التعليقات على كتاب الأدب المفرد 358

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 358، ألقاها

وجوب الرد على السلام عند إبلاغه

يشرح هذا الفصل حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخبر عائشة أن جبريل يقرأ عليها السلام، واستدل الإمام البخاري بهذا الحديث على وجوب الرد على من يبلغ السلام. يُستدل أيضًا من الآية الكريمة على وجوب الرد على التحية بأحسن منها أو بردها.

حكم الرد على المبلغ في السلام ومستنداته

هذا الفصل يشرح حكم الرد على الشخص الذي يبلغ السلام، حيث يرى أن الرد على المبلغ ليس واجبًا ولكنه مستحب، مستندًا إلى بعض الأحاديث النبوية وأقوال أهل العلم مثل الحافظ ابن حجر.

الرد على الكتاب أو الرسالة المكتوبة وأحكامه

يفصل هذا الفصل حكم الرد على الكتاب أو الرسالة المكتوبة، مستندا إلى أثر ابن عباس الذي يرى أن لجواب الكتاب حقا كرد السلام، ويوضح أن الرد على الكتاب يعتمد على محتواه ومصلحة الرد عليه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، في باب «إذا قال فلان يقرئك السلام»، الحديث رقم 1116، الباب رقم 522. قال رحمه الله: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زكريا، قال: سمعت عامرا يقول: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة حدثته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «جبريل يقرأ عليك السلام»، فقالت: «عليه السلام ورحمة الله». هذا الباب بوبه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: «باب إذا قال فلان يقرئك السلام»، يعني: ما الذي عليك إذا أخبرك شخص بأن فلان يقرئك السلام، أو فلان يبلغك السلام، أو فلان يسلم عليك، فما الذي عليك أن تقوله، وبماذا ترد عليه؟ فذكر رحمه الله هذا الحديث: حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «جبريل يقرأ عليك السلام»، فقالت: «وعليه السلام ورحمة الله». والحديث في الصحيحين، رواه الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه، وهكذا الإمام مسلم في صحيحه. وهذا الحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرها بأن جبريل يقرأ عليها السلام، يعني: أبلغها السلام، فقالت: «وعليه السلام ورحمة الله». فاستدل الإمام البخاري رحمه الله بهذا الحديث على أن من بلغ سلام شخص، فإنه يرد عليه بقوله: «وعليه السلام». إذا قال لك فلان شخص: فلان يسلم عليك، تقول: «وعليه السلام»، «وعليه السلام ورحمة الله». وهذا الرد يعتبر واجبا؛ لقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. عموم هذه الآية يدل على وجوب رد هذه التحية، فتقول: «وعليه السلام ورحمة الله»، كما فعلت عائشة رضي الله تعالى عنها. وهذا الحديث فيه فضيلة لعائشة رضي الله عنها؛ إذ أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرها بسلام جبريل، الموكل بالوحي، وهو الواسطة بين الله وبين رسله، يقرأ عليه السلام. فهذه لا شك أنها فضيلة عظيمة لعائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما. وعلمنا الآن أن رد السلام واجب، فتقول: «وعليه السلام ورحمة الله». ويستحب كذلك أن يضاف المبلغ والواسطة الذي بلغ السلام وأخبر أن فلان يسلم عليك، فيستحب أن تضيفه في الجواب وفي الرد، فتقول: «وعليك وعليه السلام». هذا على جهة الاستحباب. فعائشة هنا لم تقل للنبي عليه الصلاة والسلام: «وعليك وعليه السلام»، وإنما قالت: «وعليه السلام»، سلمت وردت السلام على جبريل، فدل هذا على أن رد السلام على المبلغ ليس بواجب، وإنما هو على جهة الاستحباب. وذكر بعض أهل العلم أن الحافظ ابن حجر ذكر روايات هذا الحديث، قال: ولم يأت في شيء منها أن النبي صلى الله عليه وسلم أن عائشة رضي الله عنها قالت: «وعليك وعليه السلام». قال: ويدل هذا على عدم وجوب رد السلام على المبلغ. ومع ذلك فهو يستحب؛ لأنه ثبت في بعض الأحاديث. ماذا؟ الرد على المبلغ، كما جاء عند أبي داود في سننه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «إن أبي يقرئك السلام»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فعليك وعليك وعلى أبيك السلام». فدل هذا على استحباب رد السلام على المبلغ. وهكذا أيضا في قصة خديجة رضي الله عنها في الصحيح، حين أخبرها النبي صلى الله عليه وسلم بسلام جبريل، فقالت: «وعليك وعليه السلام». إذن علمنا أن من بلغ سلام شخص، وقيل له: فلان يقرئك السلام، أو يسلم عليك، وجب عليك أن ترد السلام، ويستحب أن تضيف المبلغ في السلام، فتقول: «وعليك وعليه السلام». والواجب أن تقول: «عليه السلام»، وإن أضفت أو زدت: «ورحمة الله»، نعم، فهذا كذلك من الأمور المستحبة. قال: «باب جواب الكتاب». قال: حدثنا علي بن حجر، قال: أخبرنا شريك، عن العباس بن ذريح، عن عامر، عن ابن عباس، قال: «إني لا أرى لجواب الكتاب حقا كرد السلام». وهذا الأثر أثر حسن، قد حسن العلامة الألباني رحمه الله. هذا الباب بوبه الإمام البخاري رحمه الله بقوله: «باب جواب الكتاب»، يعني: إذا جاءك برسالة مكتوبة أن فلان -يعني أرسل لك برسالة- فكيف تجيب على هذه الرسالة، وكيف تجيب على هذا الكتاب؟ وهل يجب عليك أن تجيب على هذا الكتاب أو لا يجب؟ ذكر رحمه الله أثر ابن عباس رضي الله عنهما أنه يقول: «إني لأرى لجواب الكتاب حقا كرد السلام». الكتاب إذا كان فيه سلام أرسل إليك شخص رسالة ويسلم عليك، فرد السلام هنا واجب؛ لعموم الآية: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. وهل يجب عليك أن ترد عليه برسالة وكتاب كما أرسل إليك؟ هذا يرجع إلى نوع الكتاب والمصلحة المتحققة من ذلك. فإن كان هناك مصلحة، أو أن الكتاب والرسالة تقتضي أن تكتب إليه جوابا -كأن يكون مثلا يسألك سؤالا أو يطلب منك جوابا على ما كتب- فهنا ترد عليه بكتاب. وإن كانت الرسالة إنما هي عبارة عن ذكر أخبار وأحوال -أنه يخبرك بحاله ويخبرك بأحواله- فمثل هذه الرسالة لا تقتضي أن ترد عليها بكتاب، فيكفي أن ترد السلام وتقرأ ما في هذا الكتاب. وإن كان ما فيها أمور سيئة مثلا أو مفاسد ونحو ذلك، فهنا كذلك لا يرد على مثل هذا الكتاب. فقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «إني لأرى لجواب الكتاب حقا كرد السلام»، يقال هذا أولا في رد السلام، فله حق كما أنك ترد عليه السلام إذا سلم عليك. وهكذا إذا كان هذا الكتاب يقتضي جوابا وردا -كسؤال أو طلب منك أن ترد عليه ونحو ذلك- فهنا يرد عليه بكتاب. وإن لم يكن هناك داعي ولا مصلحة للرد والكتابة، فلا يجب عليه في مثل هذه الحال أن يرد عليه بكتاب ورسالة. اللهم صل وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على