كتاب الحيض 29

كتاب الحيض 29

الدرس في كتاب الحيض 29، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية ذكر الله في مختلف الأحوال

يشرح المقطع أهمية ذكر الله في جميع الأحوال استناداً إلى حديث عائشة رضي الله عنها. يشير إلى جواز ذكر الله في مختلف الحالات.

حكم قراءة القرآن للمحدثين

يناقش المقطع حكم قراءة القرآن للحائض والجنب، ويخلص إلى جواز القراءة بدون مس المصحف. يستند إلى حديث عائشة وعمران بن حزم.

الأكل بدون وضوء وغسل الكفين

يتناول المقطع حكم الأكل بدون وضوء للمحدث، ويشير إلى جواز ذلك بناءً على حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. كما يناقش حكم غسل الكفين قبل الطعام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج، أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه: قال حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، وإبراهيم بن موسى، وهو ابن يزيد بن زاذان التميمي، أبو إسحاق الرازي، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والباقون بواسطة، أي بقية أصحاب الكتب الستة. قال فيه أبو زرعة رحمه الله: هو أتقن من أبي بكر بن أبي شيبة، وأصح حديثا منه، لا يحدث إلا من كتابه، وكتب عنه أبو زرعة مئة ألف حديث. وأيضا كتب عن أبي بكر بن أبي شيبة مثلها، أي مئة ألف حديث، فهم من المكثرين من المكثرين في الحديث. قالا: حدثنا ابن أبي زائدة، ابن أبي زائدة هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وأبو زائدة اسمه خالد بن ميمون، وقيل فيروز، وهو همداني وادعي. قال الإمام المديني رحمه الله: لم يكن في الكوفة بعد الثوري أثبت منه، أي من ابن أبي زائدة. وقال أي المديني: انتهى العلم إليه في زمانه، انتهى العلم إليه في زمانه. قال: عن أبيه، وهو زكريا بن أبي زائدة، وهو ثقة، عن خالد بن سلمة، عن البهي، البهي هو عبد الله بن بشار، والبهي لقبه. قال: عن عروة، ومن الزبير، عروة من الزبير من العوام، أحد فقراء المدينة، الشبعة. إذا قيل: من في العلم سبعة أبحر، روايتهم ليست عن الحق خارجة، فقلهم: عبيد الله، عروة، قاسم، سعيد، أبو بكر، سليمان، خارجة. قال: عن عائشة، وهي بنت أبي بكر صديق، رضي الله تعالى عنهما، زوج النبي عليه الصلاة والسلام، وأحب الناس إليه من النساء، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه. في هذا الحديث تذكر عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه، ومعنى ذلك أنه في سائر أحواله كان ذاكرا لله جل وعلا، فيشمل ذلك حال كونه متطاهرا، وحال كونه محدثا، وهكذا أيضا حال كونه قائما أو قاعدا أو متكئا. لأن قولها: يذكر الله على كل أحيانه، عام فيشمل ذلك كل أحواله عليه الصلاة والسلام، إلا ما دل الدليل على كراهة ذكر الله جل وعلا فيها، مثل الخلاء عند قضاء الحاجة، وعند الجماع، إلا الذكر الوارد في حديث ابن عباس عند أول الجماع. وكذلك أيضا اختلف أهل العلم في ذكر الله جل وعلا حال كون الإنسان جنبا، أو المرأة حائضا، إذا كان الرجل جنبا على جنابة، أو كانت المرأة حائضا، فاختلف أهل العلم: هل لهما أن يذكر الله عز وجل في مثل هذه الحال، خاصة ذكر الله جل وعلا بقراءة القرآن؟ أما التسبيح والتحميد والاستغفار ونحو ذلك، لا بأس به، ليس فيه حرج. وإنما اختلفوا في قراءة القرآن، فجمهور أهل العلم على المنع، جمهور أهل العلم على منع الحائض والجنب من قراءة القرآن، واستدلوا بحديث: إني لا أحل القرآن لحائض ولا جنب، إني لا أحل القرآن لحائض ولا جنب. وكذلك حديث علي رضي الله عنه: كان يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبا. وكلا الحديثين ضعيف، كلا الحديثين ضعيف. وعلى هذا فالقول الآخر الذي ذهب إليه بعض السلف، وهو جواز قراءة القرآن للحائض والجنب، هو الأصح لعدم وجود دليل يدل على المنع، مع الاستدلال بحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه، وما ورد من منع الجنب والحائض من قراءة القرآن لا يصح. وهذا القول قول الظاهرية، وجماعة من أهل العلم ذهبوا إلى الجواز. طيب، هذا بالنسبة للقراءة من غير مس المصحف، وإن كان من ذهب إلى الجواز أجاز كذلك مس المصحف للحائض والجنب، لكن الأفضل والأصح نقول: الأصح أنه لا يمس المصحف الحائض أو الجنب لا يمس المصحف، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمران بن حزم: لا يمس القرآن إلا طاهر، لا يمس القرآن إلا طاهر. وكذلك أيضا أن هذا قول جماعة من الصحابة، كعبد الله بن عمر، وسلمان، وغيرهما، ولم يعرف لهما مخالف، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. فإذا أراد أن يقرأ القرآن من غير مس المصحف، يقرأه، يقرأه يعني من حفظه، أو نظرا من غير مس، فهذا لا بأس به. الله تعالى أعلم. قال رحمه الله: حدثنا يحيى، من يحيى التميمي، وأبو الربيع الزهراني، قال يحيى: أخبرنا حماد بن زيد، وأبو أسامة، حماد بن زيد بن درهم، وقال أبو الربيع: حدثنا حماد، عن عمرو بن دينار، وهو المكي، أحد الأعلام. قال ابن أبي نجيح: ما كان عندنا أحد أفقه ولا أعلم من عمرو بن دينار، ما كان عندنا أحد أفقه ولا أعلم من عمرو بن دينار، وكان مفتي أهل مكة في زمانه، كان مفتي أهل مكة في زمانه، ووثقوه جماعة من أهل العلم. قال فيه الإمام النسائي رحمه الله: فقيه ثبت، ووثقه أبو زرعة، وأبو حاتم، ورمي بالتشيع، إلا أن الإمام الذهبي رحمه الله دافع عنه، وقال: ما قيل عنه من التشيع باطل، كما في السير. قال: عن سعيد بن الحويرث، وهو المكي، وهو أيضا ثقة، وثقه النسائي، وابن معين، وأبو زرعة، وليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث. قال الحافظ: ليس له في الكتب الستة إلا هذا الحديث. حديث ابن عباس، قال: عن ابن عباس، هو عبد الله بن عباس، ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو عالم من علماء الصحابة، رضي الله عنهم، وإمام في الحديث والتفسير والفقه. قال فيه: دعا له النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلمه الله جل وعلا التأويل، وأن يفقهه في الدين، اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل، أي تفسير القرآن، فكان إماما، رضي الله تعالى عنه، في تفسير القرآن. قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء، فأتي بطعام، فذكروا له الوضوء، فقال: أريد أن أصلي، فأتوضأ. قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، أبو محمد الهلالي، قال: عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، قال: سمعت ابن عباس يقول: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء من الغائط، وأتي بطعام، فقيل له: ألا تتوضأ؟ قال: لما أصلي، فأتوضأ، يعني: هل أريد الآن الصلاة حتى أتوضأ؟ وقوله في الرواية الأولى: أريد أن أصلي، فأتوضأ، يعني: هل الآن أريد أن أصلي حتى أتوضأ؟ قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، وقال: أخبرنا محمد بن المسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، مولى آل السائب، أنه سمع عبد الله بن عباس قال: ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغائط، فلما جاء قدم له طعام، فقيل: يا رسول الله، ألا تتوضأ؟ قال: لما أصلّي؟ يعني: هل الآن أريد أن أصلي حتى أتوضأ؟ أنا الآن أريد أن آكل، ولا يشترط للطعام أن أكون على طهارة. قال: وحدثني محمد بن عمر بن عباد بن جبل، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال: حدثنا سعيد بن حويرث، أنه سمع ابن عباس يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قضى حاجته من الخلاء، فقرب إليه طعام، فأكل، ولم يمس ماء. قال: وزادني عمرو بن دينار، عن سعيد بن حويرث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: إنك لم تتوضأ؟ قال: ما أردت صلاة، فأتوضأ. وزعم عمرو: أنه سمع من سعيد بن الحويرث هذا الحديث كما سمعنا. أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء، قضى حاجته، ثم أوتي بطعام، فأراد أن يأكل، قيل له: ألا تتوضأ؟ أي قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: ألا تتوضأ؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: لما أصلي، فأتوضأ، يعني: هل أنا الآن أريد أن أصلي حتى أتوضأ؟ أنا أريد أن آكل، ولا بأس أن يأكل الإنسان وهو محدث. فدل هذا الحديث على أن الإنسان إذا قضى حاجته، وكان يريد الصلاة مثلا، وقرب طعام، أو أراد أن يأكل، لا بأس أن يأكل وهو على حدث، وأن يؤخر الوضوء، لا بأس بتأخير الوضوء، وأن يأكل مثلا، ويقضي حاجته من الطعام، ثم يتوضأ بعد ذلك، كما هو في ظاهر هذا الحديث. وبعض أهل العلم حمل الوضوء هنا على الوضوء اللغوي، يعني لما قال: قيل له: أتتوضأ؟ يعني: تغسل يديك، تغسل يديك. لكن هذا خلاف الظاهر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما أصلي، فأتوضأ، دل هذا لأن المراد بالوضوء هنا الوضوء الشرعي، الوضوء الشرعي، ليس المراد به اللغوي الذي هو غسل اليدين وتنظيف اليدين. فدل هذا كما سمعنا على جواز تأخير الوضوء، وأنه لا بأس للمحدث أن يأكل من الطعام قبل أن يتوضأ. أما من حيث المشروعية، غسل اليدين قبل الطعام فهي مشروعة، غسل اليدين قبل الطعام مشروع، وخاصة إذا كان في اليدين شيء من الأوساخ، وعلق فيها شيء مثلا من الأقذار، فلا شك هنا يتأكد غسلها. وأما إن كانت نظيفة، فلا بأس أن يأكل وإن لم يغسل يديه قبل الطعام. وبعض أهل العلم كره غسل الكفين قبل الطعام، كالإمام مالك رحمه الله، والثوري. لكن كما سمعنا: الأصح أنه لا كراهة، ولا بأس بغسلها، وخاصة إذا كما سمعنا إذا كان فيها شيء يحتاج لإزالته، فإنه يتأكد غسلها. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.