الدرس في شرح المنظومة البيقونية 4، ألقاها
يوضح هذا المحور تعريف الحديث العزيز بأنه ما رواه اثنان فأكثر في كل طبقة، والحديث المشهور بما رواه ثلاثة فأكثر، مع ترجيح قول الجمهور في دخول الثلاثة في العزيز. كما يبين أن الصحة لا تشترط العزيز، فقد يكون الصحيح غريباً أو مشهوراً أو متواتراً، مستشهداً بحديث «إنما الأعمال بالنيات».
يفصل هذا المحور تعريف الحديث المشهور اصطلاحاً بأنه ما رواه ثلاثة فأكثر ولم يبلغ حد التواتر، محذراً من الخلط بين الشهرة عند العامة أو الفقهاء والصحة. ويؤكد أن الحكم على الحديث يكون بالنظر في سنده فيحكم عليه بالصحة أو الضعف، مع ذكر أمثلة لأحاديث مشهورة لا أصل لها.
يستعرض هذا المحور أحكام الحديث المعنعن والمبهم والمهمل، حيث يُحمل المعنعن على الاتصال إلا مع التدليس، ويُعد المبهم ضعيفاً إلا إذا كان المبهم صحابياً. ويوضح أن الراوي المهمل الذي لا يُميز بوصف يُصنف ضمن الضعفاء، مختتماً بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الناظم رحمه الله: «عزيز مروي اثنين أو ثلاثة، مشهور مروي فوق ما ثلاثة». هذا البيت ذكر فيه الناظم رحمه الله نوعين من أنواع الحديث، وهو العزيز والمشهور. فقال: «عزيز مروي اثنين أو ثلاثة». العزيز: قال: «مروي اثنين»، يعني أن لا يقل رواته في كل طبقة من طبقاته عن أقل من اثنين، أن لا يقل رواته في أي طبقة من طبقاته عن أقل من اثنين، فيرويه اثنان مثلا عن اثنين، أو اثنين عن ثلاثة، المهم يكون أقل طبقة فيه ماذا؟ اثنان من الرواة، هذا يسمى بالحديث العزيز، يسمى بالحديث العزيز. وسمي العزيز بذلك: قيل من عز يعز، أي إذا قويت بأن يرويه اثنان عن اثنين فيحصل له قوة، وقيل من عز يعز أن يقل وجوده، أن الحديث العزيز يعني نادر وقليل. وقوله: «عزيز مروي اثنين أو ثلاثة»، يعني كأنه يقول: أن العزيز إما أن يرويه اثنان عن اثنين، أو يرويه كذلك ثلاثة، فكأن المؤلف يذهبي؛ لأن العزيز إما أن يرويه اثنان وإما أن يرويه ثلاثة. لكن المشهور: رد عليه الجمهور من أهل العلم، أن العزيز ما رواه اثنان، ما رواه اثنان أو لم يقل رواته في طبقة من طبقاته عن أقل من اثنين، وأما الثلاثة فما فوق هذا ما سيأتي أنهم من المشهور، أنهم من قسم المشهور. طيب، هذا هو الصحيح: أن العزيز ما رواه اثنان عن اثنين، أو ما لا يقل طبقة من طبقاته أقل من اثنين، يعني يوجد في طبقة من طبقاته اثنان من الرواة، فهذا يسمى عزيز. وهل يعني الصحيح شرط أن يكون عزيزا؟ قال بهذا بعضهم. الصحيح أنه لا يشترط، لا يشترط في الحديث الصحيح أن يكون عزيزا، وذلك لوجود أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما وهي أحاديث غريبة، يعني في طبقاتها من تفرد بالرواية، كما في حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، هذا حديث فرد رواه في ثلاثة من طبقاته ماذا؟ واحد يروي عن واحد إلى أن واحد، ثم بعد ذلك رواه جمع. فالمقصود أنه لا يشترط في الحديث الصحيح أن يكون عزيزا، وقد يكون عزيزا، وقد يكون غريبا يعني فردا، وقد يكون مشهورا، وقد يكون متواترا. اشتراط الصحة أو العزة في الحديث الصحيح هذا ليس بصحيح. إذن الصحيح في العزيز: ما رواه ما رواه اثنان. طيب، صحيح بيت الناظم، فنقول: الصحيح أن يقول: «عزيز مرو اثنين يا بحاثة»، هكذا غيروه بقولهم: «عزيز مرو اثنين يا بحاثة». «مشهور» قال رحمه الله: «مشهور ماذا؟ مروي فوق ما ثلاثة». نعم، المشهور من قسم الحديث يقول: «مروي فوق ما ثلاثة»، يعني ما رواه أكثر من ثلاثة، بمعنى أربع رواه فأكثر، ولم يصل إلى حد التواتر، ما رواه أكثر من ثلاثة بمعنى أربع فأكثر، ولم يصل إلى حد التواتر. لكن المشهور عند أهل العلم: أن المشهور ما رواه ثلاثة فأكثر، ما رواه ثلاثة فأكثر ولم يصل إلى حد التواتر، هذا هو الصحيح. ولهذا بعضهم عدل البيت فقال: «مشهور مروي عن الثلاثة، مشهور مروي عن الثلاثة». طيب، هذا يسمى الحديث المشهور بهذا الاصطلاح: ما رواه ثلاثة فأكثر ولم يصل إلى حد التواتر. والحديث المشهور: يعني هناك أحاديث قد تشتهر عند العامة، وبعضه يشتهر عند أهل العلم، وكذلك مثلا عند النحاة بعض الأحاديث المشهورة، وعند الفقهاء، وبعض هذه الأحاديث المشهورة ليس لها أصل. يعني مثلا: اشتهر عند العامة حديث: «حب الوطن من الإيمان»، أو «النظافة من الإيمان»، هذا حديث مشهور عند العامة، ومع ذلك ليس له أصل، ليس له أصل. طيب، فالحديث المشهور قد يكون صحيحا، وقد يكون ضعيفا، ولهذا ألف العلماء أيضا كتبا في بيان الأحاديث الموضوعة، في بيان الأحاديث الموضوعة. فإذا حكم على الحديث المشهور أنه ينظر في سنده، فإن كان صحيحا حكم عليه بالصحة، وإن كان ضعيفا حكم عليه بالضعف. ومثلا: اشتهر عند الفقهاء حديث: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»، هذا مشهور عند الفقهاء، واشتهر عند النحاة مثلا حديث: «نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه»، وهكذا يشتهر عند بعض أهل العلم شيء من الأحاديث، فتكون أحاديث مشهورة. والخلاصة كما قلنا: أن الحديث المشهور ينظر في سنده، ويحكم عليه بما يستحق من صحة أو ضعف. نعم، إيش قال الناظم بعد ذلك؟ «معنعن كعن سعيد عن كرم، ومبهم ما فيه راو لم يسم». معنعن: هذا الحديث المعنعن الذي يرويه الراوي فيقول: عن فلان عن فلان، مثلا: مالك عن نافع، مسلسل الحديث بذكر «عن»، هذا يسمى الحديث المعنعن، كعن سعيد عن كرم. ومثله المعنعن: أن يقول مثلا: قال سعيد: أن كرم، مثلا: حدثني، هذا يسمى المعنعن. الحديث المعنعن حكمه: أنه يحمل على الاتصال، محمول على الاتصال، إلا إذا كان الراوي معروفا بالتدليس، إذا كان معروفا بالتدليس فإنه لا يقبل منه حتى يصرح بالسمع. إذا كان الراوي مدلسا وحدث بالعنعن عن فلان، فلا يقبل منه حتى يصرح بالسمع، وأما من لم يكن مدلسا، لم يكن مدلسا، وروى عمن لقيه أو عاصره، فإنه يحمل على السماع. ولهذا ذكر العلماء رحمه الله للحديث في كتبهم رواية الرواة بالعنعن في الصحيحين وفي غيرها، وحملت على الاتصال. وقوله: «مبهم ما فيه راو لم يسم»، أي الحديث المبهم الذي فيه راو لم يسم، لم يذكر اسمه، فيقال مثلا: يقول الراوي: عن فلان، أو عن رجل، هذا يسمى مبهم، أبهم فلم يميز، لم يذكر اسمه ويبين. والحديث المبهم من قسم الضعيف، من قسم الضعيف. إذا رأيت في السند أن الراوي يقول: عن رجل، ولم يذكر هذا الرجل، فهذا يعتبر من قسم الضعيف، أن الراوي لابد أن يعرف: هل هو ثقة وليس بثقة؟ حتى لو قال: حدثني الثقة، قد يكون ثقة عنده وهو ضعيف عند غيره، فلابد ماذا؟ أن يذكره باسمه حتى يتبين ويتميز. فإذا قال: عن رجل، أو عن فلان، فهذا يعده من قسم الضعيف. إلا إذا كان المبهم صحابيا، فهذا لا يضر، يعني لو قال: عن رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، هذا صحيح، لماذا؟ لأن الصحابة كلهم عدول، فلا يضر إبهام ذكر الصحابي، بخلاف غيره. وإذا كان الإبهام في المتن، فهذا أيضا لا يضر في صحة الحديث، يعني مثلا: جاء أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، لم يذكر هذا الأعرابي، ما منه ما يضر هذا في صحة الحديث. لكن الذي يضر: إذا كان في السند في غير الصحابي، ولم يذكر وأبهم، فهذا يضعف بسببه الحديث. «ومبهم ما فيه راو لم يسم». وقريب من المبهم: المهمل. المهمل: وهو الذي يذكر اسمه لكن ما يذكر ما يميزه عن غيره، مثلا: حدثني محمد، فيسكت، من محمد؟ عندنا مئة واحد اسمه محمد، لا يذكره بشيء يميزه عن غيره، يسمى مهمل، يسمى مهمل. طيب، وهذا مثل أيضا: إذا لم يعرف فهو من قسم الضعيف. طيب، نكتفي بهذا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعليه وصحبه أجمعين.