شرح كتاب التوحيد 74

الدرس في شرح كتاب التوحيد 74، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

تفسير النهي عن اتخاذ الأنداد وبيان الشرك اللفظي الخفي

يفسر المحور آية النهي عن جعل الأنداد لله مبيناً شمولها للشرك الأكبر والأصغر، ويستعرض أمثلة للشرك اللفظي الخفي كالحلف بغير الله ونسبة المشيئة والحفظ لغيره. ويناقش أقوال العلماء في الحلف بغير الله والفرق بين كونه شركاً أصغر أو أكبر بحسب قصد الحالف وتعظيمه للمحلوف به.

حكم الحلف بغير الله وضوابط العطف بـ «ثم» في المشيئة

يبين المحور أن الحلف بغير الله شرك أصغر وقد يرتقي للأكبر، وينقل عن ابن مسعود تفضيل الحلف بالله كاذباً على الحلف بغيره صادقاً. ثم يفصل في قاعدة العطف بـ «ثم» بدلاً من الواو مشترطاً الاشتراك في المعنى ومحذراً من العطف على خصائص الله الحصرية.

تفصيل أحكام العطف على الله في التوكل والاستعاذة والمشيئة

يوضح المحور أن العطف على الله بـ «ثم» في التوكل وهداية التوفيق ممنوع لانفرادهما بالله، بخلاف المشيئة والاستعاذة فيجوز العطف فيهما لاشتراك العبد فيهما. كما يتناول تحريم الحلف بغير الله ووجوب قبول يمين الله من أهل الصدق وسد الذرائع المؤدية للشرك.

خاتمة الدرس والدعاء بالخير للحضور

يختتم المتحدث الجلسة بالشكر المتكرر للحضور داعياً بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، في إشارة واضحة إلى نهاية اللقاء العلمي.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

قال المصنف الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وأجزل له الأجر والثواب: باب قول الله تعالى: ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾. وهذا الباب كما تقدم في الشرك اللفظي، هذا الباب في الشرك اللفظي الخفي الأصغر. قال: باب قول الله تعالى: ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾. وهذه الآية ابتدأها الله سبحانه بذكر نعمه وممنه بها على عباده، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾، ثم قال: ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾. فابتدأها بأعز المطالب وختمها بأعز المطالب، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ ﴾، وهذا أول آية في القرآن في سورة البقرة: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ ﴾، وختمها: ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾. وفي هذه الآية الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وأن الذي أنعم بهذه النعم عليكم لا يجوز أن تجعلوا له ندًّا ونظيرًا وشبيهًا ومثلًا يعبد كما يعبد الله سبحانه، ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه لا ندَّ له ولا نظير له ولا كفء له ولا مثل له ولا شبيه له سبحانه وتعالى. وهذه الآية فيها النهي، وهي في الشرك الأكبر، الآية في الشرك الأكبر. لكن أهل العلم، لكن السلف الصالح يستدلون بالآيات الواردة في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر. هذه عادة السلف ونهج أهل العلم الراسخين: الاستدلال بالآيات الواردة في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر. هذا نهج السلف، وهذا طريق الراسخين في العلم. فعلى هذا، اتخاذ الأنداد قد يكون شركًا أكبر، وقد يكون شركًا أصغر. على هذا، اتخاذ الأنداد قد يكون شركًا أكبر، وقد يكون شركًا أصغر. وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله. قال ابن عباس في الآية: الأنداد، الأنداد تعني ندًّا، والند هو النظير والشبيه والمثل، هذا هو الند. قال: الأنداد هو الشرك، أي أن تجعل لله ندًّا. قال: «أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل». وهذا وصف بليغ لخفاء الشرك الأصغر على كثير من الناس. هذا وصف بليغ لخفاء الشرك الأصغر على كثير من الناس، فهو كدبيب النمل لا يكاد أن يحس أو يسمع، على صفاة سوداء لا يكاد يرى في ظلمة الليل. وهذا من عظم خفاء بعض الشرك الأصغر، وأن الناس يذكرونها ويقعون فيها وهم لا يشعرون أنهم موقعون في شرك أصغر لا يغفر، كما تقدم. قال: وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي. وهذا حلف بغير الله سبحانه، سيأتي الكلام عن الحلف. قال: وتقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص. تقدم الكلام على قاعدة الباب، وأن من ابتدأ إسناد النعمة إلى غير الله فقد أشرك، لأن هذا يؤدي إلى التناسي، يؤدي إلى تناسي المنعم، وهذا ينافي شكر الرب كما تقدم بيانه أمس. ولفظ «لولا» من أشد الألفاظ الدالة على الحصر: «لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص»، «لولا البط في الدار لأتا اللصوص». الواجب نسبة ذلك كله إلى الله وحده، فهو الذي يحفظكم بالليل والنهار سبحانه وتعالى، هو الذي يكلؤكم بالليل والنهار، فربنا سبحانه الحفيظ العليم. فلا يجوز أن تنسب إلى بط أو كلبة لأنها نبحت أو صاحت. تقدم الكلام على قاعدة الباب. قال: وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئتَ. لأن العطفة بالواو تقتضي المساواة بين المعطوف والمعطوف عليه، فقولهم: ما شاء الله وشئتَ، يقتضي عطف الواجب للمدرك بالجمع، وهو يقتضي المساواة. وهذا شرك لفظي خفي أصغر. قال: وقول الرجل: لولا الله وفلان. هذا أيضًا من ألفاظ الشرك، ولفظ «لولا» كما قال الأئمة من ألفاظ الحصر والاختصاص، أي ما كان كذا فهو يدل على حصر الأمر لما يعلق به بعد «لولا». يدل على حصر الأمر المذكور بعد «لولا» بما علق به. يدل على حصر الأمر المذكور بعد «لولا» بما علق به. فقال: لولا الله وفلان، ما كان كذا. معناه: ليس هناك إلا الله وفلان الذي فعل ذلك. وهذا شرك. قال ابن عباس: لا تجعل به فلانًا، هذا كله به شرك. رواه ابن أبي حاتم. وهذه كلها من أكبر الكبائر. وهذا من طريق بشر، يحسن حديث الشيخ رحمه الله، فهذا الأثر حسّنه الشيخ رحمه الله، ومحدث العصر على تصحيحه، والراجح ضعفه. لكن الآثار تمشى بهذا الباب، والعبرة بمعناه ومبناه، وإن قاله ابن عباس أو غيره، هذا حق يقبل. والشيخ رحمه الله ومحدث العصر على تصحيحه لأن راويه بشر اختلفوا فيه، والراجح ضعفه، والشيخ رحمه الله يحسن له. فالشاهد: حسّناه أو لم نحسنه، العبرة بالمعنى وما يحويه المبنى. وسيأتي عود إلى مسألة المشيئة والكلام عليها في الباب الآتي إن شاء الله. فرحمه الله تعالى. وقال: وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك». والحلف، والحلف لا يكون إلا بمعظم. الحلف لا يكون إلا بمعظم. ومن هذه الجهة فالحلف عبادة. الحلف لا يكون إلا بمعظم، فإن الإنسان لا يحلف إلا بما يعظمه، لا بما يحتقره ويمتهنه. فالحلف مبناه على التعظيم، ومن هذه الجهة فالحلف عبادة. قال: من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك. جماهير أهل العلم على أن الحلف بغير الله كفر أصغر وشرك أصغر. جماهير أهل العلم على أن الحلف بغير الله كفر أصغر وشرك أصغر، إلا أن يصاحبه تعظيم كتعظيم الله، فيكون كفرًا أكبر وشركًا أكبر. فالحلف بغير الله شرك أصغر، ثم بعد ذلك قد يرتقي إلى الأكبر بحسب قائله ومقصده. فالحلف بغير الله شرك أصغر، وقد يرتقي إلى الأكبر بحسب قائله ومقصده، أكبر بحسب قائله ومقصده. وقال طائفة من أهل العلم: الحالف بغير الله شرك أكبر وكفر أكبر. وقال طائفة من أهل العلم: الحالف بغير الله شرك أكبر وكفر أكبر. وهذا ذكره ابن دقيق العيد في شرح العمدة، ومال إليه ابن الأمير في بعض رسائله وهي التطهير، واختاره الإمام الشوكاني رحمه الله في الدر النضيم. وهذا قول طائفة من أهل العلم، مستدلين بما ثبت بالصحيح: «من حلف بغير الله والعزة فليقل لا إله إلا الله». قالوا: ومعنى هذا أنه خرج من الإسلام، معنى هذا أنه خرج من الإسلام، وهذا كفر. قالوا: ولأن الحالف بغير الله تعظيم لذلك الغير. والجواب: أن الحديث لا يدل على تكفيره، وقد ورد في غيره أيضًا ذكر أن كفارة بعض الأمور «لا إله إلا الله»، وهذا لا يدل على كفر من أمر بتلك الكفارة، وإنما المراد أن الحالف شرك أصغر، وكفارة الشرك التوحيد. هذا معنى. وأما التعظيم فليس كل تعظيم شركًا أكبر، وإنما التعظيم الذي يكون شركًا أكبر ما كان كتعظيم الله. فمن عظم غير الله لا كتعظيم الله لم يكن مشركًا شركًا أكبر. من عظم غير الله لا كتعظيم الله لم يكن شركًا أكبر، وإنما هو شرك أصغر. ومن عظم غير الله كتعظيم الله فهذا هو الشرك الأكبر. فالتعظيم درجتان: تعظيم لغير الله درجتان، قد يكون كفرًا أكبر، وقد يكون كفرًا أصغر، وقد يكون شركًا أكبر، وقد يكون شركًا أصغر. ومثال هذا: التوسل البدعي، هذا به تعظيم: «أسألك بحق نبيك» أو «بحق وليك فلان». هذا بدعة، وإن كان يقتضي تعظيم من سُئل به. وهكذا من دعا الله بمكان يقتضي تعظيم المكان لأنه يرى أنه يدعى فيه فيجاب. فمثل هذا التعظيم لا يصل إلى حد الكفر الأكبر إلا بشروط قدم الكلام عليه. فالحاصل: الحلف بغير الله شرك أصغر وكفر أصغر، وقد يرتقي إلى الأكبر بحسب قائله ومقصده. قال: رواه الترمذي وحسنه الحاكم وصححه. وقال ابن مسعود: «لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقًا». وهذا كلام عظيم من هذا الحبر الإمام رحمه الله. فإن الحلف بالله كذبًا كبيرة من كبائر الذنوب. فإن الحلف بغير الله، فإن الحلف بالله حال كونه كاذبًا هو كبيرة من كبائر الذنوب، والحلف بغير الله حال كونه صادقًا شرك، والعياذ بالله. والحلف بغير الله حال كونه صادقًا هو شرك، والشرك أكبر الكبائر، الشرك أكبر الكبائر، بل هو أكبر من كل الكبائر بإجماع العلماء وإجماع السلف الصالح رضي الله عنهم. والحلف بالله، الحلف بالله مع الكذب توحيد مع معصية، والحلف بغير الله مع الصدق شرك مع حسنة. والتوحيد أعظم من الشرك، وسيئة الشرك أعظم من حسنة الصدق. سيئة الشرك أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب، كما أفاده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قالوا: عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان». وذلك لأن العطف بالواو يقتضي المساواة، والواو لمطلق الجمع. العطف بالواو يقتضي المساواة، والواو لمطلق الجمع. أما حرف «ثم» فيقتضي الترتيب والتراخي، فليس فيه تسوية المعطوف عليه بالمعطوف كما هو معلوم، بل فيه تراخٍ عنه وترتيب بعده. العطف بـ «ثم» ليس به مساواة المعطوف للمعطوف عليه، ولا المعطوف عليه للمعطوف، لأن «ثم» للترتيب والتراخي. فتفيد الترتيب، أي زمنًا مؤخرًا، وهذا يدل على نزول رتبة المعطوف عن المعطوف عليه، وتفيد تراخي المعطوف عن المعطوف عليه. وهنا تنتفي شبهة المساواة، هنا تنتفي شبهة المساواة، فيصير هذا اللفظ جائزًا. إذا قيّم هذا، فإن هذا مشروط بشرط عند أهل العلم، لابد من فهمه. إذا قيّم الفرق بين الواو و «ثم»، فإن هذا عند أهل العلم مشروط بشرط: أن يكون المعطوف والمعطوف عليه مشتركان في ذلك الأمر، لكل منهما شيء منه بحسب. هذا شرط عظيم مهم، تفهم به القاعدة. لابد أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه بـ «ثم» اشتراك، وكل بحسب. وفي مثالنا: العبد له مشيئة، والله له مشيئة، فمشيئة الله تليق به، ومشيئة العبد تليق به. قال تعالى: ﴿ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴾، فأثبت مشيئة، ثم قال: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾، فأثبت للعبد مشيئة، وأثبت للرب مشيئة. فهذا يجوز العطف فيه، هذا يجوز العطف فيه لوجود الاشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه. أما ما كان من خصائص الله التي تفرد بها، فلا يجوز العطف بـ «ثم» فضلًا عن غيرها. أما ما كان من خصائص الله التي تفرد بها، فلا يجوز العطف بـ «ثم» فضلًا عن غيرها. هذا الذي عليه الأئمة رحمة الله عليهم. أما ما كان من خصائص الله فلا يجوز العطف بـ «ثم»، كما تقدم الكلام على ذلك في باب التوكل. وإن كان ما بعد «ثم» سببًا فيما قبله، وإن كان ما بعد «ثم» سببًا لما قبله. إذا كان ما قبل «ثم» من خصائص الله سبحانه التي تفرد بها، هذا الذي عليه الأئمة رحمهم الله. فلو قال قائل: لولا الله ثم أبي ما خلقت، قلنا: هذا شرك لفظي، فإن الخلق من خصائص الله، الخلق من خصائص الله، ولا يخلق إلا الله سبحانه وتعالى. ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهَ ﴾، فالخلق من خصائص الله سبحانه وتعالى لا شريك له. إن قال قائل: فالأب سبب، قلنا: لا يعتد بالسبب، أو بشبهة السبب، أو بـ «ثم» على ما كان من خصائص الله سبحانه وتعالى. ويمثل الأئمة أيضًا بقولهم: «أعبد الله ثم أعبدك». لا يجوز: «أعبد الله ثم أعبدك» لا يجوز، لأن العبادة محض حق الله سبحانه. قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾، ﴿ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴾ الآية. فالله خلق للعبادة. قد يقول قائل: إنما أردت بما بعد «ثم» معنى التذلل والخضوع لوالد أو لغيره بما يليق به. قلنا: لا يجوز العطف على خصائص الله، لأن المعطوف والمعطوف عليه لا بد أن يكون بينهما اشتراك. فمن هذا الذي يشارك الله في عبادته وهي محض حقه لا شريك له في ذلك؟ وهذا كلام واضح لمن فهم. وهكذا: «أسجد لله ثم لأبي». هذا لا يجوز، لأن السجود من خصائص الله سبحانه، السجود من خصائص الله سبحانه التي انفرد بها. ﴿ فَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾، ﴿ وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ ﴾. السجود عبادة عظيمة. قد يقول قائل: إنما أردت أسجد لأبي بمعنى أنني أحترمه وأنحني له شيئًا بما يليق به، وهذا. قلنا: هذا شرع لا يجوز، وإن حسنت نيتك وطاب قلبك، فإن السجود من خصائص الله، ولا بد أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه اشتراك. فهل لأحد مشاركته فيما هو من خصائص الله؟ بل جواب: لا. وهكذا: «توكلت على الله ثم عليك». لا يجوز، لأن التوكل بمعنى العبادة المحضة التي هي تفويض الأمر إلى الله سبحانه مع فعل السبب، تفويض الأمر بقلب العامل إلى الله سبحانه، عبادة محضة من أعمال القلوب، لا يجوز أن يشارك فيها أحد. فقولك: «ثم عليك» لا معنى له، لأن المعطوف والمعطوف عليه لا بد من أن يكون بينهما نسبة اشتراك. أفتعلم أحدًا مشاركًا لله سبحانه وتعالى في صفة تعلق القلب والخضوع؟ لا، الجواب: لا، لا يعلم أحد. فالحاصل: أن الأصل المنع من «ثم». لو قلنا هذا ما كان بعيدًا من الصواب، الأصل أن المنع من العطف بـ «ثم» أو بغيرها إلا ما استثناه الدليل، ويقاس عليه نظيره كالمشيئة. لو قال: ما شاء الله ثم شاء فلان، قلنا: يجوز، هذا يجوز، لأن المشيئة ليست من خصائص الله، وإنما لله مشيئة وللعبد مشيئة. هكذا قال أئمة العلم. «أعوذ بالله ثم بك» يجوز، «أستعيذ بالله ثم بك» يجوز. وهذا كله مما جاءت به الأدلة. ومن هذا الباب: هداية التوفيق، فلا يجوز أن يقال: «لله ثم العلم مهتدين»، هذا ما يجوز، لأن قوله: «لله» أي قد هداني، وهذه الهداية هداية التوفيق، فالعطف عليها لا يجوز إلا أن يكون بينهما اشتراك، وجميع الناس يعلمون أن لا مشاركة لأحد في هداية التوفيق أبدًا. تم الكلام على هذا. لكن الشاهد: التفريق بين العطف على ما هو من خصائص الله، وبين العطف على ما ثبت للعبد. فإن ما ثبت من خصائص الله لا يجوز العطف به، لا يجوز العطف عليه، ولو بلفظ «ثم» أبدًا. هذا الذي عليه الأئمة رحمه الله. والواجب البعد عن العبارات الموهمة، والواجب البعد عن العبارات الموهمة. وكل لفظ أشكل فالواجب اجتنابه، سدًا لذريعة الشرك، ولا نفتح على المسلمين شرعًا. وسد الذرائع عن الشرك واجب، سد الذرائع عن الشرك واجب، لا يجوز التفريط فيه. والعبارات الموهمة وإن احتملت معنى صحيحًا في نفس قائلها تترك، لا نقول تترك استحبابًا لكن لزومًا، سدًا لباب الشرك وطرقه. فإن هذا أصل معروف عند أهل العلم. قال رحمه الله: وسريعًا، وهناك عود للمسألة في باب المشيئة. ومن ذلك: لو قال قائل: لولا مشيئة الله ثم مشيئة فلان ما كان كذا. لو قال قائل: لولا مشيئة الله ثم مشيئة فلان ما كان كذا. أفهذا يجوز عندكم؟ لولا مشيئة الله... نترك الجواب إلى الدرس القادم إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: وجاء عن إبراهيم النخعي أنه كره: «أعوذ بالله وبك»، ويجوز أن يقول: «بالله ثم بك»، لأن الاستعاذة ليست من خصائص الله وحده، بل المخلوق شيء من ذلك. وهذا المعروف. ولهذا قال: ﴿ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكُمْ ﴾، والدليل على الاستعاذة معروفة، والدليل على الاستعاذة معروفة. قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، هذا فيما كان ليس من خصائص الله، فما تقدم، وفيه نوع اشتراك بين المعطوف والمعطوف عليه، هذا لا بأس منه. قال: ولا يقول: لولا الله وفلان طيب. قال المصنف رحمه الله: باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله. وهذا لكونه منافيًا لكمال التوحيد، لتلازمه على قلة تعظيم الرب سبحانه. فرجل يحلف بالله ثم لا يرضى بذلك من حلف له، هذا يدل على عدم تعظيم قلبه لمن حلف له به، هذا يدل على عدم تعظيم قلبه لمن حلف له به. والقلب الممتلئ تعظيمًا لا يفعل هذا. القلب الممتلئ تعظيمًا لجناب الرب جل جلاله لا يفعل هذا. فإن لم يقنع إلا بالحلف بغير الله من أنداد وأصنام وقبور وآباء ونحو ذلك، فهذا شرك أكبر، لأنه يدل على تعظيم غير الله كتعظيم الله. ومن هذا ما يفعله عباد القبور، عافانا الله من ذلك، فإنهم يسأل أحدهم عن المسألة: أفعلت كذا؟ فيحلف بالله ألف يمين أنه ما فعل. فإذا قيل له: احلف بولي الله فلان، قال: بل فعلت. وهذا شرك أكبر، لأنه يدل على تعظيم المحلوف به، تعظيم الولي أعظم من تعظيم الله. هذا شرك أكبر. قال: باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله. عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا تحلفوا بآبائكم». وهذا فيه النهي عن الحلف بغير الله مطلقًا، بأب كان أو جد أو شرف أو حزب أو قبيلة أو شجر أو قبة أو حجر أو بشر أو جني أو ملك أو غير ذلك. «لا تحلفوا بآبائكم» فضلًا عن من دونهم. هذا فيه تحريم الحلف بالآباء، وهذه عادة سيئة كانت موجودة في العرب. قال: «من حلف له بالله فليصدق». «من حلف له بالله فليصدق»، أي ليتحرى الصدق، وهذا واجب، كما قال ربنا سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾، هذا واجب. وكما في حديث ابن مسعود في الصحيحين: «إن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا». الحديث. قال: «من حلف له بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض، ومن لم يرضَ فليس من الله». والحديث في سنده ضعف، لكن معناه مما قبله العلم، وله شواهد في القرآن والسنة، وإن كنا لا ننسبه إلى رسول الله إلا لفظة «لا تحلفوا بآبائكم» فهي ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما ما بعده فإن الأدلة تدل عليه، لكننا لا ننسبه إلى رسول الله لضعف سنده كما هو معلوم. قال: «من حلف له بالله فليرض، ومن لم يرضَ فليس من الله». وهذا الأمر مقيد بكون الحالف من أهل الصدق، هذا الأمر مقيد بكون الحالف من أهل الصدق. فإذا كان الحالف من أهل الصدق فالواجب تصديقه تعظيمًا لليمين. إذا كان الحالف من أهل الصدق فالواجب تصديقه تعظيمًا لليمين، سواء في باب الدعاوى أو الخصومات أو الحدوث أو نحو ذلك، الواجب تصديقه إذا كان من أهل الصدق. أما من ظهرت فيه الريبة فيجوز عدم تصديقه، أما من ظهرت فيه الريبة فيجوز عدم تصديقه ولا يجب تصديقه، أما من ظهرت فيه الريبة فيجوز عدم تصديقه ولا يلزم تصديقه. هذا الذي عليه الأئمة، جماهير أهل العلم، من فقهاء الشام وفقهاء المدينة وفقهاء مكة وفقهاء اليمن وأهل الحديث، كلهم على ما ذكر، خالفًا لمذهب أبي حنيفة في هذه المسألة. وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى على هذا في المجلس القادم. إذا كانكم شغل، صلى الله عليه وسلم، شكرًا لكم، شكرًا لكم، شكرًا لكم، شكرًا لكم.