الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 16، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن مجرد النطق بالشهادة لا يكفي، بل لا بد من الكفر بكل معبود سوى الله بقلب ولسان وجوارح، والبراءة من الشرك وأهله. ويستدل بحديث «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه» لتأكيد أن عدم التبرؤ من عبادة غير الله يبطل التوحيد ولا تصان الدماء والأموال.
يعرض المقطع معنى التوحيد مستنداً إلى آيات من سورة الإسراء والتوبة والزخرف، مبيناً إفراد الله بالعبادة وإبطال دعاء الصالحين وطاعة الأحبار والرهبان في معصية الله، وبراءة إبراهيم عليه السلام من الشرك. وتؤكد هذه الآيات تفسير شهادة أن لا إله إلا الله.
يوضح المقطع أن شهادة التوحيد لا تتحقق بمجرد اللفظ أو معرفة المعنى، بل تستلزم الكفر بما يعبد من دون الله والبراءة من المشركين. ومن أحب الأنداد كحب الله أو أعظم فقد أشرك، والتلفظ بالشهادة دون العمل بمقتضاها لا يعصم الدم والمال.
يختتم المتحدث بذكر الأدلة الواضحة التي تبين معنى التوحيد، مؤكداً أن التوحيد يستلزم التبرؤ من الشرك وأهله، ثم ينهي الحديث عند هذا الحد.
الله عز وجل، والمراد بالمحبة هنا محبة العبادة. وقولنا محبة العبادة: أن هناك محبة يجوز، مثل محبة الولد ومحبة الأهل، ولكن بشرط أن لا يؤثر هؤلاء على محبة الله عز وجل. فلذلك المراد بالمحبة هنا محبة العبادة. قال: وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل». من عنده تخريج هذا الحديث؟ عندك التخريج؟ عندك التخريج؟ ما أحد عنده تخريج الحديث؟ طيب، إن شاء الله نراجعه. طيب، معنى الحديث: من قال لا إله إلا الله. ويحمل هنا قوله: «من قال لا إله إلا الله» ليس مجرد اللفظ فقط، وإنما العمل بمقتضاها. وأهل السنة يجمعون بين الأدلة، فجاءت في أحاديث تقدمت معنا: «من قال لا إله إلا الله مخلصاً بها قلبه»، وجاءت في بعض الأحاديث: «من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله». فقيدت في كثير من النصوص الشرعية ببعض شروطها. فقوله: «من قال لا إله إلا الله» ليس مجرد القول كما يدعي بعض المشركين وبعض عباد القبور أنهم يقولون: كيف أنتم تنكرون على من يقول لا إله إلا الله؟ فيجعلون مجرد القول كافياً في إسلام قائلها، وهذا من الضلال، وهذا من الضلال. فلابد لـ «لا إله إلا الله» من شروط. بل في هذا الحديث نفسه ما يبين أن المراد من هذه الكلمة ليس القول فحسب، فقال: «وكفر بما يعبد من دون الله». قال: «لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله». ما معنى «كفر بما يعبد من دون الله»؟ يعني أنكر عبادة غير الله بقلبه ولسانه وجوارحه، فلا يدعو غير الله، ولا يستغيث بغير الله، ولا يذبح لغير الله، ولا كذلك يسكت عن من يعبد غير الله، بل ينكر ويتبرأ. وهذا الحديث فيه معنى الآية المتقدمة في قول إبراهيم لأبيه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: 26]، ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾. فمعنى «وكفر بما يعبد من دون الله»: يعني تبرأ من عبادة غير الله، تبرأ من عبادة غير الله. فإن من قال لا إله إلا الله ولم يتبرأ، بل يماشي المشركين، بل ويعمل عمل المشركين، هل يقال أنهم وحدوا؟ لا يقال أنهم وحدوا. فإذن هذا قيد مهم جداً في تفسير معنى التوحيد. فالتوحيد ليست كلمة قيلت باللسان، التوحيد ليست كلمة قيلت باللسان، بل لابد من الكفر بكل ما يعبد من دون الله، ومن التبرأ من كل من يعبد غير الله. فلذلك قال: «وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه». معنى ذلك: أنه لا يجوز قتاله، ولا يجوز كذلك غنيمة ماله، لأنه مسلم. فهذا الحديث له مفهوم ومنطوق. فمنطوقه: أن من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله لا يجوز أن يقاتل، وأن كذلك يستحل ماله. ومفهومه: أن من لم يقل لا إله إلا الله، أو قال لا إله إلا الله ولكنه لم يكفر بما يعبد من دون الله، فإنه لا يكون موحداً، بل يجوز ويحل ماله ودمه، ماله ودمه. هذا هو معنى الحديث. وقوله: «وحسابه على الله عز وجل» يعني: فيما ظهر لنا، فما لنا إلا الظاهر، ما لنا إلا الظاهر. فمن قال لا إله إلا الله وتبرأ من المشركين، فنحكم عليه بالظاهر، وحسابه على الله عز وجل. ومن قال لا إله إلا الله وهو يرى أن دين النصارى يجوز اعتناقه، وهو أحد الأديان السماوية، فمن شاء دخل في دين الإسلام، ومن شاء دخل في دين النصارى، ومن شاء دخل في دين اليهودية، فهذا ليس له من الإسلام شيء، وإن قال: أنا لست نصرانياً ولست يهودياً، أنا مسلم، اخترت دين الإسلام، لكن ما أنكر ولا أتبرأ ممن اعتنق النصرانية أو ممن اعتنق اليهودية، فنقول له: أنت ما كفرت بما يعبد من دون الله، ما كفرت بما يعبد من دون الله. وهكذا في بلاد المسلمين: من قال: أنا ما أعتقد في غير الله، أنا ما أدعو غير الله، أنا ما أذبح لغير الله، لكن هؤلاء عباد القبور ما ننكر عليهم، وهم يعني على خير، وأعمالهم هذه يعني أعمال من باب الفكر وحرية الرأي أو إلى غير ذلك، هذا في الحقيقة ما ليس بموحد، لأنه لم يكفر بما يعبد من دون الله، لم يكفر بما يعبد من دون الله، فجوز دين المشركين، جوز دين المشركين، ولم يتبرأ من ذلك. فهذا هو معنى الحديث، ومعنى التوحيد الذي ينبغي أن يستمسك به الموحد. قال المؤلف رحمه الله: وشرح هذه الترجمة وما بعدها من الأبواب فيه أكبر المسائل وأهمها. ويريد شرح هذه الترجمة، يعني شرح هذا الباب، الباب وهو: باب تفسير التوحيد. وما تفسير التوحيد؟ وشهادة أن لا إله إلا الله. وأما قول: «وما بعدها من الأبواب»، لأن المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الكتاب رتب هذا الكتاب ترتيباً حسناً وترتيباً رائعاً. فلما ذكر تفسير التوحيد على وجه الإجمال، هذا الباب الذي تقدم هو تفسير التوحيد على سبيل الإجمال، بدأ في الأبواب التي بعده بتفسير التوحيد على سبيل التفصيل. فسيبين ما هو الذي يناقض التوحيد. فمثلا الباب الذي بعد هذا: باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه. فهذا تفصيل. الذبح لغير الله هذا تفصيل في معنى تفسير التوحيد، وأن من التوحيد الذبح لله، وأن من التوحيد التعلق بالله، وأن مما يضاد التوحيد لبس الحلقة، والنذر لغير الله، والاستغاثة بغير الله. فبدأ يفصل، بدأ يفصل في أمر التوحيد. ولذلك قال: «وما بعدها من الأبواب فيها أكبر المسائل وأهمها». قال: «وهي تفسير التوحيد وتفسير الشهادة، وبينهما بأمور»، وأبينهما بأمور واضحة. يعني في هذا الباب الذي هو على سبيل التفسير، على سبيل الإجمال، الذي هو على سبيل الإجمال، قال: «منها آية الإسراء». ففيها بيان لمعنى التوحيد. ما هي آية الإسراء؟ من يتلوها علينا؟ نعم: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: 57]. ففيها تفسير التوحيد. قال: فإذا قال: بين فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين. ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر، هذا هو الشرك الأكبر. ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يعني يدعون هؤلاء الصالحين، فهؤلاء الصالحين يبتغون إلى ربهم الوسيلة، فكيف أنتم تدعونهم، وكيف أنتم تتقربون إليهم؟ فهذا من السفه، وهذا هو عين الشرك. ففيه معنى التوحيد، وأن من التوحيد إفراد الله بالعبادة بالدعاء، ولا يجوز أن يدعى غيره. ومنها آية براءة. ما هي آية براءة؟ يعني سورة التوبة. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ لا، هذا في أي سورة؟ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ هذه التي في سورة براءة. نعم، هذه التي في سورة براءة. وأما ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ في سورة الزخرف، ليس في سورة براءة. تمام. فالمراد بآية براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: 31] الآية. قال: ومن آية براءة بين فيها أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله. وقد تقدم معنا حديث عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر اتخاذهم، فسر اتخاذهم الأحبار والرهبان بالطاعة لهم، الطاعة العمياء لتحليل الحرام وتحريم الحلال. وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلهاً واحداً، فسماه عبادة، وهي عبادة الطاعة، مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم. ومع هذا أمرهم الله عز وجل أن يعبدوا الله سبحانه وتعالى وحده. قال: ومنها قول الخليل عليه السلام للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: 26-27]. فاستثنى من المعبودين ربه. وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله. فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: 28]. أنت إذا نظرت إلى تفسير هذه الآية: ما هي الكلمة؟ قال المفسرون: الكلمة هي لا إله إلا الله. ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ يعني جعل كلمة التوحيد في عقبه، يعني في ذريته وأهله عليه السلام، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. فدعا إلى هذه الكلمة. ولذلك قال: «وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله». فلا يكون الموحد موحداً حتى يوالي المؤمنين ويعادي المشركين. ولذلك بماذا فسرت «لا إله إلا الله»؟ لا معبود بحق إلا الله، وغير الله إن عبد فبباطل، وغير الله إن عبد فبباطل. وبماذا فسر الإسلام؟ الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والإخلاص، والبراءة من الشرك والبدع وأهلهما. وهذا فيه معنى التوحيد، وهذا فيه معنى التوحيد. قال: ومنها آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: 167]. ماذا يريد بآية البقرة؟ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: 165]. قال: ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله. فدل على أنهم يحبون الله حباً عظيماً، ولم يدخلهم في الإسلام. هذا على القول الأول في تفسير قول الله عز وجل: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾. وقلنا التفسير الأول: أي أنهم يحبون الله ويحبون أندادهم حباً مساوياً لله. فلذلك قال المؤلفون: فدل أنهم يحبون الله حباً عظيماً، لأنهم يحبون الله كحبهم لأصنامهم، كحبهم لأصنامهم. فساووا حب الله بحب أصنامهم، ولم يدخلهم في الإسلام. لماذا لم يدخلهم في الإسلام؟ لأنهم أشركوا في المحبة، فلم يخلصوا المحبة لله عز وجل وحده. فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟ يعني حبهم مساوي لحب الله. فكيف بمن أحب الند أكبر من حبه لله؟ لا شك أنه أولى بأن يوصف بالمشرك، بأن يوصف بالمشرك. فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟ فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟ هذا على القول الثاني: يعني أحب أصنامهم كحب المؤمنين لله سبحانه وتعالى. فإذن من أحب الله وأحب غيره حباً مساوياً فقد أشرك، ومن أحب الأنداد حباً أكبر من حب الله فقد أشرك، ومن أحب الند ولم يحب الله فقد أشرك. كل هؤلاء سواء في الوصف بالشرك وعدم تحقيق التوحيد. قال: فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟ ومنها يعني من تفسير التوحيد مما جاء في هذه الترجمة: قوله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله». قال: وهذا من أعظم ما يبين معنى «لا إله إلا الله». فلا إله إلا الله ليست كلمة قيلت باللسان وتلاكت باللسان، بل لابد من العمل بمقتضاها، ومن ذلك الكفر بما يعبد من دون الله. قال: فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال. ما قال: «من قال لا إله إلا الله عاصماً» أو «حرم ماله ودمه» أو كما جاء: نعم «حرم ماله ودمه». لم يقل ذلك، وإنما قال: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله». قال: فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها. يعني من عرف معناها وتلفظ بها، لكنه لم يتبرأ من المشركين، هل نقول أنهم وحدوا؟ لا، ليس بهم موحدون. بل ولا الإقرار بذلك: من أقر بلا إله إلا الله ويعتقد أن الله هو الإله الحق وأنه لا يعبد غيره، لكنه لم يكفر بما يعبد من دون الله، لم يكن موحداً. قال: بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له. يعني يقول: أنا لا أدعو إلا الله، ما أدعو غير الله، لكن يجوز دين المشركين ولم يتبرأ منهم، فهذا كذلك لم يكن موحداً. قال: بل لا يحرم ماله ولا دمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله. فإن شك أو توقف، لم يحرم ماله ودمه. من قال: قيل له: هؤلاء عباد القبور يدعون غير الله، أليس عملهم هذا الشرك؟ قال: الله أعلم. قال له: كيف الله أعلم؟ هؤلاء يدعون غير الله. قل له: من دعا غير الله وذبح لغير الله أليس يوصف بأنه مشرك؟ فإن قال: الله أعلم، وتوقف في ذلك، فهذا لم يكن موحداً. أو توقف في ذلك يعني لم يجزم بشيء، لم يحرم ماله ودمه. فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلها! ويا له من بيان ما أوضحه، وحجة ما أقطعها للمنازع! فهذه أدلة واضحة بين تبين معنى التوحيد، وأن من معنى التوحيد التبرأ من الشرك وأهله. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا والله تعالى.