الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 95، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
افتتح المتحدث بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم وقراءة البسملة. تلا ذلك الحمدلة والثناء على الله رب العالمين تمهيداً للحديث عن مسائل الإيمان والجهاد.
بيّن المقطع أن الجهاد في سبيل الله ثمرة للإيمان الصادق، وقوته تتناسب مع قوة إيمان العبد. كما حذر من قتال الكفار في سبيل الطاغوت واعتباره من شعب الكفر، وميز بين قتال أهل الإيمان وقتال الفرق الباطلة غير المضبوطة بالضوابط الشرعية.
أوضح المقطع أن المسلم قد يقاتل في غير سبيل الله لجهل أو غشاوة دون كفر، وأكد أن أهل الإيمان أولى بالصبر لقتالهم على حق ورجاء ثواب الله. كما أبرز أن التوكل على الله يمنح الثبات والنشاط، بخلاف من يقاتل عن باطل لا ركن له.
استعرض المقطع مواقف ثبات الصحابة والتابعين في المعارك والمناظرات العلمية، مبيناً أن قوة الحق والإيمان تضعف كيد الشيطان. كما أكد أن الله يدافع عن المؤمنين فيضعف سلطان الشيطان، وكلما قوي إيمان العبد بعد عن مكائد الشيطان كما في حال عمر رضي الله عنه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة سعد رحمه الله تعالى: قال عند قول الله جل وعلا: ﴿الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت﴾، وقوله: ﴿وقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا﴾. قال رحمه الله: هذا إخبار من الله بأن المؤمنين يقاتلون في سبيله، وأن الذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت الذي هو الشيطان، فهو في ضمن ذلك عدة فوائد: أن الله عز وجل يبين أن أهل الإيمان إنما يقاتلون في سبيل الله، ما يقاتلون في سبيل غيره، قتالهم في سبيل الله جل وعلا. وقد ذكرنا في الآية الأولى: بيّن الله عز وجل أن الذي لا يقاتل في سبيل الله يقاتل لغرض وغيره، ليس المقصود بهذا القتال، وليس المقصود بهذا الخطاب، وإنما المقصود هو من قاتل في سبيل الله جل وعلا. ثم ذكر أن أهل الإيمان حقيقة هم الذين يقاتلون في سبيل الله، لا يقاتلون لأجل غرض من أغراض الدنيا، ولا لأجل المال، ولا لأجل كذا، وإنما يقاتلون في سبيل الله، وأن الذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت. قال المؤلف رحمه الله: في ضمن ذلك عدة فوائد، منها: أنه بحسب إيمان العبد يكون جهاده في سبيل الله وإخلاصه ومتابعته، فالجهاد في سبيل الله من آثار الإيمان ومقتضياته ولوازمه، لأنه لا أحد يريد أن يقتل ويموت ويفدي بنفسه إلا لأمر عظيم، فالإيمان هو الذي يحمل المؤمن على ذلك، على أنه يرى أن نفسه لله فيفديها لله، ويجعلها في سبيل الله لأنه باعها لله جل وعلا، كما جاء في الآية: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾، فهذا يحتسب أجره عند الله جل وعلا. وقال: أن هذا بحسب إيمان العبد يكون جهاده في سبيل الله، سواء كان الجهاد بالسلاح والسنان، أو سواء كان بالحجة والبيان، وكل ذلك بحسب إيمانه، فكلما كان إيمانه قوياً كان جهاده أقوى، وكان إخلاصه ومتابعته أيضاً أقوى. وأما إذا كان إيمانه ضعيفاً، أو أن إيمانه ليس على الذي أراده الله، فتجد أن متابعته تنقص أولاً، وإخلاصه قد يكون موجوداً لكن جهاده غير صحيح، مثل ما يحصل من بعض الفرق الباطلة التي تدعي الجهاد، فتجدها تقاتل أو تقتل المسلمين، تقتل جنود المسلمين، ولا يقتلون الكفار، وإن قتلوا قتلوا شيئاً يسيراً من الكفار، لكن أكثر قتالهم وأكثر فتنتهم تكون بين المسلمين، وتكون في ديار المسلمين، يضيقون على أهل الإسلام حتى يتسلط عليهم الكفار، لأن الكفار إذا رأوا الضعف في المسلمين تسلطوا عليهم ودخلوا في شؤونهم، وهذا كله بسبب هذه الفرق الباطلة التي تحدث الفتن في بلاد أهل الإسلام، فجهاد مثل هؤلاء تكون متابعتهم... أي جهادهم ليس صحيحاً وغير مضبوط بالضوابط الشرعية التي قد ذكرنا منها في الآية السابقة. قال: ويكون جهاده في سبيل الله وإخلاصه متابعته، فالجهاد في سبيل الله من آثار الإيمان ومقتضياته ولوازمه، كما أن القتال في سبيل الطاغوت من شعب الكفر ومقتضياته. فهذا الجهاد في سبيل الله من مقتضيات الإيمان ومن لوازم الإيمان أن المؤمن يقاتل في سبيل الله، ويدفع عن دين الله جل وعلا، ويدفع عن أهل الإسلام، والكافر الذي يقاتل في سبيل الطاغوت، فإذا قاتل مسلم على غير القتال الصحيح فهو ليس على شعب الإيمان، وإنما على هدي الكفار، لكن قد لا يكون كافراً، وإنما عنده شيء مما يعتاده الكفار، وهذا موجود في الشريعة كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن القيم وغيرهما، أن العبد المسلم قد يكون عنده إيمان وعنده بعض شعب الكفر، وقد يكون أيضاً كافراً وعنده بعض شعب الإيمان، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ثنتان في أمتي هما بهما كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت»، وقال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، فقد يكون الشخص فيه جاهلية، وفيه كفر وشعب الكفر، لكنه ليس بكافر، فلذلك قد يقاتل المسلم في غير سبيل الله، بل قد يكون ينصر الطاغوت وينصر الشيطان في قتاله، لكنه لا يتعمد هذا، أو أنه مغشوش، معنى غشاوة في تصوره، وغشاوة أيضاً كذلك في اعتقاده، فيتجده يقاتل في سبيل الطاغوت والعياذ بالله، سبيل الشيطان، ويقاتل الدفاع عن أمور من الكبائر، وأمور أيضاً كذلك مما لم يبح الله عز وجل. قالوا: منها أن الذي يقاتل في سبيل الله ينبغي له ويحسن منه من الصبر والجلد ما لا يقوم به غيره، فإذا كان أولياء الشيطان يصبرون ويقاتلون وهم على باطل، فأهل الحق أولى بذلك، كما قال تعالى في هذا المعنى: ﴿إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون﴾. معنى أن الله عز وجل... معنى هذا الكلام: أن الله عز وجل ذكر قتال أهل الإيمان في سبيله، وتجلد أيضاً الكفار في قتالهم في سبيل الطاغوت، فلذلك الذي ينبغي على أهل الإيمان الصبر والجلد، وأيضاً التصبر، يصبرون أنفسهم في سبيل الله جل وعلا، لا يملون ولا يكلون، ولا أيضاً كذلك يتقهقرون عن الجهاد في سبيل الله، بل يكونون من الشجعان، ومن من يقدم لأجل أن يفدي دين الله جل وعلا بنفسه وبماله، فلذلك كأن الله عز وجل يحث أهل الإيمان على المقاتلة في سبيله، ويكونون أجلد وأصبر من أهل الطاغوت، ومن من يقاتل في سبيل الطاغوت، هؤلاء يقاتلون على باطل، يقاتلون على دنيا، يقاتلون على كذا من غيره مما لا يرضي الله، وأنت تقاتل لله عز وجل الذي خلقك، والذي سخر لك ما في السماوات وما في الأرض، تقاتل في سبيله، أما أولئك فيقاتلون على شيء لم يكن معروفاً، فأنت من باب أولى أنك تكون أفضل منهم وأعظم منهم. ولهذا قال الشيخ: وهذا يشبه معنى قوله جل وعلا: ﴿إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون﴾، لكن أي شيء الفرق؟ الفرق أنكم ﴿وترجون من الله ما لا يرجون﴾، أنتم ترجون شيئاً من الخير والثواب من الله جل وعلا، وهو حق جل وعلا، وهو أيضاً أهل سبحانه وتعالى، فلذلك فأنتم على خير، وأنتم على مطلب ومقصد، وأما هؤلاء وإن كانوا يألمون وإن كانوا يصبرون، لكنهم ليسوا على شيء. قالوا: منها أن الذي يقاتل في سبيل الله معتمداً على ركن وثيق وهو الحق والتوكل على الله، فصاحب القوة والركن الوثيق يطلب منه من الصبر والثبات والنشاط ما لا يطلب ممن يقاتل عن الباطل الذي لا حقيقة له ولا عاقبة حميدة، فلذلك قال تعالى: ﴿فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا﴾، فهذا أيضاً من الفرق، أو من الفوائد العظيمة التي تأخذ من هذه الآية، أن من يقاتل على ركن وثيق يكون أشجع، ويكون أيضاً إقباله أعظم، لأنه صاحب القوة والركن الوثيق، فهذا يكون صبره وثباته أعظم، ونشاطه أيضاً في تلك الحرب أو تلك المواجهة أو تلك الخصومة يكون نشاطه أعظم، لأنه عنده ركن شديد يرتكن إليه وصاحب قوة، وأما هؤلاء الذين يقاتلونه، وهؤلاء الذين يخاصمونه، هم على باطل، وليس معهم ركن يركنون إليه. ولهذا قال: لما قال لوط عليه السلام: ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾، قال الملائكة: ﴿يا لوط إنا رسل ربك﴾، معنى: أنت على ركن شديد، وبين خصمك وخاصمهم لأنك معك ركن شديد وركن وثيق، فصاحب الركن وصاحب القوة يكون عزيزاً، يكون نشيطاً، معنى يصبر ويثبت لا يتزعزع. وكان هذا حال أهل الإيمان في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله، وكذلك ما بعده لمن تأمل التاريخ، وقرأ في التاريخ كيف كان ثبات الصحابة رضي الله تعالى عنهم أمام العدو وتصبرهم، وكذلك أيضاً ما يكون من قتالهم العظيم، وكذلك أيضاً في زمن التابعين وتابعيهم، تجد أشياء عظيمة، أذهلوا... ما كان من القوة العظيمة التي كانت كفارس والروم، فأذهلوهم بقوة الإيمان وقوة القتال، على أن يقاتل جيش صغير جيشاً عظيماً، ويثبت هذا الجيش الذي هو قليل، في معركة دمشق لما دخل خالد إلى دمشق رضي الله عنه، تجمعت جيوش الروم كلها، تجمعت جيوش الروم كلها حتى صاروا يقولون أنهم تسعمائة ألف، معنى من كثرتها، وكان جيش المسلمين ستة آلاف، ثم مدهم عمر بشيء أيضاً من الجيش، لكن ثبتوا، وصار النصر لهم، وخذل الكفار، وقتلوا وشردوا، ودخل خالد إلى دمشق وهو فاتح لها ومعه جيشه من أهل الإيمان، ومن يقرأ التاريخ يرى عجباً في مثل هذه الوقائع العظيمة التي حصلت، وكيف واجه أولئك أهل الإيمان أهل الكفر. وكذلك أيضاً حتى في بيان الحجة، وفي بيان الحجة يجد أن أهل السنة وأهل العلم ممن يتبع السلف، ومن يتبع دين الله جل وعلا، تجد حجته قوية جداً، تجد حجته قوية جداً على أهل الباطل، لا يستطيعون أن يصمدوا مع حجة الحق، انظر إلى المناظرات التي حصلت عند بعض الملوك، كمناظرة أحمد رحمه الله لأهل الباطل من الجهمية، مناظرة إسحاق لبعض أيضاً الجهمية وغيرهم، إسحاق بن إبراهيم عند ابن طاهر، وكذلك أيضاً غيرهم من بعدهم كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، ممن ناضل، وأيضاً ممن دافع عن الحق وصبر وثبت حتى نصره الله عز وجل. فلذلك من هذه الفوائد العظيمة: أن الذي يقاتل في سبيل الله معتمداً على ركن وثيق وهو الحق، ومتوكلا على الله، فهو صاحب قوة وصاحب ركن يركن إليه، فلذلك يكون على ثبات وعلى صبر وعلى نشاط، كما ذكر الشيخ. قال: ﴿فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا﴾، قال: والكيد: سلوك الطرق الخفية في ضرر العدو، فالشيطان وإن بلغ مكره مهما بلغ، فإنه في غاية الضعف، الذي لا يقوم لأدنى شيء من الحق، ولا لكيد الله لعباده المؤمنين، ولهذا لا يستطيع أن يكيد أهل الإيمان إلا... ﴿عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾، ﴿إلا من اتبعك من الغاوين﴾، الله عز وجل يبين أن عباد الله أهل الإيمان لا يستطيعهم الشيطان لأن كيده ضعيف، مهما كان، فإنهم يرجعون، مهما أوقعهم في الخطأ، فإنهم يتوبون ويرجعون إلى الله جل وعلا، فيكيدون الشيطان، وكذلك يذهبون بكيده، ويضعفون... ويضعفون كيده، فيتلاشى بعد ذلك هذا الكيد، فلا يؤثر فيهم، فتكون قلوبهم قلوباً صافية نظيفة ومقبلة على الله جل وعلا، لا يستطيع الشيطان أن يضرهم، أو أن يجعلهم في زلل، بل إذا حصل منهم الشيء رجعوا إلى الله جل وعلا، فالشيطان وإن بلغ مكره مهما بلغ، فإنه في غاية الضعف، الذي لا يقوم لأدنى شيء من الحق، كما قال الشيخ، ولا لكيد الله لعباده المؤمنين، فالله عز وجل يدافع عن الذين آمنوا، ومن مدافعته سبحانه وتعالى أنه يدافع عنهم، يدفع عنهم كيد الشيطان، فيضعف الشيطان عند هؤلاء، فلذلك كلما قوي العبد إيمانه كلما ابتعد عنه الشيطان، حتى أن عمر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما سلكت فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجك»، حتى بلغ هذا المبلغ، أن الشيطان لا يستطيع أن يمر حتى في المكان الذي يمر فيه عمر رضي الله تعالى عنه، فلذلك فكلما قوي إيمان العبد تسلط على الشيطان، ولم يستطع الشيطان أن يكيده بشيء، فنسأل الله عز وجل أن يعصمنا من الشيطان الرجيم، والحمد لله رب العالمين.