثم تتبع بأيام الأعياد. إن دل ذلك، دل على عظيم إنعام الله علينا، أن مد بأعمارنا لكي نحضر هذه المواسم، وأن نستغل لها حق الاستغلال. فكما قال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله»، فعلينا، عباد الله، بالإقبال على الخير في هذه الأيام الباقية. فمن كان مجدا ومن كان مجتهدا فليستمر على هذه المثابرة، فإن العبرة بالخواتيم، فلا تخاذل ولا تقاعس ولا تكاسل، يا عبد الله. وأما من ظن في نفسه أنه قد قصر في جنب الله وأنه قد فرط في الطاعات والواجبات وأنه ما استغل رمضان حق الاستغلال، يا عبد الله، شمر عن ساعد الجد، فإنه ما بقي من رمضان من هذه الليالي، فإن فيها من الخير العظيم والأجر الكريم ما هو كفيل بمسح ذنوبك وبمحي عيوبك. ما عليك إلا أن تقبل على الله جل في علاه. فأسأل مولى جل وعلا أن يتم علينا رمضان ونحن على أحسن حال، عابدين متعبدين صائمين قائمين. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم اقبل منا صيامنا وقيامنا وصلاتنا ودعاءنا، اللهم أعننا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. اللهم لا تجعل انقضاء رمضان عنا إلا بذنب مغفور وسعي مشكور ودعاء مقبول وبعمل صالح مأجور، يا رب العالمين. اللهم احفظ علينا أمننا، اللهم من أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء، اللهم اشغله في نفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميرا عليه، يا رب العالمين. وقموا لصلاتكم رعاكم الله. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الله أكبر، الله أكبر، وألا إله إلا الله.