التعليق على منظومة الزمزمي  1

التعليق على منظومة الزمزمي 1

الدرس في التعليق على منظومة الزمزمي 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في أهمية التفسير وضوابطه

يؤكد على أهمية معرفة قواعد التفسير لضبط عملية تفسير القرآن، مع التشديد على مراعاة مقاصد القرآن وهدايته العامة. يشمل التفسير بالمنقول من السنة النبوية وأقوال الصحابة.

مراعاة اللغة والسياق في فهم القرآن

ينبغي على المفسر مراعاة اللغة العربية والسياق عند تفسير القرآن، حيث أن الله أنزل القرآن بلغة العرب. السياق يلعب دورا هاما في فهم المعنى الصحيح للآيات.

ضوابط التفسير وأصوله الثابتة

يجب على المفسر مراعاة عدة أمور عند تفسير القرآن، منها معرفة السياق واللغة العربية والإجماع والواقع الذي نزلت فيه الآيات، مع وجود دليل على التفسير.

ختام وتأكيد على العلم الإلهي

يختتم بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، مع الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الرغبة في نيل البركة والرضا الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فتتمة إخواني في الله لما سبق من رسالة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى الموسومة بمقدمة في أصول التفسير، وعلمنا الكثير من المباحث التي عرج عليها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ذكرا وتحقيقا وبحثا، كان من المناسب أن تتبع هذه الرسالة بما يتعلق بعلوم التفسير، وخاصة ما يتعلق بقواعد التفسير. العلماء رحمهم الله تعالى اعتنوا بهذا الباب اعتناء عظيما، وذلك بذكر قواعد بها ينضبط للمفسر كيفية تفسير كتاب الله سبحانه وتعالى، ومعرفة المراد من آيات القرآن. وهذا الأمر إخواني في الله من الأهمية بمكان، إذ أن المفسر ليس هو فقط مقبل على أي كلام يفسره، وإنما هو سيقبل على كتاب مخصوص لمتكلم مخصوص لأهداف مخصوصة لغايات محدودة. إذن لابد له أن يعرف ما هي الأطر التي سيسير عليها. أنت يا عبد الله لو أتيح لك مجال مثلا إلى أن تتكلم في شرح كتاب، فأول ما تبدأ بأن تتعرف على مصطلحات هذا الكتاب، ما الذي يعنيه؟ لأن ما من مؤلف إلا وله مصطلحات يصطلح عليها يجعلها له. فأنت لابد أن تكون على دراية بمصطلحات الرجل حتى تفهم كلامه، ثم تفسره. إذا كان هذا في حق الباحث والمفسر لكلام البشر، فما ظنك برب البشر جل في علاه؟ عليك يا عبد الله أن تكون ملم بالقواعد التامة المتعلقة بكلام الله سبحانه وتعالى. وكما أشرنا، العلماء اعتنوا بهذا الباب، كان الأقدمون من سلفنا يذكرون هذه القواعد، وإن لم يجعلوها في كتب مخصوصة. مثل ما مر معنا في مقدمة شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، جاء المتأخرون واستخلصوا هذه العبارات وجعلوها قواعد رصينة يسير عليها المؤلف. وممن جمع في هذا الباب وأبدع العلامة السعدي رحمه الله تعالى، فله كتاب نفيس اسمه "القواعد الحسان في تفسير القرآن". ذكر قواعد والقواعد في لغة العرب هو ما يبنى عليه غيره، ويطلق على الأمور الكلية التي تندرج تحتها الكثير من الجزئيات. وهكذا أظن كما علمت أن هناك من بعض المعاصرين من جمع وحاول أن يستوعب الكثير من القواعد حتى جمعها في مجلدين. فهذه إخواني في الله لها إسهام في إعانة المفسرين في معرفة كيفية التفسير لكلام الله وكتاب الله سبحانه وتعالى. مما يتعلق بالقواعد المتعلقة بكلام الله سبحانه وتعالى، هناك قواعد عامة. من هذه القواعد العامة إخواني في الله أن المفسر يحاول أن يراعي في تفسيره مقصد المتكلم. لابد للمفسر أن يراعي في تفسيره مقصد المتكلم. القرآن إخواني في الله له أهداف محدودة مقصودة يجمعها ويشملها ما يسمى بالهداية. قال ربنا سبحانه وتعالى ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾، فهو كتاب هداية. وتجد أن ما من شيء في كتاب الله سبحانه وتعالى من طاعات وعبادات، من أحكام، ومن أخبار، ومن مواعظ وإرشادات، ومن حلال ومن حرام، إلا ويصب إلى هذا المصب، وهو هداية الناس. هداية الناس لهذا الكتاب، فهذا الكتاب هداية لجميع الخلق. إذاً إذا أراد المفسر أن يفسر القرآن، يجعل نصب عينيه هذا الهدف، أن القرآن مقاصد عظيمة، ومن أسمى مقاصده أن يكون هداية للناس. فتجعل هذا القرآن والتفسير القرآن معينا لهداية الخلق. وهنا ذكر بعض العلماء بعض القواعد التي تعين المفسر على أن يفهم مقصد القرآن ومقصد الكتاب. ومن هذه الأشياء إخواني في الله التي ينبغي أن يراعيها المفسر عند تفسير القرآن، من باب مراعاة مقاصد القرآن، أنه يراعي التفسير بالمنقول. هذا ينبغي أن يراعيه، لابد أن تراعي يا عبد الله التفسير بالمنقول. ومن ذلك ما قد مر معنا من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، أن يفسر القرآن بالسنة، هذا المنقول عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. تأتي إلى آية قرآنية، أول ما تبلغ به المسعى أنك تسعى حول مورد حديث من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام في فهم هذه الآية. وقد يكون الحديث المروي في هذا الباب قد يكون خاصا، وقد يكون عاما. الخاص مثلا أن تأتي آية قرآنية فيفسرها نبينا بنصها. مثل قوله تعالى ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾، فسرها نبينا أن القوة هنا بمعنى الرمي. إذن تتمسك بهذا التفسير ولا تتزحزح عنه. "إن الشرك لظلم عظيم" وذاك في قوله تعالى ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾، ما معنى الظلم هنا؟ هل الظلم بمعنى عموم الظلم؟ لا نقول الظلم هنا بمعنى الشرك، من أين عرفنا؟ بتفسير الرسول عليه الصلاة والسلام. فهذا التفسير خاص، أن يأتي نص خاص أن الرسول يفسر القرآن بنفسه. وأحيانا يكون نصا عاما، وهذا الذي ذكرناه عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، أن كل ما حكم به رسول الله يعتبر تفسيرا للقرآن. كل ما قام به نبينا يعتبر تفسيرا للقرآن، هذا التفسير العام في السنة النبوية. إذا هذا الأمر ينبغي أن يراعيه المفسر في تفسير القرآن، أن يراعي التفسير بالمنقول. إذا ما عثر على شيء من السنة لا العامة ولا الخاصة في تفسير القرآن، يرجع إلى أقوال الصحابة. يرجع إلى أقوال الصحابة، وهو مهج في هذا الباب، قد أسلفنا هذه المباحث. أما أن الشخص يعرض عن تفسير القرآن بالسنة، فهذا تفسيره باطل. مثل ما ابتلي به بعض المتكلمين عند تلكم الآية ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾. تقرأ في بعض كتب المتفلسفة وهكذا كتب أهل التصوف في تفسير معنى الأول وفي تفسير معنى الآخر وتفسير معنى الظاهر والباطن، تجد من التعريف ما هو صعب حتى الفهم. يأتوا بعبارات وتعبيرات حول معرفة ما المقصد بالأول والآخر، مع أن هذا التعسف منهم مردود عليهم. لأن رسول الله عليه الصلاة والسلام هو الذي تبنى تفسير هذه الكلمات، ثبت في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: "بأن الأول هو الذي ليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء". هكذا فسر نبينا عليه الصلاة والسلام هذه الكلمات بهذه المعاني، إذن ما يتأتى بعد ذلك لأحد من الخلق فيعقب على رسول الله فيأتي بتفاسير على خلاف هذه التفاسير، هذا التفسير مردود على صاحبه. إذن هذا الأمر الأول إخواني في الله في أن المفسر إذا أراد أن يفسر القرآن، عليه أن يراعي التفسير بالمنقول. التفسير بالمنقول وأذا أيضا قد ذكرنا عبارة شيخ الإسلام حين قال: "وبذلك قد تبين أن من فسر القرآن أو الحديث وتفسر وفسروا على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله ملحد في آيات الله". إلى آخر عبارته المتينة الرصينة الدالة على وجوب تفسير القرآن بالمأثور، بما أثر عن رسول الله، وبما جاء عن الصحابة، وهكذا عن التابعين. الأمر الثاني الذي ينبغي أن يراعيه المفسر وهو يفسر كلام الله، أن يراعي اللغة العربية. ينبغي أن يراعي اللغة العربية، بمعنى أنه يحاول أن يجعل ألفاظ القرآن الذي هو بصدد تفسيرها أنها تتلاءم مع اللغة العربية. وهذا واجب، لأن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن بلغة العرب. أنزل القرآن بلغة العرب، إذن فتفهم كلمات القرآن بلغة العرب. كما قال إمام الطبري رحمه الله تعالى: "وذلك بتتبع أشعارهم وأخبارهم وما كان عليهم من لغة ولهجة". فتفسر آيات القرآن على لغة العرب. أما من يأتي مثلا كحال المفوضة، فيخرجون اللغة عن مدلولاتها، فيرون أن ألفاظ القرآن ما تفهم. "الرحمن على العرش استوى" ما معنى استوى؟ يقولون: "الله أعلم، ما ندري". "قد سمع الله قولا التي تجادلك" سمع ما معنى استوى؟ يقولون: "الله أعلم ما ندري". وهكذا قس في كلام الله وفي تفسير القرآن. كلما ذكروا أو سئلوا عن آية، قالوا: "الله أعلم". هؤلاء يسمونهم بالمفوضة. إذن بماذا خطب ربنا؟ وهذا المذهب للأسف انتشر عند بعض المبتدعة، بل حتى عند بعض جماعات الإخوان المسلمين، تأثروا بهذا المذهب. منهم حسن البنا وجماعة تأثروا بهذا، بل كانوا يعتقدون أن هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وأن السلامة كل السلامة في التفويض، بمعنى أنك تكل علمك إلى الله. إذن ما معنى هذا؟ معنى هذا أن القرآن ما هو مفهم. اقرأ القرآن، إيش معانيه؟ الله لا تسأل عن معاني القرآن. نقرأ القرآن، الله يعني بيه كذا. إذن كيف يكون التأمل؟ كيف يكون التدبر؟ كيف يكون التأثر بكلام لا نعرف معناه؟ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "أن أقوال المفوضة من شر أقوال أهل البدع". انظر هذا بقياسه، بعض الناس يرى أنه من أفضل الأقوال، لا بل من شر أقوال أهل البدع التفويض. لأن فيه ماذا؟ تعرية القرآن عن معانيه، كأن الله أنزل قرآنا إنما مهمة أن نقرأ ما فيه، دون العناية بألفاظه ولا معانيه. وهذا من أبطل الباطل، من أبطل الباطل. إذن إخواني في الله، ينبغي أن يراعي المفسر في تفسيره يراعي اللغة العربية، اللغة العربية التي نزل عليها القرآن. وهكذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم إذا أشكلت عليهم كلمة، أرجعوها إلى لغة العرب. أرجعوها إلى لغة العرب. أخرج عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه كان في منبره فذكر قول الله سبحانه وتعالى ﴿أو يأخذهم على تخوف﴾، فقال: "ما تخوف؟ ما معنى هذه الكلمة؟" فقال رجل من المسلمين: "يا أمير المؤمنين، التخوف في لغتنا بمعنى التنقص". ثم ذكر بيتا من أبيات الهذلي في شعر، أن هذا كان مما يذكر في لغة العرب، التنقص، التخوف بمعنى التنقص. إذن يفسر القرآن بلغة العرب. وهكذا ابن عباس رضي الله تعالى عنه تشكل عليه كلمات من القرآن، فيجعل ما رده إلى فهمها إلى لغة العرب. من ذلك كلمة "فاطر"، ﴿فاطر السماوات والأرض﴾، ما معنى فاطر؟ أشكلت هذه الكلمة على ابن عباس، حتى سمع رجلين أعرابيين يختصمان في بئر، يختصمان في بئر. فقال أحدهما: "أنا فطرتها"، أنا فطرتها، بمعنى أنا الذي ابتدأت حفرها. فعلم ابن عباس أن معنى "فاطر السماوات والأرض"، أي الذي ابتدأ خلقهما من غير مثال سابق. فهم أنك "فاطر" بهذا المعنى، بما كان يؤثر في لغة العرب. وهكذا مثله، كما وقع لابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه استشكل في كلمة "بعل". ﴿أتدعون بعلا﴾، ما معنى بعل؟ أشكلت هذه الكلمة على ابن عباس رضي الله تعالى عنه، حتى سمع رجلا يقول للناس: "من وجد ناقة، أنا بعلها". فقال ابن عباس: "ويحك ما تقول؟ لأن البعل تأتي بلغة بمعنى الزوج". تأتي بمعنى الزوج، فابن عباس استنكر أن يكون كيف "من وجد ناقة، أنا بعلها"، أنا زوجها، أنا زوج الناقة. فاستشكل، فقال ابن عباس: "ويحك ما تقول؟" قال: "نعم، أنا ربها". فعلم ابن عباس أن كلمة "بعل" تأتي في لغة العرب بمعنى الآلهة، بمعنى الرب. فقال: "قال نعم، أنا ربها"، أي "من وجد ناقة، أنا بعلها" بمعنى أنا ربها، أنا سيدها. فحينها علم ابن عباس أن معنى قول الله ﴿أتدعون بعلا﴾، أي أتدعون ربا، أتدعون آلهة. فانظر، فكان العرب، فكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يرجعون معاني كلمات القرآن بما أثر في لغة العرب، وذلك بالمعهود، بما كان معهودا عندهم، بما كان مشهورا عندهم. لا أنك تأتي إلى آية فتحملها لغة عربية شاذة. لغة عربية شاذة، لأن الشاذ بحكم المهمل، بحكم المهمل، إذ لا وزن له. والاعتبار له ربنا خاطبنا بهذا القرآن بما درجت عليه العرب، بما تكلمت عليه العرب. فهذا ينبغي أن يراعيه المفسر في تفسير القرآن، مراعاة لغة العرب. الأمر الثالث الذي ينبغي أن يراعيه المفسر، أن يراعي كذلك السياق. مراعاة السياق في تفسير القرآن. مراعاة السياق، كونك يا عبد الله تأتي إلى آية قرآنية، ثم تعرف معنى هذه الكلمة، هذا ليس كل التفسير. بل يعبر بعض العلماء أن هذا أول مرحلة من مراحل تفسير الآية، مرحلة أولى هذه فقط أنك تتعرف على معنى الكلمة. هناك مراحل لابد أن تتم، لابد أن تتم حتى تفهم الآية وما المراد منها. فمن هذه الأشياء الذي ينبغي أن تجعل بعد فهم كلمات القرآن، كلمات الآية، أن تعرف السياق والسباق. سياق الآية، سياق الآية ينبغي أن يعلم حتى يعطيك التصور الكامل والتام لمعنى. لأن قد ذكرنا هذا لو تذكرون في كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، عندما عاب على بعض المفسرين ممن جنح إلى اللغة العربية المجردة. فقد يفسر كلمات هذا خطأ، لأن ليس فقط أن القرآن تعرف كلمات، ما معنى هذا؟ ما معنى هذا؟ ثم تجمع. لا، انظر إلى السياق والسباق، يتضح المقال. كما في قوله تعالى ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت﴾. هل المطلوب أن تسأل قرية عنها وعن تاريخها؟ ليس هذا المقصود. السؤال عن القرية، المقصود السؤال عن أهل القرية، بدليل ماذا؟ سياق الآية ﴿إذ يعدون في السبت﴾، من الذي اعتدى في السبت؟ القرية اعتدت في السبت؟ لا، أهلها هم الذين اعتدوا يوم السبت. إذن بسياق الآية، لأن بعض قد يأتي إلى "القرية" هي البلدة، إذن "وأسألهم عن القرية"، أسألهم عن البلدة، أهل البلدة تسأل، لا. المقصود بهذا أهل القرية، بدليل ختام الآية، سياق الآية. فالآية إخواني فيها لها سياق، سياق الآية يحدد لك ما المراد من هذه الكلمات، ما المراد بهذه الكلمات. وهذا كثير جدا. ومن هنا فائدة مثلا، طبعا هذه الأشياء نبعت لكم على علمكم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. ذكر الدلالات، دلالات القرآن، هذه تعين في معرفة فهم القرآن، معرفة السابق واللاحق، معرفة السياق، معرفة لغة القرآن، حال القرآن كيف يفسر في سياقه. مثاله كلمة "زينة"، كلمة "زينة" هي بمعنى ما يتزين به. ما يتزين به، لكن الزينة تكون أحيانا من داخل الذات، من داخل الشيء، وأحيانا الزينة تكون خارج مجلوبة من الخارج. فالزينة تطلق على هذا والزينة تطلق على هذا. فمثلا الزينة الداخلية يكون بالأخلاق، "فلان زينة نفسه بالأخلاق الحميدة". "صن النفس واحملها على ما يزينها تعيش سالما والقول فيك جميل"، بمعنى زينها بالأخلاق، فالأخلاق زينة للذات، أي الأخلاق من أين جاءت؟ من الخارج؟ لا، منبعثة منك، منبعثة منك. إذن الزينة تطلق على شيء داخلي، وأحيانا الزينة تكون بشيء خارجي. وأكثر وأكثر ما يكون ذكر الزينة في القرآن بالأمر الخارجي، بالأمر الخارجي. ﴿إن جعلنا ما على الأرض زينة لها﴾، ما على الأرض من الأجر هذه أشياء خارجية جاءت على الأرض، فهي زينة خارجية. ﴿إنا زينا سماء الدنيا بزينة الكواكب﴾، فهذا شيء خارجي زينت به السماء. ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾، زينة الأثواب هذه زينة، إذن تأتي الزينة في القرآن، وغالب ما تأتي الزينة في القرآن بمعنى ماذا؟ بمعنى الشيء الخارجي. معرفة هذا السياق الموجود في القرآن يعينك على فهم الزينة إذا جاءت في آيات أخرى. مثل في قوله تعالى ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر﴾، ما المقصود بالزينة هنا؟ إلا ما ظهر، هل الزينة بمعنى الوجه؟ أم الزينة بمعنى الشيء الخارجي؟ الصحيح الشيء الخارجي، لأن الزينة من سياق القرآن ما تأتي إلا بشيء مجلوب من الخارج. ومن هنا فسر السلف، كابن عباس وابن مسعود، أن الزينة هنا بمعنى ماذا؟ بمعنى الكحل، بمعنى القلادة، بمعنى ما يوضع على الوجه، ليس الوجه. كيف جنح العلماء إلى هذا؟ بمعرفة سياق الآيات القرآنية، فحملوا أن الزينة هنا بمعنى ماذا؟ الشيء الخارجي. ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر. وأخطأ من فسر الزينة هنا بمعنى الوجه، لأن سياق القرآن يلزمك أن تسير على هذا النمط. وهكذا إخواني في الله، من المراعيات الذي ينبغي أن يراعيها المفسر، مراعاة الإجماع. مراعاة الإجماع في باب التفسير، الإجماع حجة، طبعا له قواعد وله شروط، وليس هذا ذكرها. لكن الإجماع بشكل عام حجة بأدلة كثيرة. "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، "إن الله عز وجل أجار أمتي أن تجتمع على ضلالة". "يحسنه جماعة من أهل العلم"، فالإجماع حجة. فإذا علمت يا عبد الله على أن الأمة أجمعت على تفسير كلمة من القرآن أو آية من القرآن على نحو معين، فلا يجوز لأحد أن يخالفهم في ذلك. ما يجوز لأحد، مثاله ﴿وأقيموا الصلاة﴾، ما مقصود الصلاة هنا؟ الصلاة نعم في لغة العرب بمعنى الدعاء، بمعنى الدعاء. هل "أقيم الصلاة" بمعنى أقيم الدعاء وأكثر من دعاء الله؟ إنما الصلاة هي الصلاة المعهودة بالأفعال المبتدئة بالتكبير المختتمة بالتسليم. كيف علمنا أن هذا المراد؟ المراد بالإجماع. وهكذا في قوله تعالى ﴿كتب عليكم الصيام﴾، ما المقصود بالصيام؟ هو الإمساك عن المفطرات، هذا إجماع. هذا إجماع. ﴿ولله على الناس حج البيت﴾، ما المقصود بالحج؟ الحج المعهود، الرحلة والسفر إلى مكة لأداء مناسك الحج ومشاعر الحرام. فمن خرج عن هذا المعهود، فهذا باطل مبطل. كما يفعل من الباطنية، الباطنية ما يعرجون على الإجماعات ولا يعتبرون بها. فمثل يجعلون الحج بمعنى ماذا؟ بمعنى الزيارة إلى المشاهد والقباب. الصوم بمعنى الكف والستر على أسرار مذهبهم. وهكذا. أول القرآن على غير التفسير الذي أجمعت عليه الأمة. وهكذا كذلك في قوله تعالى ﴿وله أخ أو أخت في الكلالة﴾، ما المقصود بالأخت هنا؟ أجمع العلماء على أن الأخت هنا هي الأخت من الأم، الأخت من الأم. فلا تأتي أنت من تقول: "إن أخت أفسرها بلغة العرب والسياق يدل على هذا، على أن له أخ أو أخت له كذا مئة ميرات". طيب لا، باقي انظر لإجماع الأمة على ماذا أجمعت؟ فلابد أنك أخذا مراعاة هذه قواعد مهمة. تراعي مراعاة اللغة، مراعاة التفسير بالمنقول، مراعاة السياق، مراعاة الإجماعات الموجودة حتى لا تخرج عنها. كذلك مما ينبغي أن يراعيه المفسر، مراعاة الواقع الذي نزلت فيه هذه الآية. ينبغي أن يراعى هذا الجانب، يراعى هذا الجانب. كما مثلنا قديما لو تذكروا في قوله تعالى ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾. كيف أن بعض التابعين فسرها "فلا جناح عليه" بمعنى أنه لا حرج إن شئت فعلت ذلك وإن شئت تركت السعي بين الصفا والمروة، وأنه من المستحبات. وهذا ليس بصحيح، بل هي من الأركان، من الواجبات. وأن المقصود بماذا؟ "فلا جناح" ما كان عليه عادة الناس في ذلك المنظمة في الجاهلية، أنهم كانوا يطفون بين الأصنام، يطفون بين الصفا والمروة، كان الصفا فيه صنم والمروة فيه صنم. فلما جاء الإسلام تحرج بعض الناس، ما أراد أن يطوف لما كان هذا يذكرهم بما كان عليهم من الماضي من السعي بين الأصنام. فأنزل الله "فلا جناح عليكم" بمعنى أن هذا الفعل ليس من فعل أهل الجاهلية، بل هو من فعل أهل الإسلام. إذن كيف علمنا هذا؟ علمنا بالواقع الذي نزلت عليه هذه الآية. وهكذا كذلك في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾. فبعض الناس مثلا يهتم بماذا؟ يهتم بتفسير الكلمات "لا تسألوا" بمعنى لا سؤال عن أشياء تعم كل شيء في الدين، لا نسأل. فماذا خرج؟ خرج بهذا الفهم على أنه ما ينبغي أن تسأل لماذا لهذه العلة؟ "لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم". وهل هذا صحيح؟ لا، هذا ليس بصحيح. لماذا؟ لأن هذه الآيات أنزلت في عهد الوحي، في عصر الوحي والقرآن ينزل على رسول الله. فكان المرء يخشى أن يسأل شيئا فيظهر على خلاف ما أراد فيبتلى به. فجاء النهي، لكن بعدما توقف الوحي وأثبت القرآن، المسلم يسأل عن دينه، يسأل عن دينه. إذن فمعرفة إخواني في الله الزمان والعصر الذي نزلت فيه هذه الآيات يعينك. فهذا إخواني في الله من الأشياء، كذا أشياء كثيرة يذكرها العلماء. ومن ذلك مراعاة أن يكون الدليل هناك دليل على هذا التفسير، مراعاة الأصول والقواعد الثابتة في الشريعة. فأشياء كثيرة، لكن ما سمعتموه إخواني في الله، ففيه غنية. إذ أن المفسر إذا أراد أن يتبنى تفسير القرآن، ينبغي أن يراعي هذه الأشياء، لأنها من مراعاة مقاصد المتكلم. وذلك أن يراعي التفسير بالمنقول، أن يراعي اللغة العربية، أن يراعي السياق، أن يراعي الإجماعات، أن يراعي حال العصر وحال الواقع التي نزلت فيه هذه الآيات. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.