التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 32

الدرس في التعليق على أخلاق حملة القرآن للإمام الآجري 32، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

صفات قارئ القرآن ومقدمات القراءة الصحيحة

يتناول صفات قارئ القرآن الكريم وأهمية الخشية والتدبر أثناء القراءة، مع التحذير من التكلف في تحسين الصوت. يشدد على أهمية القراءة الطبيعية مع مراعاة أحكام التجويد.

التحسين والتطريب في قراءة القرآن: الجائز والمذموم

يفصل بين التطريب الطبيعي والتطريب المصطنع في قراءة القرآن، حيث يعتبر الأول جائزاً ومحموداً بينما يعتبر الثاني مذموماً لاشتماله على تكلف وتعلم ألحان تشبه الغناء.

تحذير السلف من التلحين المحدث في قراءة القرآن

ينقل عن السلف الصالح تحذيرهم من قراءة القرآن بنغمات موسيقية محدثة، معتبرين هذا النوع من التزيين محرماً ولا يجوز، حيث يشددون على أهمية التحسين بالصوت الذي يبعث على التدبر والخشوع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله في كتابه «أخلاق حملة القرآن»: قال حدثنا عمر بن أيوب السقطي، قال حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، قال حدثنا عبد الله بن جعفر، قال حدثنا إبراهيم بن محمد، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله عز وجل». هذا الحديث بهذا الإسناد فيه ضعف، أبو الزبير محمد بن تدرس مدلس وقد عنعن، لكن الحديث له شواهد، وقد أخرجه ابن ماجه، وصححه الإمام الألباني رحمه الله بمجموع الطرق. قال: وحدثنا الفريابي، قال حدثنا محمد بن الحسن البلخي، قال حدثنا ابن المبارك، قال أنبأنا يونس بن يزيد، عن الزهري، قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحسن الناس صوتا بالقرآن من إذا سمعته يقرأ أريت أنه يخشى الله». وهذا الحديث من بلاغات الزهري، لكنه في الشواهد، ففي هذا الحديث بيان أن من أحسن الناس صوتا الذي إذا سمعته -يعني في القرآن- في قراءته للقرآن حسبته يخشى الله، حسبته يعني ظننته، وهو المراد بقوله «أريت» في الرواية الأخرى، يعني حسبت أنه يخشى الله. وهذا إذا كانت القراءة بتدبر وخشوع وتمعن لآيات الله وتفكر في كلام الله سبحانه وتعالى، فإنه يظهر أثر ذلك في قراءة القارئ، وكذلك أيضا يجد السامع أثر ذلك في سماعه لكلام الله جل وعلا. وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ، وربما بكى عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عبد الله بن الشخير رضي الله عنه لما قال: «دخلت على النبي عليه الصلاة والسلام وهو يصلي، ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء»، أزيز يعني صوت كصوت المرجل، القدر الذي يغلي في النار عند شدة غليانه. وهكذا كان يعني يخرج صوت من عند قراءة النبي عليه الصلاة والسلام وصلاته من البكاء من خشية الله جل وعلا. قال: قال محمد بن الحسين: وأكره القراءة بالألحان والأصوات المعمولة المطربة المعمولة -يعني المخترعة والمكلفة متكلفة المطربة- يعني التي تعتمد على الألحان والأوزان، وهو ما سيأتي بما يتعلق بالقراءة بما يسمى بالمقامات. قال: فإنها مكروهة عند كثير من العلماء، مثل يزيد بن هارون، والأصمعي، وأحمد بن حنبل، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وسفيان بن عيينة، وغير واحد من العلماء، ويأمرون القارئ إذا قرأ أن يتحزن ويتباكى ويخشع بقلبه، يعني أن يكون حسن الصوت والتأثر بكلام الله سبحانه وتعالى من غير تكلف، يقرأ ويحسن صوته بصوته الطبيعي الذي آتاه الله سبحانه وتعالى، ويتباكى يعني يحاول أن يتأثر عند سماع الآيات التي فيها الوعيد والعذاب، وهكذا إذا سمع آيات الوعد والجزاء والنعيم أيضا قد يبكي -يعني شوقا إلى لقاء الله سبحانه وتعالى والفوز بنعيم الله جل وعلا- وهكذا يحرك قلبه عند سماع القرآن. وهذا هو التحسين للصوت بالقرآن الذي جاءت فيه الأحاديث، هو قراءة القرآن وتزيينه بالصوت الطبيعي مع مراعاة أحكام التجويد، وكذلك التفكر بآيات الله سبحانه وتعالى. أما التكلف في ذلك وقراءة القرآن بالأوزان والتطريب ونحو ذلك، هذا الذي ذمه السلف. وهنا كلام حسن يحسن قراءته، ذكره الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله في تعليقه على هذا الكتاب، وذكر بعض النقولات الطيبة فيما يتعلق بذلك. قال: ويدخل فيما سبق ما استجد في الأزمنة المتأخرة بما يسمى بعلم المقامات، قالوا: هذا علم مستحدث لا وجود له عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان، على أن عصر الصحابة والتابعين قد ضم أحسن القراء أداء في تلاوة القرآن، ولم يكن هذا العلم قد وجد عندهم -يعني علم المقامات والقراءة بالأوزان-. قال: بل إن علم المقامات نشأ في أوساط الفن والموسيقى، ويجعلون هذه المقامات تختلف باختلاف أوزان النغمات والأصوات والآلات الموسيقية ونحو ذلك، ولا شك أن استجلاب هذه المقامات والأوزان إلى كتاب الله تعالى أو إلى الأذان من البدع المحدثة التي يجب تنزيه القرآن عنها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أما ما أحدث بعدهم من تكلف القراءة على ألحان الغناء، فهذا ينهى عنه عند جمهور العلماء؛ لأنه بدعة، ولأن ذلك فيه تشبيه للقرآن بالغناء، ولأن ذلك يورث أن يبقى قلب القارئ مصروفا إلى وزن اللفظ بميزان الغناء، لا يتدبره ولا يعقله، وأن يبقى المستمعون يصغون إليه لأجل الصوت الملحن كما يصغى إلى الغناء، لا لأجل استماع القرآن وفهمه وتدبره والانتفاع به. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله. قال: وقال الحافظ ابن القيم رحمه الله في «زاد المعاد» في بيان الفرق بين التغني والتطريب المشروع والآخر المحدث المذموم: فصل النزاع أن يقال: التطريب والتغني على وجهين؛ أحدهما مقتضى الطبيعة وسمحت به النفس من غير تكلف ولا تمرين ولا تعليم، بل إذا خلي وطبعه واسترسل طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين، فذلك جائز. وإن أعان طبيعته بفضل تزين وتحسين كما قال أبو موسى الأشعري للنبي صلى الله عليه وسلم: «لو علمت أنك تسمع لزخرفنته لك تحبيرا» -يعني لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لو علمت وأنا أستمع لقراءتك البارحة»- وكان أبو موسى قد أوتي صوتا حسنا، بل قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» -يعني صوتا حسنا- فقال أبو موسى لما سمع ذلك: «لو علمت لحبرت لك تحبيرا» -يعني لزدت في تحسينه- وهذا التحسين طبيعي -يعني هو ما استمع لمقامات غناء أو آلات موسيقية حتى يجعله كذلك- لا، بما أتاه الله سبحانه وتعالى من صوت حسن. قال: والحزين ومنهجه الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النفوس تقبله وتستحليه لموافقته الطبع وعدم التكلف والتصنع فيه، فهو مطبوع لا متطبع، كلف لا متكلف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه، وهو التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به التالي والسامع -يعني أن يحصل التطريب من غير تكلف وتتبع لأوزان ماذا الغناء أو المقامات كما يسمى- وإنما يقرأ بما أتاه الله سبحانه وتعالى من صوت حسن، ربما إذا مر بآيات الوعيد مع تأثره بها يصدر منه صوت -يعني فيه شيء من التطريب- لكن هذا طبيعي، هذا لا بأس به. أو إذا قرأ آيات الوعد والجنة والنعيم يحصل عنده شيء من تزيين الآيات وحسن قراءتها ونحو ذلك، هذا أيضا ليس فيه شيء؛ لأنه بالقراءة الطبيعية وبالصوت الطبيعي. قال: الوجه الثاني ما كان من ذلك صناعة من الصناع، وليس في الطبع السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرين، كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف، فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذموها ومنعوا القراءة بها وأنكروا على من قرأ بها. قالوا: بهذا التفصيل يزول الالتباس ويتبين الصواب من غيره، وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعا أنهم برءاء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة التي هي إيقاعات وحركات موزونة ممدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرأوا بها ويسوغوها. انتهى كلامه رحمه الله. قال: وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره: والمطلوب شرعا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة، فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقي، فالقرآن ينزه عن هذا ويجل ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب. انتهى كلامه رحمه الله. فمن هنا يتبين من كلام السلف ذمهم لهذا النوع من أنواع التزيين والتلحين الذي هو ما يسمى بعلم المقامات وتتبع -يعني أوزان الغناء والموسيقى- ثم جعل القرآن يقرأ على مثل ذلك وعلى تلك الألحان والأوزان، فهذا أمر محرم لا يجوز. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.