الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن معرفة فضيلة التوحيد وخطر الشرك تكمل نفس العبد فتقع عليه الدعوة لإكمال الآخرين. ويفسر قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ مشيراً إلى وجوب إخلاص الداعية لله واستمراره دون كلل مع التحلي بالعلم والحكمة في مخاطبة المدعوين.
يشرح المقطع شروط الداعية الناجح من العلم والحكمة والبصيرة لاختيار الأسلوب المناسب مع كل قوم، وينتقد جماعات التبليغ والإخوان المسلمين لجهلهما بالشرع والسياسة. كما يفسر آية "قل هذه سبيلي" وآية "سبحان الله وما أنا من المشركين" دالاً على التوحيد نفياً وإثباتاً، مستشهداً بحديث معاذ في الدعوة إلى التوحيد والعدل.
أوصى النبي ﷺ معاذاً عند إرساله إلى اليمن بأن يبدأ دعوة أهل الكتاب بشهادة أن لا إله إلا الله، مبيناً أن الداعية يجب أن يعرف حال مدعوّه ليخاطبهم بما يناسبهم بحكمة. ويؤكد أن التوحيد هو أساس دعوة جميع الأنبياء وأول ما يُبنى عليه قبول الأعمال، محذراً من جماعات تهمل التوحيد أو تزهد فيه.
توضح الآية أن كل رسول أُوحي إليه بأن لا إله إلا الله وحده، فعبادته هي جوهر الرسالة وغايتها. ويختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا الدليل القرآني القطعي على مركزية توحيد الألوهية في دعوة المرسلين.
بعد ذلك فضل التوحيد وأجرى من يحققه، وكل هذا وكذلك الخوف مما يضاده، كل ذلك يكمل العبد به نفسه. صح، يكمل العبد به نفسه. فإذا عرف وجوب التوحيد فإنه يعمل بهذا الوجوب، وإذا علم فضله وأجره فإنه كذلك يرغب ويحث نفسه على نيل هذه الأجور بتحقيق التوحيد، وإذا عرف كذلك خطورة ما يضاده من الشرك خاف أن يقع فيه، وكل هذا يكمل العبد به نفسه. فناسب بعد ذكر هذه الأبواب أن يذكر المؤلف ما يكمل به العبد غيره، فكيف يكمل العبد غيره؟ بالدعوة إلى هذا التوحيد، بالدعوة إلى هذا التوحيد. فقوله هنا: «باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله»، المراد بالدعاء هنا الدعوة، الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وهي التوحيد. لا إله إلا الله هي التوحيد، أليس كذلك؟ بلى. فإذا المناسب هنا أن يذكر ما يكمل العبد به غيره، هذه هي وجه المناسبة من ذكر هذا الباب بعد الأبواب المتقدمة. ثم قال رحمه الله: وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. أولا نأتي إلى معنى هذه الآية وإلى تفسيرها. ففي هذه الآية يأمر ربنا عز وجل نبيه أن يقول: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾، وهذه إشارة إلى شيء معنوي، ومعنى سبيلي أي طريقي، وهو الشرع الذي أمر به والذي أوحي إليه، هذا هو سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، الطريق الذي سار عليه عليه الصلاة والسلام، فهذه طريقه واضحة بيّنة. ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾، أدعو إلى هذه الطريقة مخلصا فيها لله عز وجل، فمعنى ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ يعني ابتغاء مرضات الله، ابتغاء الأجر من الله، لا أريد بهذه الدعوة أن أدعو إلى نفسي، ولا أن أدعو إلى حزبي، ولا أن أدعو إلى قبيلتي، أو إلى فكري الذي اخترعته وأنشأته، وإنما أدعو إلى الله، أي أدعو مخلصا لله سبحانه وتعالى. ففي هذا شرط من شروط الدعوة إلى الله، من أول شروط الدعوة إلى الله أن يخلص الداعية إلى الله عز وجل في دعوته. ومغتظى أن يدعو إلى الله أن لا يغضب إذا ردت دعوته، لأنه ما يدعو إلى نفسه. علامة الدعوة إلى النفس أو إلى الحزب أن يتبرم الداعي وأن يغضب، فهذا دليل على عدم إخلاصه. المخلص يدعو إلى الله ويطلب الأجر من الله سبحانه وتعالى، لا يتعلق بغير الله. وهذه ميزة اختص بها أهل السنة في هذا الزمان، فإنهم لا يبالون بمخالفة المخالفين، ولا كذلك بتخذيل المخذلين، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». هذا من علامات الإخلاص، أن المخلص ما يدعو في زمن دون آخر، ولا يدعو في فترة دون أخرى، ولا يفتر من الدعوة إلى الله، لأنه ما يدعو إلى نفسه. انظر إلى الجماعات المنحرفة، على سبيل المثال جماعة الإخوان المسلمين، متى ينشطون في دعوتهم؟ إذا كان هناك انتخابات، لأنهم يدعون الناس إلى أن يصوتوا لهم. فإذا لم توجد انتخابات رأيت دعوتهم خاملة، لا تسمع لهم صوتا ولا تحس لهم حسا. لماذا؟ لأنهم لا يدعون إلى الله، وإنما يدعون إلى حزبهم، ويدعون إلى منهجهم المنحرف. بخلاف الداعية إلى الله عز وجل المخلص الذي يدعو إلى الله، ما يكل ولا يمل، ولا يفتر، ولا يدعو في زمن دون آخر، وإنما دأبه وهكذا همه الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى في كل وقت وحين. وهذا علامة الإخلاص. فعلامة الإخلاص: الاستمرار في الدعوة، وعدم الغضب إذا ردت دعوته، وعدم التبرم إذا ابتلي في سبيل الله وفي سبيل الدعوة إلى التوحيد. وعلامة غير المخلص: ترك الدعوة، والغضب والتبرم إذا ردت دعوته. لذلك من أول شروط الداعية الناجح الإخلاص لله عز وجل. ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾، أي طريقي. ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾، لا إلى غيره. ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾، والبصيرة هي العلم. بل قال بعضهم: هي أعلى درجات العلم، لأنها علم وحكمة، علم وحكمة. فلا يكفي مجرد العلم، فلا يكفي مجرد العلم. فمن شرط الداعي أن يكون عالما، وأن يكون بصيرا في دعوته، فيعرف حال المدعو، ويعرف الأسلوب الذي يحتاجه المدعو، يعرف حال المدعو، ويعرف الأسلوب، وكذلك الطريق الذي به يدعو هذا المدعو. فبعض الناس قد يحتاج إلى اللين، وهذا الأصل في الدعوة. وبعض الناس قد يحتاج إلى الشدة. وبعض الناس قد يحتاج إلى المجادلة بالتي هي أحسن، كما جاء في الآية، في قول الله سبحانه وتعالى في الآية الأخرى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. كيف تعرف أن هذه الجماعة تحتاج إلى موعظة، إلى ترغيب وترهيب؟ كيف تعرف أن هؤلاء القوم يحتاجون إلى مجادلة بالتي هي أحسن؟ كيف تعرف أن هؤلاء القوم يحتاجون إلى لين، أو يحتاجون إلى شدة، أو يحتاجون إلى كذلك أدلة شرعية أو أدلة عقلية أو إلى غير ذلك؟ هذا من الحكمة ومن البصيرة. فإذا من شروط الداعية الناجح أيضا أن يدعو على علم، أن يكون عنده حصيلة علمية. وهذا فيه رد على تلك الجماعات المنحرفة كجماعة التبليغ، الذين يزعمون أنهم يبلغون دين الله، وهم أجهل خلق الله، وهم أجهل خلق الله. كيف يبلغون دين الله وهم جهال، لا علم عندهم؟ بل يزهدون من العلم ومن مجالسة أهل العلم. وهل ترى معهم عالما من العلماء أو مستفيدا من طلاب العلم؟ أبدا، ما يحبون ذلك. فهذا دليل على ضلالهم وعلى فشل دعوتهم. فلابد من الدعوة إلى الله عز وجل على علم. هكذا جماعة الإخوان المسلمين، الشيخ مقبل رحمه الله كان يسميهم «الإخوان المفلسين». فسئل: مفلسين من ماذا يا شيخ؟ قال: مفلسين من العلم ومن السياسة، وهم يزعمون أنهم أهل سياسة. فلا علم عندهم ولا سياسة عندهم، مفلسين من الجميع. وهذا حق، رحمه الله تعالى، قاله. نعم، فهم يزهدون من العلم، وهكذا سياستهم سياسة المغفلين، وسياسة كذلك الجهال الذين يضحك عليهم. أحيانا يستخدمونهم، يعني كالسلم، من أراد أن يصعد إلى كرسي أو شيء ماذا يفعل؟ استعان بهم، فإذا وصل إلى مبتغاه انقلب عليهم، انقلب عليهم. فهم لا سياسة عندهم، ولا كذلك علم. وهذا مما اختص به أهل السنة، أنهم يدعون إلى الله بعلم وبصيرة، بعلم وبصيرة. وأما قوله: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، يعني أدعو إلى الله على بصيرة، أنا فيها وجهان. الوجه الأول: أنها توكيد للواو في قوله ﴿أَدْعُو﴾، يعني أنا أدعو، يعني أنا ومن اتبعني، قيل أن ﴿مِنْ﴾ معطوفة كذلك على الواو، فيكون التقدير: أدعو أنا إلى الله، ومن اتبعني كذلك يدعو إلى الله، وكلانا يدعو على بصيرة، وكلانا يدعو على بصيرة. هذا قول. وقول آخر: أن ﴿مَنِ اتَّبَعَنِي﴾ معطوف على ﴿بَصِيرَةٍ﴾، فيكون التقدير: أنا أدعو إلى الله على بصيرة، ومن اتبعني يدعو كذلك على بصيرة. فهمنا الآن الفرق بين الأمرين: أدعو أنا، ويدعو كذلك أتباعي، هذا القول الأول، وكلانا يدعو على بصيرة، هذا القول الأول. القول الثاني: أنا أدعو إلى الله على بصيرة، ومن اتبعني كذلك يدعو على بصيرة. وهذا فيه أن أتباع النبي عليه الصلاة والسلام متصفون بما اتصف به عليه الصلاة والسلام من الدعوة إلى الله والإخلاص والعلم والبصيرة، والعلم والبصيرة. ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾، هنا تنزيه، بمعنى: أنزه الله. ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، قالوا: هذا توكيد لقوله ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾، فـ ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ بمعنى الإخلاص، و﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ينفي الشرك الذي هو ضد الإخلاص. في التوحيد إثبات ونفي، إثبات ونفي. فقوله ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هذا فيه نفي، و﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ هذا فيه إثبات. وضَع هذا الآن، ومعنى الآية أو الشاهد من الآية فيها الدعوة إلى التوحيد، لأنه قال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾، يعني أدعو بإخلاص، والإخلاص بمعنى التوحيد. وهكذا في قوله ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فيه التبرؤ مما يخالف التوحيد وهو الشرك. يعني ومن دعوتي أنني أدعو إلى البعد عن الشرك، البعد عن الشرك. فهذه هي دعوتي، دعوة إلى الإخلاص وهي لا إله إلا الله، ودعوة إلى نفي ضده وهو في قوله ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. واضح هذا الآن؟ هذا هو وجه الشاهد من هذه الآية، ففيه الدعوة إلى التوحيد بالنفي والإثبات. قال: وعن ابن عباس رضي الله عنهما: «فإنهم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». أخرجهما، يعني الحديث في البخاري ومسلم. والحديث واضح التفسير والشرح. فالنبي عليه الصلاة والسلام بعدما قويت دولته عليه الصلاة والسلام، بعث بعث رسله وبعث أتباعه لينشروا التوحيد في جميع أنحاء الأرض، في جميع أنحاء الأرض. فمن قبل بالدعوة، كما سيأتي في حديث سهل بن سعد، ودخل في الإسلام، فهذا هو المطلوب، وإلا فإنه يقاتل حتى يقر لله عز وجل بالتوحيد. ففي هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام بعث معاذا إلى اليمن. قال العلماء: وهذا البعث كان في السنة العاشرة من الهجرة. والنبي عليه الصلاة والسلام بعث جماعة إلى اليمن، إلى صنعاء وإلى عدن. فقيل أنه بعث إلى صنعاء معاذا، معاذا وعلي بن أبي طالب، وكذلك إلى عدن بعث أبا موسى الأشعري، بعثه إلى عدن. فلما بعث النبي عليه الصلاة والسلام معاذا إلى اليمن، أوصاه بهذا الوصاية العظيمة، فقال له: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب». لأن اليمن كان فيها من اليهود، كان فيها من اليهود، وإلى يومنا هذا في بعض أطرافها كصعدة وغيرها. فقال له: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب». ما فائدة هذه العبارة؟ قال العلماء: فائدة هذه العبارة حتى يأخذ معاذ، حتى يأخذ معاذ العلم الذي به يستطيع أن يرد شبه هؤلاء القوم الذين هم أهل علم. لأن أهل الكتاب، معنى أهل علم، عندهم من العلم السابق. وكأنه يقول له النبي عليه الصلاة والسلام: عليك أن تستعد لرد شبههم، لرد شبههم. فلعلهم يجادلونك. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، بالتي هي أحسن. يعني إذا كانت المجادلة فيها يعني مصلحة، وفيها خير لهؤلاء، بالرجوع إلى الحق، ما هم أهل تعنت، ولا أهل كذلك مخاصمة، وإنما يريدون الحق. فإذا تبين لهم الحق انقادوا وخضعوا له، فهذا لا بأس أن تجادلهم. وهذا فيه المعنى المتقدم، أن الداعي إلى الله عز وجل لابد أن يعرف حال المدعوين. لماذا يعرف حال المدعوين؟ حتى يدعوهم بما يناسبهم، حتى يدعوهم بما يناسبهم. طيب، أنت الآن جئت إلى قرية، جئت إلى قرية منتشر فيها الشرك والبدع، وهم أهل جهل، وعندهم بعض المعاصي الأخرى كالاختلاط مثلا، أو سماع الغناء. فمن الحكمة بماذا تبدؤهم؟ تبدؤهم بالدعوة إلى التوحيد، لا سيما إذا كانوا يقبلون، وما هناك مفسدة من دعوتهم إلى التوحيد، وما هناك نفور، أو إلى غير ذلك. إنما هم على الفطرة ويحبون من يذكرهم، فتبدأ بما هو أهم. لكن لو كان إذا دعوت إلى التوحيد قاموا عليك، وربما ضربوك وأخرجوك من بلدهم، هل من الحكمة أن تبدأ بالتوحيد؟ لا، تبدأ أولا بما ترغبهم فيه، ثم تأتيهم شيئا فشيئا حتى يطمئنوا إليك، وحتى يعرفوك، وحتى كذلك يألفوك. بعد ذلك تعطيهم شيئا من التوحيد، فيكون هناك استقبال، استقبال منهم لدعوتك. وهذا من الحكمة، وهذا من الحكمة. فأهل السنة أعلم بواقع الناس، لا نقول أنهم يجهلون الواقع، بل هم من أعلم الناس بالواقع. فأنت تدعو الناس بما يناسبهم. ليس معنى أنك تتنازل عن الحق، أو تتنازل عن واجب، أو ترتكب محرم من أجل مصلحة الدعوة. لا، لا نقول لك ذلك. وإنما نقول لك: استقم كما أمرت، واختر في دعوتك الأسلوب الحسن حتى تؤثر على الناس، وحتى يقبلوا دعوتك. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال لمعاذ: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب»، فاستعد لهم، وادعهم بما يناسبهم. ثم قال له: «فليكن أول ما تدعوهم إليه»... هذا هو وجه الشاهد، أمره أول ما يدعوهم إلى التوحيد. ففيه الدعوة إلى التوحيد، وهذا أول ما ينبغي أن يبدأ به الداعية إلى الله عز وجل، أن يبدأ بالتوحيد، أن يبدأ بالتوحيد، وأن يصبر. يؤذى ربما يؤذى من قبل هؤلاء المشركين، ويقال عنه كذا وكذا، لكنه يصبر ويستمر في دعوته. وفي رواية: «حتى يوحدوا الله»، وهي بمعنى أن تدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله. فالتوحيد هو لا إله إلا الله. ﴿فَإِنْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ﴾، أولا تبدأ بهذا، لأن الصلاة والزكاة لا تقبل إذا كان ذلك المصلي أو ذاك المزكي مشركا بالله سبحانه وتعالى. فلذلك قال له: ﴿فَإِنْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ﴾، إلى آخر الحديث. فوجه الشاهد من إراد هذا الحديث في قوله: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله». وهذا فيه رد على تلك الجماعات المنحرفة التي لا تدعو إلى التوحيد، ولا تعتني به، بل تزهد منه. فذاك يقول: لا حاجة إلى الدعوة إلى التوحيد، فإنه يفرق الأمة. وذاك الآخر يقول: ما أسهل دراسة العقيدة أو التوحيد، أستطيع أن أدرسه في خمس دقائق. وهكذا ذاك يزهد، ويتكلم على علماء التوحيد، ويصرف الأمة إلى سفاسف الأمور، من السياسات الكاذبة، أو إلى غير ذلك. فمن أصول دعوة أهل السنة والجماعة: الدعوة إلى التوحيد، الدعوة إلى التوحيد. فهذا أول ما يبدأ به، وهي دعوة الأنبياء والمرسلين، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فهذه هي دعوة الأنبياء. وكما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. طيب، نكتفي بهذا.