الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 279، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تتعدد أسماء سورة التكوير واتفق العلماء على كونها مكية من تسع وعشرين آية، وتتميز بتصويرها الحي لأهوال يوم القيامة. يفسر الشيخ مطلع السورة مبيناً معاني تكوير الشمس، وتناثر النجوم، وسجر البحار، وحركة الكواكب وخنسها.
يشرح المقطع معاني القسم بالخنس والجواري الكنس بأنها الكواكب الخمسة التي تخنس بالنهار وتكنس بالليل، ويبين تضاد ألفاظ العسعس والتنفس في وصف الليل والنهار. يعرض القراءتين في الظنين والضنين مع نقل تفسير عمر بن الخطاب لزوجة النفوس.
يفسر المقطع تزويج النفوس يوم القيامة باقتران كل إنسان بنظيره من أهل الخير أو الشر وفق رواية عن عمر بن الخطاب. يختم بذكر حديث ابن عمر في فضل قراءة سور التكوير والانفطار والانشقاق لتصور أهوال القيامة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب سورة إذا الشمس كورت». إذا الشمس كورت، هكذا سماها بعض العلماء، وجاءت أيضًا كذلك في حديث الترمذي، حديث عبد الله بن عمر: «من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة رأي عين، أو يرى يوم القيامة رأي عين، فلينظر أو فليقرأ: إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت». فهذا الحديث يبين أن النبي عليه الصلاة والسلام فيه أن هذه السور اجتمعت على وصف ليوم القيامة، على وصف ليوم القيامة. جاء في لفظ: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت». وسميت أيضًا في المصاحف بسورة «كورت»، وسميت في المصاحف بسورة «التكوير»، وسماها بعضهم أيضًا «كورت». قد ذكر الإمام السيوطي في الإتقان أن هذه السورة -أو ذكر هذه السورة- من السور التي تعددت أسماؤها، وهي مكية أيضًا بالاتفاق، هي سورة مكية بالاتفاق؛ لأن عمّ والنازعات وعبس وإذا الشمس كورت كلها مكية، إلا عبس حصل فيها شيء من الخلاف، لكن الصحيح أنها مكية كذلك. واتفق أيضًا القراء على أنها تسع وعشرون آية. قال: «إن كدّرت»، «إن تناثرت». وقال الحسن: «سجرت»؛ يذهب ماءها فلا يبقى قطرة. «إن كدّرت عنها تناثرت»، أي: إذا النجوم كدّرت أي تناثرت، كما جاء في الآية الأخرى: «انتثرت»، فتناثرت وتفرقت ووقعت عن أماكنها، معنى سقطت من أماكنها. قال: «وإذا النجوم كدّرت»، كدّرت أي تناثرت. و«كورت» معنى صارت كرة، مثل كرة. قد جاء في الحديث في الصحيحين: «أن الشمس والقمر يكوران في النار، ويكوران ثم يوضعان في النار». قال رحمه الله: قال الحسن: «سجرت»؛ يذهب ماءها فلا يبقى قطرة. «وإذا البحار سجرت»، أي: يذهب ماءها. وقال مجاهد: «السجور: المملوء». وقال غيرهم: «سجرت»؛ أفضى بعضها إلى بعض فصارت بحرًا واحدًا. وبعضهم فسرها: «سجرت» أي فتحت وسيرت، أي فتحت هذه البحار فصارت بحرًا واحدًا، كلها. ومنهم من قال: إن «سجرت» أي أضربت بالنار، فيها نار، مثل قول: «وإذا البحار فجرت». لكن أكثر السلف على أن المراد بـ «سجرت» إما أنه يذهب ماءها فلا يبقى إلا قطرة، مقال الحسن، وإما أن المراد أنها تتفتح ويصب هذا الماء وتختلط البحار بعضها ببعض، معنى الأنهار والبحار تصير كبحر واحد تمتلئ، فالبحر المسجور كما في سورة الطور: أي المملوء. قال: «والخنس»، أي تخنس في مجراها، ترجع وتكنس، أي تستتر في بيوتها كما تكنس الضبّ. «الخنس والجوار الكنس»: الخنس على أنها تخنس وترجع، مثل الشيطان سماه الله عز وجل وسواس الخنس، خنس: الذي يرجع ويصور. وأما قال: «والخنس تخنس في مجراها ترجع وتكنس تستتر في بيوتها كما تكنس الضبّ». قال الله عز وجل: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾. وقال بعض أهل اللغة: الخنس هي النجوم الخمسة، تخنس في مجراها وترجع. النجوم الخمسة هذه المشهورة التي كان العرب يستدلون بها على أشياء كثيرة، فهي تخنس وترجع إلى مكانها وتكنس، تستتر في بيوتها كما تكنس الضبّ في المغائر. وهذه النجوم الخمسة هي المشهورة عند أهل الفلك: زحل، وعطارد، والزهرة، والمشتري. بعضهم يذكر المريخ أيضًا خامسًا، ومنهم من يذكر قديمًا يقولون: بهرام وهو المريخ. قال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾. وقال: «حشّ البقر»، كما جاء ذلك بسناد صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. لكن أكثر السلف على أن المراد هي النجوم تخنس بالنهار، أي تختفي وترجع إلى أماكنها ويذهب ضوءها. والكنس: أي تستتر إذا غاب. وقيل: إن الكنس: يضبّ نفسها التي تستتر. لكن الظاهر أن المراد بها الكواكب: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾، أي الكوكب إذا اختفى. ﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾: حين يختفي ويستتر، معنى نفسها: الخنس والكنس واحد. ومنهم من قال: إنها الكنس هو الظهور، والخنس هو الخفاء، لهذا فهي تكنس بالليل وتخنس بالنهار؛ لأن الكنس من الكلمات التي هي من المتضاد، معنى يقال: خفاء، ويقال: ظهور. مثل «عسعس»، «عسعس» أيضًا كذلك من الكلمات المتضادة، كما قال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾. والليل إذا عسعس أي ظهر، وصبح إذا تنفس أيضًا ظهر. عنا بمعنى هذه الكلمة: فعسعس أيضًا تطلق على بداية الظلام، وتطلق على الإسفار، معنى على الضو بعد الظلام. فـ «الليل إذا عسعس» إما أن يقال إذا أظلم، وإما أن يقال إذا أسفر وإذا جاء الضو، فهي من الكلمات التي لها معانٍ متضادة، لها معنيان متضادان تطلق على هذا وعلى هذا، فيقال: الليل عسعس أي إذا أظلم، ويقال: عسعس إذا قضى ودأ وجاء ضو النهار أو الفجر. طيب. قال: «وإذا النجوم كدّرت»، أو قال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾. قال: «تنفس»: ارتفع النهار. «والليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس». تنفس ممكن أنها تطلق على كما قلنا على بداية النهار، أو ذهاب... ذهاب... هنا قال: «عسعس أو تنفس: ارتفع النهار»، ارتفع النهار أي في آخره. قال: «والظنين: المتهم». والظنين... والظنين: يظن به. هنا أشار إلى القراءتين: ومن قرأها بالضاد فمعناها: ليس المتهم، ما هو بالظنين. ومن قرأها بالضاد معناها: البخيل، ليس بمتهم. بضاد: «بضنين»، وبضنين معناها: ليس ببخيل. فكلاهما قراءتان صحيحتان. قال: وقال عمر: «النفوس زوجت»: يزوج نظيره من أهل الجنة والنار. ثم قال: وقال قرأ: ﴿وَاحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾، وهذا صحيح عن عمر رضي الله عنه، عمر بن الخطاب، أخرجه الحاكم، وعبد الحميد، وغيرهم بإسناد صحيح إلى... إلى عمر، بإسناد حسن من طريق سماك بن حرب عن النعمان بن بشير عن عمر. قال عمر: «النفوس زوجت»، أي يزوج نظيره من أهل الجنة والنار. يزوج: معنى يكون معه، مثل ما قال: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾، أزواجهم: أي مثلهم، مثل المشرك مع المشرك، ومن كان من أهل الإسلام فكان من الزناة مع الزناة، وكان إذا كان من المرابين مع المرابين، إذا كان من تاركي الصلاة مع تارك الصلاة. فهذه الآية عامة: ﴿فَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، زوجت: أي قرن معها نظيرها، قرن معها نظيرها، فيحشرون كل واحد مع نظيره، مع من كان مثله، واشتهر بشيء من أمر الخير أو أمر الشر. مثلًا: أهل التقوى وأهل الصلاة الذين يحافظون على الصلاة يحشرون معًا، ولهم باب يدخلون فيه، والذين يكثرون من الصلاة، والذين يكثرون من الصيام أيضًا لهم باب الريان، ويجتمعون معًا، والذين أيضًا يكثرون من الصدقات والزكاة يدخلون في باب الصدقات ويجتمعون معًا. فكل أحد يستمتع بنظيره، فأهل الخير أيضًا لهم نظراء فيستمتعون بنظرائهم، وأهل الشر لهم نظراء، فكل واحد يجمعه الله عز وجل مع نظيره، فيكون لأهل الخير نعيم، ويكون لأهل الشر توبيخ، أنه يحشر مع من لا يريد أن يحشر معه، يحشر مع من لا يريد أن يحشر معه. مثلًا: يحشر زانٍ يحشر مع الزناة، أو مرابٍ يحشر مع المرابين، شارب خمر يحشر مع الخمارين، وهكذا. ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. وقال هنا: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، قال عمر: «الرجل يزوج نظيره من أهل الجنة، والرجل يزوج نظيره من أهل النار». قال: «عسعسة: أدبر». أنا: أدبر الليل إذا أدبر الليل، يقال: عسعسة، ويقال: عسعسة أقبل. ذكر هنا الحافظ عن أبي عبيدة، وهو معمر بن مثنى، أنه قال: وقال بعضهم: «عسعسة أقبلت ظلماؤه». فهذه الكلمة كما قلنا تسمى... معنى تفسر بمعنيين: بمعنى الإقبال، وبمعنى الإدبار. عسعسة: معنى أقبل الليل الظلام، أو ظلام الليل، وعسعسة: أي ذهب ظلام الليل، فهي بمعنيين: أدبر وأقبل، وكلاهما صحيح. قال: «والصبح إذا تنفس». وتنفس أيضًا كذلك تطلق على المعنيين، لهذا ذكر الحافظ عن خليل بن أحمد أنه قال: «أقسم بإقبال الليل وإدباره، أقسم بإقبال الليل وإدباره». تنفس: أي تنفس عندما يقبل، وتنفس أيضًا عندما يدبر. فالصبح إذا تنفس: قال: أقبل الليل وأدبر. فهذه بعض المعاني التي ذكرها المؤلف في هذه السورة، ولم يذكر حديثًا فيها، وذكرنا حديث عبد الله بن عمر، وهو حديث حسن، أخرجه الترمذي، وأحمد، وغيرهما، من حديث عبد الله بن عمر: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت». في رواية أحمد لم تذكر: «إذا السماء انشقت»، لكن في رواية الترمذي ذكرت. فهذا إن شاء الله تعالى ما يسر الله تعالى من أعلى... ما يسر الله تعالى ترجمة... نانسي قنقر.