الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 56، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ ابن تيمية مسألة معرفة حسن الأفعال وقبحها، واختلاف العلماء في ذلك إلى ثلاثة أقوال. يرى البعض أن المعرفة تكون بالشرع فقط، بينما يرى آخرون أن العقل قادر على التمييز بين الحسن والقبيح.
يناقش المقطع فطرة الإنسان عند الولادة ومسؤولية الله في إرسال الرسل. يبين أن الله لا يعذب أحدا حتى يبعث إليه رسولا، ويرد على بعض الفرق التي تناقش هذه القضية.
يتناول المقطع مسألة التحسين والتقبيح وعلاقتها بقيام الحجة على من بلغته الرسالة. التأثيم يكون بمن بلغته حجة الله بشرعه ودينه، وأهل السنة في هذا الخصوص وسط بين طوائف أخرى.
يشير المقطع إلى أن ما تبقى من كلام الشخص المذكور واضح ولا يحتاج إلى تفصيل إضافي. يتم ختام الكتابة بالتوكل على علم الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الشيخ الإسلام ابن تيمي رحمه الله: كتابي «الجواب الصحيح من الدين المسيح» وقد تنازع الناس في حسن الأفعال وقبحها، كحسن العدل والتوحيد والصدق، وقبح الظلم والشرك والكذب، هل يعلموا بالعقل أم لا يعلموا إلا بالسمع؟ وإذا قيل: إنه يعلموا بالعقل، فهل يعاقب من فعل ذلك قبل أن يأتيه رسول؟ على ثلاثة أقوال معروفة في أصحاب الأئمة وغيرهم. وهي ثلاثة أقوال لأصحاب الإمام أحمد وغيرهم، فقال طائفة: لا يعرف ذلك إلا بالشرع لا بالعقل، وهذا قول نظار المجبرة كالجهم بن صفوان وأمثاله، وهو قول أبي الحسن الأشعري وأتباعه من أصحاب الأئمة الأربعة، كالقاضي أبي بكر بن الطيم، وأبي عبد الله بن حامد، والقاضي أبي يعلى، وأبي المعالي، وأبي الوفاء بن عقيل وغيرهم. وقيل: بل قد يعلم حسن الأفعال وقبحها بالعقل، قال أبو الخطاب محفوظ من أحمد: وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين، وهذا هو المنقول عن أبي حنيفة نفسه، وعليه عامة أصحابه، وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأهل الحديث، كأبي الحسن التميمي، وأبي الخطاب، وأبي بكر القفال، وأبي نصر السجزي، وأبي القاسم سعد بن علي الزنجاني، وهو قول الكرامية وغيرهم من نظار المثبنة للقدر، وهو قول المعتزلة وغيرهم من نظار القدرية. ثم هؤلاء على قولين: منهم من يقول: يستحقون عذاب الآخرة بمجرد مخالفتهم للعقل، كقول المعتزلة والحنفية وأبي الخطاب. وقول هؤلاء مخالف للكتاب والسنة. ومنهم من يقول: بل لا يعذبون حتى يبعث إليهم رسول، كما دل عليه الكتاب والسنة، لكن أفعالهم تكون مذمومة ممقوطة، يذمها الله ويبغضها، ويوصفون بالكفر الذي يذمه الله ويبغضه، وإن كان لا يعذبهم حتى يبعث إليهم رسولا. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب». وإن ربي قال لي: «قم في قريش فأنذرهم، قلت: إذن يثلغ رأسي حتى يدعوه خبزة». قال: «إني مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرأه نائما ويقضان، فابعث جندا أبعث مثليهم، وقاتل بمن أطاعك من عصاك، وأنفق أنفق عليك». وقال: «إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا». وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «كل مولود يولد على الفطرة»، وفي رواية: «على هذه الملة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء». ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: «اقرأوا إن شئتم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾». قيل: يا رسول الله، أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغير؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». ومع مقت الله لهم فقد أخبر أنه لم يكن ليعذبهم حتى يبعث إليهم رسولا، وهذا يدل على إبطال قول من قال: إنهم لم يكونوا مسيئين ولا مرتكبين لقبح حتى جاء السمع، وقول من قال: إنهم كانوا معذبين بدون السمع، إما لقيام الحجة بالعقل كما يقوله من يقولهم يا القدرية، وإما لمحض المشيئة كما يقوله المجبرة. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾. فهذا يبين أنه لم يكن ليعذب الكفار حتى يبعث إليهم رسولا، وبيّن أنهم قبل الرسول كانوا قد اكتسبوا الأعمال التي توجب المقت والذنب، وهي سبب للعذاب، لكن شرط العذاب قيام الحجة عليهم بالرسالة. هذا من المؤلف رحمه الله، كذلك تتم لهذا الفصل، وهو منه رحمه الله تعالى، إشارة إلى أن بعض ما عند المسلمين هو من جنس ما عند النصارى من مسابقة العقل للشرع، أو كذلك تعطيل العقل ومعارضة الشرع به، وكل المذهبين باطل مذموم، وكان عليه طوائف من اليهود والنصارى. وهل البدع التي وقعت في المسلمين إلا هي وليدة بعض ما كان عند أهل البدع والضلال من اليهود والنصارى؟ كما قال عليه الصلاة والسلام: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ الْقُدَّةِ بِالْقُدَّةِ». فمسألة قيام الحجة على من بلغته دعوة الرسل أصل أصيل دلت عليه دعوة الأنبياء جميعا، ومنها دين الإسلام. وفي ضمن هذا المبحث مباحث كثيرة ضل فيها من ضل من أهل الكتاب، وهكذا كذلك من جنسهم طوائف من المسلمين. ولهذا أشار رحمه الله إلى مسألة التحسين والتقبيح بهذه الإشارة، والمقصود من ذلك بيان فساد مذهب اليهود والنصارى في عين هذه المسألة، وعلاقتها كذلك بمسألة قيام الحجة على من بلغته الرسالة. وأن التأثيم إنما يكون بمن بلغته حجة الله بشرعه ودينه، وما كنا معذبين حتى نرسل رسولا، مع أن العقل يميز الطيب من الخبيث، والنافع من الضار، وكذلك الحسن من القبيح، لكن ليس هذا مناط العذاب خلافا للمعتزلة. وفي الطرف الآخر كذلك لا تعطل الحكم خلافا للأشاعرة والماتريدية أو بعض الماتريدية فيما يتعلق بهذه المسألة، مسألة التحسين والتقبيح. وأهل السنة في هذا وسط بين هذه الطوائف، كما أشار رحمه الله. وقد بسط الكلام رحمه الله لهذه المسألة في مواضع من كتبه، منها ما ذكره في كتابه العظيم «درء تعارض العقل والنقل»، والذي أبان فيه رحمه الله علاقة هذه الأقوال بأقوال اليهود والنصارى الذين هم منشأ أكثر الضلالات التي دخلت على المسلمين. فما دخل على المسلمين هي عبارة عن زبالات أفكار من سبق من الأمم السابقة، وهذا هو حقيقة الأمر. لأنه قد يقول قائل: كيف يخاطب شيخ الإسلام رحمه الله قوم النصارى بمثل هذه المباحث والخلافات بين المسلمين؟ الجواب: شيخ الإسلام يخاطب قوما يعرفون هذه الأقوال لأن من شأنها من عندهم، ويخاطب قوما يقولون بمعنى هذه الأقوال ولهم فيها آراء ومذاهب. وهل جاءت عند المسلمين إلا من جهتهم؟ وهو هذا يخاطبهم بما يعرفون، خصوصا وأنه يخاطب العرب من النصارى، فإن من كتب هذا الكتاب هم بعض نصارى العرب الذين أرادوا التلبيس والتدليس، وهو يخاطبهم وهو يعرف أنهم يفهمون ويعرفون مثل هذا الكلام. وباقي كلامه رحمه الله ظاهر فيما يغني عن الإطالة في هذا. نكتب بهذا والله تعالى أعلم.