التعليق على منظومة الزمزمي  16

التعليق على منظومة الزمزمي 16

الدرس في التعليق على منظومة الزمزمي 16، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في أسباب النزول وأنواع نزول القرآن

يشرح هذا الفصل مفهوم أسباب النزول وأهميتها في فهم القرآن، مع توضيح أنواع نزول القرآن إلى ابتدائي وسببي. يُبرز أهمية هذه المعرفة في تفسير الآيات بشكل صحيح.

أهمية معرفة أسباب نزول الآيات القرآنية في التفسير والفقه

يتناول هذا الفصل الأهمية الكبيرة لمعرفة أسباب نزول الآيات في فهم المعاني الصحيحة للآيات وتوضيح الأحكام الشرعية، مع ذكر أمثلة من القرآن والسنة. يشير إلى فوائد معرفة أسباب النزول في الرد على الشبهات وتوضيح المبهمات.

تتمة الكلام عن أهمية أسباب النزول وفوائدها العلمية

يستكمل هذا الفصل الحديث عن أهمية معرفة أسباب نزول الآيات، مشيراً إلى فوائدها في تعيين الأسماء المبهمة وتخصيص الأحكام، ويذكر الجهود العلمية التي بذلها العلماء في تأليف كتب مستقلة في هذا المجال.

الختام بالصلاة على النبي

يمثل هذا الفصل الختامي الدعاء بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، معبراً عن التوقير والاحترام للنبي، ويأتي هذا الختام في صيغته التقليدية المستخدمة في العديد من النصوص الدينية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: العاشر، أي نوع العاشر من أنواع نزول القرآن، قال: أسباب النزول. وأسباب جمع سبب، والمراد منه في هذا الموطن هو الباعث على الشيء. هذا المراد؛ لأن من معاني الأسباب أنه يرادف العلة، كما عند الأصوليين. وهذا المبحث، إخواني في الله، كما أشرنا إليه في درس أمس، أنه من الأبواب المهمة جدا، أن المسلم يتعرف على هذا الباب، وخاصة المشتغل بعلوم القرآن. لا كما يدعيه بعض الناس، ممن ينتسب إلى العلم، ومن المتأخرين، أن هذا الباب لا طائل تحته. هذا ليس بصحيح، كما سيأتي معنى ما يتعلق بفضائله وفوائده. وما معنى أسباب النزول؟ ذكر العلماء لنا ضابطا في معرفة هذا الباب، وما الذي يعنى بسبب النزول؟ قالوا: هو ما نزل من القرآن بشأنه ووقت وقوعه. هذا معنى سبب النزول؛ ما نزل القرآن بشأنه، أي بخصوصه، ووقت وقوعه. هذا ما يتعلق بأسباب النزول. فمن خلال التعريف، إخواني في الله، يظهر أنه يبتني على رابطة وعلاقة بين الشيء وبين الآيات النازلة فيه. ففيها ارتباط؛ يحصل شيء، وسيأتي ما هي الأشهر التي تحصل، التي من أجلها ينزل القرآن. تجد أن هذا تسمى رابطة ارتباط بين الشيء والنزول. وهذا، إخواني في الله، نستفيده جميعا في تخطئة بعض المفسرين، الذين يأتي أحدهم إلى بعض الآيات التي يذكر فيها ربنا عز وجل أخبارا عن أمم ماضية، فيأتي من يأتي من المفسرين وينزل آيات قرآنية على هذه الحقبة القديمة السحيقة، يقول: هذه الآية سبب نزولها كذا، ويشير لك إلى حادثة قديمة جدا. هذا بعيد، وهل كان هناك أصلا قرآن يتنزل في تلك الفترة؟ بل قل: هل كان هناك نبي أصلا بعث هذا العام، عام الفيل؟ هو اعتبر مولد النبي صلوات ربي والسلام قد ولد في عام الفيل. أين القرآن الذي نزل؟ هذا بعيد. ولهذا عاب العلماء على بعض المفسرين أن يأتي بآيات وسور ويقول: هذه من أجل كذا. يأتي إلى سورة نوح، ويقول: سورة نوح إنما نزلت لما وقع فيه قوم نوح. أين وقع هذا؟ زمن سحيق بعيد، فلا يوجد هناك ربط. فالمقصود بالربط أن يقع هناك واقعة تحصل الآن، فينزل القرآن على إثرها. يتأخر قليلا لحكمة، لكن في هذا الموطن، أن تأتي بشيء وقع قبل سنوات مئات السنين أو سنوات مديدة وعديدة أو عشرات السنوات، ثم تقول: وهذه الآية نزلت من أجل هذه تلك الحادثة، هذا ما يمكن. ولهذا يعاب. ولهذا السيوطي رحمه الله تعالى لما ذكر كلام الواحدي الذي أشار فيه أن سورة الفيل إنما نزلت أنزلها ربنا من أجل مقدم الحبشة، قالوا: هذا بعيد. قالوا: إنما هذه السورة من باب الإخبار، يخبره ربنا عن أمر قد حصل. أما نجعل هذا في أسباب النزول، فلا يمكن. في هذا، إخواني في الله، نفهم هذا الضابط؛ أسباب النزول: الضابط هو ما نزل من القرآن بشأنه ووقت وقوعه. وأسباب النزول، إخواني في الله، هناك مسألة عامة يذكرها العلماء: أن نزول القرآن ينقسم إلى قسمين: نزول القرآن ينقسم إلى ابتدائي وإلى سببي. ابتدائي وسببي. وهذا قد ذكره العلماء، كالجعبري رحمه الله تعالى، وجماعة من العلماء، حتى قال بعض العلماء: وهذه قسم صحيحة، لا غبار عليها. فما عندنا قسم ثالث؛ نزول القرآن إما ابتدائي وإما سببي. فما الذي يراد بقول العلماء بأن نزول القرآن ابتدائي؟ قالوا: القرآن نزول ابتدائي، ضابطه هو ما لم يتقدم نزوله سبب يقتضيه. هذا معنى النزول الابتدائي؛ نزول القرآن الابتدائي نزل، ولم يتقدمه سبب من الأسباب. وهذا هو الغالب على القرآن؛ تنزل آيات من الله عز وجل، ليس هناك سبب حصل حتى يخرج هذه الآيات على إثره، لا. إنما ينزل ربنا قرآنا على رسوله. وهذا هو الغالب. ومن هنا، يا عبد الله، ما في داعي أنك تتلمس أو تتكلف إيجاد أسباب لكل آية، كما يفعل بعض الناس. يتجشم عناء البحث؛ هذه الآية ما سببها؟ يبحثون، يبحثون، حتى لربما يستأنس بالأحاديث الضعيفة حتى يبرهن أن هذه الآية كان لها سبب. لا تتكلف. بل إن غالب آيات القرآن كان نزولها ابتدائيا؛ ينزلها ربنا من غير سبب تقدم عليها. السبب الثاني، أو الصورة الثانية من نزول القرآن، وهو النزول السببي، وهي الآيات التي تقدم نزولها سبب؛ تقدم نزولها سببا من الأسباب. وقد حصر العلماء الأسباب التي من أجلها ينزل القرآن إلى سببين اثنين: إما سؤال يطرح، فيجيب الله عنه، أو حادثة تقع، فيبين الله ما فيها من أحكام. هذه أسباب النزول يمكن حصرها في هاتين الصورتين: إما عبارة عن إجابة لسؤال طرح، فيجيب الله عنه، أو حادثة وقعت في زمن نبينا عليه الصلاة والسلام، فيبين الله عز وجل ما في هذه الحادثة من أحكام. مثال الأول، مثال من السبب في النزول، ما يعود إلى سؤال طرح: يسألونك عن الأهلة، يسألونك عن الأنفال، يسألونك عن الخمر والميسر. يسألونك، هذه إنما نزلت جراء أسئلة طرحت على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأجاب عنها ربنا سبحانه وتعالى بكتابه، بإنزال تلكم الآيات. هذا يكون من أسباب النزول؛ عبارة عن سؤال طرح على رسول الله عليه الصلاة والسلام. والأمر الثاني هو السبب الثاني الذي من أجله تتنزل الآيات في سبب النزول، أن يكون حادثة وقعت. حادثة وقعت في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيأتي ربنا ببيان ما فيها من أحكام، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وَإِنْ يَسْأَلُوكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، في قصة أولئك النفر الذين كانوا يعيبون أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام. ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا وأكذب ألسنة وأجبن عند اللقاء، عابوهم بصفات الذم. حادثة عظيمة، فنزل ربنا عز وجل تلكم الآيات المبينة لضلالهم، بل قل: لكفرهم. لا تعتذروا، قد كفرتم بعد إيمانكم. فهو كفر هذا الفعل، لما كان من نفاقهم. فهذا من أسباب النزول. إذن القرآن يتنزل لسبب، وهذا نوع النزول، ويكون سببه يعود لأمرين: إما سؤال يسأل عنه نبينا عليه الصلاة والسلام، فيجيب عنه الله، أو حادثة حصلت ووقعت. هذا ما يتعلم بقول رحمه الله تعالى: أسباب النزول. وقلنا، يا إخوان في الله، أن هذا الفصل من الفصول المهمة التي ينبغي أن يراعيها، وخاصة المشتغل بعلوم القرآن. وأما قول من يقول بأن هذا الباب ليس من الأبواب المهمة، حتى أن بعض المتأخرين قال: هذا الباب هو عبارة عن سرد تاريخي، سرد تاريخي لبيان بعض الأحوال التي عايشها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط. هذا، قال الذي يستفاد؟ أما هناك أن أحكام مستفادة؟ لا. وهذا ليس بصحيح. حتى أن بعض العلماء يقول: لو افترضنا جدلا ما قلتموه صحيحا، بأن أسباب النزول إنما هي من باب السرد التاريخي. ونقول: طيب، التاريخ ما يستفاد منه؟ التاريخ يستفاد منه الأحكام العظيمة. تستفاد من كتب التاريخ. إذا أردت أن تتعلم، يا عبد الله، كيف تستخلص الفوائد من السيرة والتاريخ، انظر ما كتبه ابن القيم، ما ذكره ابن القيم رحمه، رحمه الله تعالى، في زاد المعاد، عندما تكلم عن سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام، منذ نشأته وولادته إلى نهايته، صلوات ربي وسلام عليه، ووفاته. انظر كم هي الفوائد والعبر والأحكام التي أخرجها لنا هذا الإمام رحمه الله من السيرة. فلنعد مع الذي يقول بأن أسباب النزول إنما هو سرد تاريخي. ولو جاريناه على هذا الحكم، نقول: طيب، أليس التاريخ يستفاد منه؟ بل يستفاد منه. هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: أن هناك فوائد كثيرة يستفيدها المسلم من معرفة أسباب النزول. وكم عدد العلماء الذين ذكروا هذا؟ الشيء الكثير. منها، مثلا، على سبيل المثال مما يستفيده المسلم في معرفة أسباب النزول: الرد على الملاحدة، الرد على الزنادقة، ممن ينكر نزول القرآن على رسول الله. فإن أسباب النزول تعطيك مؤشرا من المؤشرات على أن هذا القرآن وحي يتنزل من عند الله. مثاله ما جاء في البخاري من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن يهوديا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح، سأله عن الروح، عن الماهية وعن الكيفية. فسكت نبينا عليه الصلاة والسلام، قال ابن مسعود: فعلمنا أنه يوحى إليه. ثم قال رسول الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. إذن هذا سبب نزول؛ لأنه سؤال طرح. ما الذي يستفاد من هذا السبب؟ أن الوحي يتنزل على رسول الله، وأن الله نبينا كان ينتظر الوحي حتى ينزل عليه. فهذا مؤيد من مؤيدات، ومؤشر من مؤشرات على أن هذا القرآن من عند الله، ليس بتصنيف محمد عليه الصلاة والسلام، كما يدعي الزنادقة ويدعي الكفار. كذلك من فوائد أسباب النزول، إخواني في الله: الفهم الصحيح لفهم الآية. كم من آية لربما تشكل عليك، أو أنك تفهمها فهما غلط. لكن ما الذي يوضح لك الرؤية؟ ارجع إلى سبب النزول. ارجع إلى سبب النزول. وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، كما في كتابه مقدمة في أصول التفسير، ذكر هذا السبب. فذكر رحمه الله تعالى: ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية. ومثل هذا كذلك، قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: أن معرفة سبب النزول يعين على فهم السورة. مثاله قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ بِهِمَا﴾. فلا جناح عليه. من درس مثلا في كتب الأصول، أصول الفقه، مر عليه على أن من ألفاظ الإباحة: لا جناح. لا جناح، إذن يقول ربنا: فلا جناح عليه أن يطوف، هو يطوف، بمعنى: يسعى بين الصفا والمروة. فلا جناح عليه، يقول: إذن معنى لا جناح أنها مباحة وجائزة. إذا أنا اعتمرت أو حججت، فأنا مطالب بالسعي؛ لأنه مباح بنص القرآن. أنا أخذ بالقرآن معنى السعي من الواجبات، بل من الأركان. إذن كيف تفهم هذه الآية؟ يقول: قد ارجع، يا عبد الله، إلى سبب النزول حتى يزال هذا الإشكال. روى الإمام البخاري في صحيحه، من حديث أنس بن مالك، ذكر أنس رضي الله تعالى عنه: أن الناس في بداية الإسلام كانوا يظنون أن الصفا والمروة من شعائر الجاهلية. فلما جاء الإسلام، أمسكوا؛ ما كان أحد منهم يسعى. لماذا؟ ما كان أحد منهم يسعى لهذا الظن: أن الصفا والمروة كان من شعائر الجاهلية. كان هناك أصنام: صنم اسمه إساف، وآخر اسمه نائلة. كان إساف هذا صنم يوضع على الصفا، ونائلة صنم يوضع على المروة. فكان الكفار خلال سعيهم بين الصفا والمروة يذهبون إلى هذه الأصنام، إلى إساف ونائلة. فلما جاء الإسلام، ظن من ظن من المسلمين: أن هذه الشعيرة، السعي، هي من مظاهر الجاهلية، من مظاهر الجاهل. فأمسكوا، قالوا: لا، ما سنسعى. هذا ما أعلم من معالم الجاهلية. حينها أنزل ربنا هذه الآيات: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطُوفَ بِهِمَا﴾. إذن هنا نفي الجناح عن ماذا؟ ليس نفي الجناح كحكم لأصل المسألة، بل نفي الجناح عما كان في نفوسهم؛ أي: لا غبار عليكم، لا غبار عليكم أن تسعوا. اسعوا، فإن هذا ما في نفوسكم، هذا لا شيء. ولهذا، إذن علمنا ماذا؟ أن قوله سبحانه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾، ليس معنى إنزال الحكم الشرعي أنه مباح، لا. ما كان هذا قصد ربنا عز وجل. بدليل أن ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، فهي من الدين، من الدين. وأما نفي الجناح، إنما كان إزالة لما وقع في نفوسهم من أنها من مظاهر الجاهلية. فأنزل ربنا ما في قلوبهم: أنه لا جناح عليكم، أن هذه ليس من مظاهر الجاهلية. إذن كيف سنفهم فهمنا هذه الآية بهذا الفهم، بسبب النزول. بسبب النزول. فالرجوع، إخواني، إلى سبب نزول الآية، يعطيك تصورا صحيحا للآية، لفهمها، كما قال العلماء، وكما ذكرنا من عبارة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. وهكذا كذلك من فوائد أسباب النزول: تعيين الأسماء المبهمة. تأتي آيات كثيرة، لها تعلق بأسباب النزول، تأتي مبهمة، من غير ذكر شخصيات، ولا أسماء، ولا تحديد أماكن، ولا مواقع. لكن عندما ترجع إلى أسباب النزول، وتعلم أن هذه الآيات إنما نزلت في القضية الفلانية، أو الغزوة الفلانية، أو في المحل الفلاني، تتضح عندك المعالم، وتعرف من هو اسم الذي نزل عليه القرآن، وتعرف الأماكن المذكورة. فهذه زيادة معرفة. من أين تعرفت على هذه الملابسات؟ بإرجاعك إلى أسباب النزول. وهكذا، إخواني في الله، مما يستفاد: تخصيص الحكم بالسبب. وهذا جريا على بعض العلماء، بعض العلماء من مذهبه: أن الآية إذا كانت عامة، فإن الحكم يختص بمن نزل فيهم القرآن. يختص بمن نزل فيهم القرآن. وهذا منقول عن بعض المالكية، وعن بعض الشافعية. فكيف سيعرفون أن هذا يختص؟ بالرجوع إلى سبب النزول. سبب النزول هو الذي يعين هذا المعيار. فهم يرون جماعة من فقهاء يرون: أن الآية لو كانت عامة، ولها سبب نزول، فإن هذا النزول يختص بمن نزل فيهم القرآن. وأما البقية، ممن هم قريبون من هذا الحكم، فيدخلون في عموم الآية، لا من باب الخطاب، لكن من باب القياس، من باب القياس. الشاهد أن هؤلاء يحتاجون إلى معرفة سبب النزول. وهكذا أدل كثيرة يذكرها العلماء في هذا الباب، تدلك، إخواني في الله، على أن هذا الباب من الأبواب المهمة التي يحتاجها من أراد أن يتعلم علوم القرآن. قال رحمه الله تعالى: العاشر أسباب النزول، قال: وَصَنَّفَ الْأَئِمَّةُ الْأَسْفَارَا، فيه، فيمم نحوه استفسارا. قول رحمه الله تعالى: وَصَنَّفَ الْأَئِمَّةُ الْأَسْفَارَا. وَصَنَّفَ، من التصنيف، وهي وضع المصنفات. وأصل التصنيف هو التمييز. يعني: كان يقول: بأن العلماء كتبوا وميزوا أسباب النزول عن غيرها من العلوم. فقال: وَصَنَّفَ، أي: من التصنيف، بمعنى التمييز. وَصَنَّفَ الْأَئِمَّةُ، الْأَئِمَّةُ، جمع إمام. وأذكر بعض العلماء: الإمام هو كل من يصلح الاقتداء به، وبلغ رتبة الاجتهاد. هذا الإمام، مثل الأئمة الأربعة. مثاله الأئمة الأربعة. سموا أئمة؛ لأنه قد صاروا حاليا اعتماما بهم، والاقتداء بهم، وهم قد بلغوا إلى رتبة الاجتهاد. بلغوا إلى رتبة الاجتهاد. فهذا الباب ليس مفتوحا لكل أحد، لكل من ترأس يسمى إماما، لا. ليس كل من ترأس يسمى إماما. لا بد أن يكون تضلع بالعلم الشرعي. تجد في هذه الأزمان تطلق كلمة أئمة على المفكر، وتجده ضعيفا في العلم الشرعي، ضعيفا في العلم الشرعي. فهذا لا يسمى إماما على الصحيح؛ لأنه من شرط الإمام أن يقتدى به، وهو كذلك قد بلغ إلى رتبة الاجتهاد. قال رحمه الله تعالى: وَصَنَّفَ الْأَئِمَّةُ الْأَسْفَارَ. الأسفار، جمع سفر. والسفر بمعنى الكتاب الكبير. هذا هو السفر، جمع أسفار. أي: أن العلماء ألفوا الكتب المستقلة في هذا الباب، في أسباب النزول. وكذلك ذكر العلماء: أن كلمة سفر تطلق كذلك على جزء من التوراة، على جزء من أجزاء التوراة. قد يقولون: أنه أنا في أسفار كذا، في أسفار كذا. بمعنى أجزاء. هذه من التقاسيم التي عند اليهود في توراتهم؛ تقسم إلى ماذا؟ إلى أسفار: سفر التكوين، سفر فلان. فهذه أسفار معروفة عندهم. هذه أجزاء في التوراة عندهم. لكن الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى: المعنى الأول؛ السفر بمعنى الأسفار، وهي الكتب الكبيرة. حيث أن العلماء قد ألفوا، من أولئك: الإمام علي بن المديني، شيخ البخاري، ألف كتابا يتعلق بأسباب النزول. هكذا الإمام الواحدي رحمه الله تعالى ألف كتابا في أسباب النزول. وهكذا ابن حجر، كما صرح بعض المعنى، وقف على كتاب بخطه، كان يتتبع فيه رحمه الله تعالى أسباب النزول. وهكذا السيوطي، له رسالة: لباب النقول في معرفة أسباب النزول، ألفها رحمه الله تعالى في أسباب النزول. وهكذا شيخنا مقبل رحمه الله تعالى، له رسالة طيبة مطبوعة: الصحيح المسند من أسباب النزول. فهؤلاء أئمة، رحمة الله تعالى عليهم، ألفوا في هذا الفن. إذن فلا يتأتى لأحد منا أن يهون من شأن هذا العلم. هذه العناية من علماء، ورعايتهم لهذا الباب، والتآليف والتصانيف التي فعلوها لجناب هذا الفن، دلالة على رفعته، وعلى علو شأنه. وهذا من الأمور التي ينبغي أن تتوافر الهمم إلى معرفته. فقال رحمه الله تعالى: وَصَنَّفَ الْأَئِمَّةُ الْأَسْفَارَا، فيه، فيمم نحوه استفسارا. فيه، أي: في هذا الأسفار. فيمم، يمّم بمعنى أُقْصِد. أُقْصِد. فيمم، من فعل أمر، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾، في سورة المائدة. وَلَا أَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، بِالتَّشْدِيدِ. آمِّينَ، بمعنى قَاصِدِينَ. نهى ربنا عز وجل أهل الإسلام الاعتراض لمن قصد واتجه، ويمم وجهه إلى بيت الله. وَلَا أَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، آمِّينَ بِقَصْدِ الْقَاصِدِينَ. ومن خطأ العلماء، بعض الناس العوام: أنهم في الصلاة إذا قال الإمام: وَلَا الضَّالِّينَ، قل آمين، آمين، بالتخفيف، من غير تشديد؛ لأنك إذا شددت تغير المعنى. فَلَا أَمِّينَ، لا تقول مِيمَ، هذا تشديد، ليس هذا محله. سيكون معنى قاصدين. وها بوجه القصد هنا؟ ما عندنا قصد، وإنما عندنا دعاء. تقول: آمين، بالتخفيف، بمعنى: اللهم استجب. فهنا: فيمم، بمعنى قصد. قال: فيمم نحوه، أي: نحو هذا العلم. فيمم نحوه استفسارا. هنا استفسارا، الألف للإطلاق. وهنا استفسارا، من الفسر. والفسر بمعنى البيان. الفسر يأتي بمعنى البيان. ومنه التفسير. وقد مر هذا معنا، لو تذكرون، في أوائل رسالة، عندما تكلم مؤلف رحمه الله تعالى عن علم التفسير، ذكرنا أن التفسير من الفسر، والفسر من معانيه البيان. فهنا قال: فيمم نحوه استفسارا، أي: أقصد لهذا العلم ماذا؟ بيانا وإيضاحا. تعلم منه، ويوضح لك فيه معالمه. وسأتي إن شاء الله معنا في درس غد: التكملة حول هذه الأبيات التي جعلها المؤلف رحمه الله تعالى متعلقة بهذا النوع من أنواع النزول. والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.