الدرس في تفسير سورة الطلاق من تفسير الجلالين 6، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع مهمة الرسول في إخراج الناس من الظلمات إلى النور ودلالة خلق السماوات والأرض على قدرة الله. يُفصّل المفسر معاني الآيات وارتباط "رسولًا" بالذكر.
يفسر المقطع معنى الإيمان والعمل الصالح ودخولهما إلى الجنة، ويبين أهمية الكتاب والسنة في التمييز بين أهل الإيمان والكفر. يدخل العبد الجنة برحمة الله وفضله.
يفسر المقطع آية الطلاق ويبين دلالتها على عظمة الله وقدرته من خلال خلق سبع سماوات وأراضين وتنزيل الأمر بينهن، مما يدل على قدرة الله وعلمه.
يتضمن المقطع الدعاء للنبي بالصلاة والسلام عليه وعلى آله وصحبه، ويعتبر هذا الدعاء وسيلة للتقرب إلى الله ومن علامات حب النبي وتقديره.
﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. قال المفسّر رحمه الله: «رَسُولًا» أي محمدًا صلى الله عليه وسلم منصوب بفعل مقدّر، أي وأرسل يتلو عليكم آيات الله مُبَيِّنات بفتح الياء وكسرها كما تقدّم. «لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» بعد مجيء الذكر والرسول من الظلمات - الكفر الذي كانوا عليه - إلى النور - الإيمان الذي قام بهم بعد الكفر. «وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ» وفي قراءة «ندخله» «جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا» هو رزق الجنة التي لا ينقطع نعيمها. «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ» يعني سبع أراضين. «يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ» الوحي «بَيْنَهُنَّ» بين السماوات والأرض، ينزل به جبريل من السماء السابعة إلى الأرض السابعة. «لِتَعْلَمُوا» متعلق بمحذوف، أي أعلمكم بذلك الخلق والتنزيل «أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا». بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فما زلنا في هذه الآيات العظيمات من هذه السورة - سورة الطلاق - التي ملئت بعدد من الحكم والأحكام. وفي هذه الآيات التي ختمت بها هذه السورة يقول الله عز وجل: «رَسُولًا». قال المفسر رحمه الله: أي محمدًا صلى الله عليه وسلم منصوب بفعل مقدّر، أي وأرسل رسولًا. هذا وجه، ووجه آخر أحسن منه وأفضل أن يكون «رَسُولًا» مرتبطًا بـ «ذِكْرًا» ترجمة وتوضيحًا ووصفًا له، أي قد أنزل الله إليكم ذكرًا رسولًا. وهذا أقرب. وقد ذكر ابن جرير رحمه الله تعالى أن «رَسُولًا» ترجمة للذكر ومعناه: أن الله عز وجل أرسل إليكم ذكرًا موضحًا برسوله. فالرسول صلى الله عليه وسلم مُبَيِّن للناس ما جاء في الذكر. وقد جاء معنى ذلك في آيات كثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ». فأرسل رسوله بالهدى وأرسله يوضح هذا الهدى ويظهره. «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» بتوضيح وتبيين ما أرسلت به من هذا الصراط المستقيم والدين القويم، ومنه الذكر الذي أنزله الله سبحانه وتعالى. وقوله رحمه الله: «يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ» إراءة سبعية. قال: بفتح الياء وكسرها «مُبَيَّناتٍ» و«مُبَيِّناتٍ». فالله عز وجل أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم يوضح الذكر ويتلو عليهم آيات - أي القرآن - مُبَيِّنات، أي مُوضِّحات لدين الله عز وجل وشرعه. وآيات الله الأخرى فالقرآن يفسر القرآن، والقرآن يفسر ويبين ويوضح أحكام الله. وهكذا سنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية والتقريرية توضح وتبين الذكر الذي بعث به عليه الصلاة والسلام. فـ «مُبَيِّنات» مُوضِّحات لغيرها، و«مُبَيَّنات» واضحات في نفسها. وهذا من فوائد أوجه القراءات. وكلتا القراءتين قراءة سبعية مشهورة، كما أشار إلى ذلك بالتعليق بالفتح قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وشعبة «مُبَيَّناتٍ»، وبالكسر قراءة حفص والبقية. وقوله رحمه الله تعالى: «لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ» قال: بعد مجيء الذكر والرسول. ومعناه: بالكتاب والسنة وما بُيِّن بهما يكون الناس على فريقين: أهل إيمان وصلاح، وأهل ظلم وكفر. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنته». رواه الحاكم وغيره بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة، ومن ابن عباس. وهكذا كذلك الآيات الكثيرة التي فيها هذا المعنى. فما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسنة وما وضح فيهما وبيّن يخرج الناس الذين آمنوا بما فيهما وعملوا إلى ما فيه الخير من الظلمات إلى النور. ظلمات الجهل والكفر والشر والنفاق والبدعة والمعصية وغيرها من الظلمات، ظلمات الخرافة والخزعبلات والخوف، ظلمات كثيرة إلى نور الإيمان والإسلام والقرآن وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، إلى نور الطمأنينة والراحة واليقين. قال: «إلى النور - الإيمان الذي قام بهم بعد الكفر». وهذا من النور، وإلا فالنور حسي ومعنوي في أشياء كثيرة، والظلم حسي ومعنوي في أشياء كثيرة، حتى الوجوه تظلم بالشركيات والوثنيات والخرافات والخزعبلات والنفاق والبدع والمعاصي. والحياة تظلم والجوارح تظلم، فتؤثر هذه كلها على أصحابها بالظلمة الحسية والمعنوية. والعكس بالعكس، فطريق الإيمان والعمل والعلم يكسب النور. قال: «وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ» قال: وفي قراءة «ندخله» قراءتان سبعيتان مشهورتان كذلك. فقراءة نافع وابن عامر «ندخله» بالنون، والبقية قرأوا بالياء، وهي قراءتنا حفصًا عن عاصم. والمعنى: ندخله، أي الله سبحانه وتعالى يدخله. اختلف في الضمير على يعود إلى العمل الصالح، فهو سبب يدخل صاحبه إلى الجنة. والعلم والإيمان سبب يدخل صاحبه إلى الجنة. وإلا لا أحد يدخل الجنة بعمله، ولكن بفضل الله سبحانه وتعالى ورحمته، فهو السبب. كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل الجنة أحد بعمله». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». فلولا أن الله يمن على العبد بما وفق للعلم ولا العمل ولا الإيمان، ولكن الله عز وجل هو الذي يهدي ويوفق ويسدد ويعين وينصر ويؤيد حتى يصل الإنسان إلى العلم والعمل ويوفق إلى حسن الخاتمة فيهما، وكذلك غير ذلك من معاني التوفيق والتسديد. ومع ذلك لا ينافي أن يكون سببًا. كما قال الله عز وجل: «تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ». وقوله سبحانه: «جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا». فليست جنة واحدة، بل جنات يجعلها الله عز وجل لمن آمن به وعمل صالحًا. فلابد من العلم والعمل والإيمان والبرهان. وإذا فعل ذلك المؤمن جازاه الله بعظيم رحمته وواسع فضله بجنات تجري من تحتها الأنهار، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كما صح معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث. «خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا» أبد الآبدين، فضل من الله عظيم. عملوا في الدنيا قليلًا وجازاهم في الآخرة كثيرًا. «قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا». قال: هو رزق الجنة الذي لا ينقطع نعيمها. والصحيح أن رزقًا نكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، فيتناول الرزق الحسي من نعيم الجنة المتنوع مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، والمعنوي مما يكون بالفرحة والبهجة والسرور وغير ذلك من أنواع النعيم، ومنه رؤية الله سبحانه وتعالى. وقول سبحانه: «اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ». قال: يعني سبع أراضين. أورد الله عز وجل هذه الآية التي ختم بها هذه السورة لبيان عظمته سبحانه وتعالى الذي به يكون الوصول إلى تعظيم ما شرع الله. لما كانت هذه السورة مليئة بالأحكام المنزلة من عند الله عز وجل ختمت بهذه الآية بتعظيم الرب العظيم الذي من عظمته خلق هذه السماوات العظيمة الواسعة التي لا يحيط الإنسان بضعفه بها، والأرض كذلك العظيمة الواسعة التي لا يحيط الإنسان بضعفه بها، بل وأعظم من هذا سبع سماوات مترادفات متطابقات، وسبع أراضين مترادفات متطابقات. وليس هذا فحسب، بل الله عز وجل يدبر كل ما في هذه السماوات السبع والأراضين السبع بكل معاني التدبير. وهذا هو قوله في تنزيل الوحي: «يتنزل الأمر»، أي الوحي. وهذا من التفسير ببعض المعنى، بل ينزل كل شيء: الوحي والأرزاق والأقدار وكل ما يكون به تدبير ما في السماوات والأرض السبع. وقوله: «بَيْنَهُنَّ». قال: بين السماوات والأرض، ينزل به جبريل من السماء السابعة إلى الأرض السابعة. والصحيح أن هذا من التفسير ببعض المعنى، فنزول ما بين السماوات وما بين الأرضين ليس فقط الوحي، بل كل معاني ما ينزل من عند الله عز وجل من أمره الشرعي وأمره القدري، ومن أمره القدري ما يكون به الأرزاق وما يكون به الأقدار وما يكون به أنواع العقوبات وما يكون به كذلك أنواع التدبيرات. ففي كل طبقة من طبقات السماوات والأرض من مخلوقات الله ما لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى، ما لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى. ولم يحط الإنسان من علم الله عز وجل إلا بالشيء اليسير. ولهذا ختم بقوله: «لِتَعْلَمُوا» قال: متعلق بمحذوف، أعلمكم بذلك الخلق والتنزيل «أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا». هذا وصف الله العظيم: قدرته واسعة، وعلمه أحاط بكل شيء. وماذا عسى أن يكون عند هذا الإنسان الضعيف الذي لم يحط بما حوله علمًا؟ فكيف لسبع سماوات عظيمة وسبع أراضين عظيمة؟ وفي حديث عائشة بالصحيح: «من اقتطع شبرًا من أرض طوقه الله من سبع أراضين». وهذا تأكيد أن الأرض سبع طبقات، وأنها ليست أرضًا واحدة، بل أرض خلف أرض. وفي كل أرض من مخلوقات الله وتدبير الله ما لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى. بل قال بعض أهل العلم: ما نراه في ظاهر هذه الأرض يسير بالنسبة لما خفي علينا في باطن الأرض. وما نراه في هذه السماء من النجوم والأفلاك وما يجري فيها من عجائب مخلوقات الله يسير مع ما خفي علينا من باطن باقي السماوات. ويدل كذلك على عظمة الله سبحانه وتعالى، فإذا كان هذا قليلًا من كثير من عظمة الله، هذا يوجب تعظيم هذا الرب وأمره وشرعه ودينه وأحكامه، فيستجاب ويمتثل لها. وهذا هو المقصود من ختم هذه السورة بها. إلى هنا والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.