الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 9، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل تحريم عبادة الله في الأماكن التي تعبد فيها غيره، ويشرح أحكام النذر وحديث النبي صلى الله عليه وسلم حول نذر رجل نحر إبل في موضع معين. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوفاء بالنذر في مثل هذه الأماكن.
يتناول هذا الفصل تحريم الأعياد الجاهلية وخطورتها على المسلمين، حيث تسبب التفرق والاختلاف بينهم وتورث التعاضم والتباغض. هذه الأعياد غالبًا ما تكون دخيلة على المسلمين من الكفار وتتضمن محرمات ومخالفات لدين الله.
يلخص هذا الفصل مسائل الحديث النبوي ويبرز أهمها فيما يتعلق بسد ذريعة الشرك وحماية التوحيد. يشير إلى اكتفاء المؤلف بذكر تلك المسائل والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخنا أبو عبد الرحمن، غفر الله لنا وله وللمؤمنين: الحديث التاسع. قال الإمام أبو داود رحمه الله في سننه: حدثنا داود بن رشيد، قال: حدثنا شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو قلابة، قال: حدثني ثابت بن الضحاك، قال: نذر رجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ببوانه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» قالوا: لا. قال: «هل كان فيها عيد من أعيادهم؟» قالوا: لا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم». قال شيخنا غفر الله له: صححه الشيخان الألباني في صحيح أبي داود، رقم ثلاثمائة وثلاثة عشر وثلاثة آلاف، والوادعي في الصحيح المسند، المجلد الأول، صفحة مئة وسبعة وخمسين. هذا الحديث من الأحاديث العظيمة، خصوصا فيما يتعلق بباب الاعتقاد. وقد ذكر هذا الحديث أبو داود رحمه الله تعالى في كتاب النذر، في المجلد التاسع بعون المعبود، وذكره شيخنا رحمه الله تعالى في الصحيح المسند في مسندي ثابت بن الضحاك. وفي هذا الحديث مجموعة من المسائل، من أولها وأهمها: أنه لا يجوز أن يعبد الله جل وعلا في موضع يقع فيه عبادة غيره. لا يجوز أن يعبد الله عز وجل في موضع يعبد فيه غيره، وأن ذلك من ذرائع الشرك التي منعت في الإسلام حماية لحمى التوحيد. وهذا الحديث فيه هذا المعنى، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين بسؤاله: «هل فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» على أنه لا يجوز أن يطاع الله جل وعلا في موضع يعبد معه غيره، حتى لا يحصل اللبس، فيظن أن هذه العبادة أريد بها غير الله جل وعلا. فإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أفهم بهذا الحديث أنه لا يجوز عبادة الله في الموضع الذي يعبد فيه غيره، فمن باب أولى إذا كان هذا لأجل شيء مباح. أي: لا يجوز الاجتماع في الموضع الذي يعبد فيه غير الله على الشيء المباح، من باب أولى؛ لأن في ذلك نفس المقصد، وهو وقوع الذريعة المهيجة لوقوع الشرك، من تعظيم ذلك المكان والاجتماع فيه. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كاد أن ينهى هذا الرجل، إذا كان به وثن من أوثان الجاهلية، وهو أراد أن يعبد الله جل وعلا، نذر أن ينحر إبلا ببوانة، وهذا من العبادة، ومع ذلك لله عز وجل. ومع ذلك كاد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهى، لولا أن علم أنه لا وجود لوثن يعبد في ذلك الموضع. وهكذا من باب أولى الأمور المباحة، مثل الذهاب للبيع والشراء، أو الذهاب للقاء بالأقارب ونحوهم. بعضهم يحضر بعض الزيارات الشركية، ويقول: إنما آتي للبيع والشراء. وآخر يقول: إنما آتي لألتقي بإخواني وأقاربي. وآخر يقول: إنما آتي كذلك لحاجة فلانية عند فلان. وهذا كله لا يجوز؛ لأن إتيانه إلى ذلك الموضع فيه تعظيم لهذا الموضع، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وعلى أهل وسلم عن هذا، حماية لحمى التوحيد، وسدا للذريعة الشرك أن تقع. وهكذا كذلك في هذا الحديث: أنه لا يجوز الإتيان إلى المواضع التي فيها عيد من أعياد الجاهلية. ولا عيد في الإسلام إلا عيدان اثنان في السنة، وعيد واحد في الأسبوع. أما عيد السنة، فهو عيد الفطر وعيد الأضحى. وأما عيد الأسبوع، فهو عيد الجمعة. والعيد كما سبق: هو ما يجتمع به الناس ليوم أو أسبوع أو شهر أو سنة. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث أنس: «قد أبدلكم الله بهما خيرا منهما: عيد الفطر وعيد الأضحى». فعلم أنه لا عيد في الإسلام إلا هذين العيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى. وما سوى ذلك، فهو من الأعياد الجاهلية. فإن قال قائل: لماذا كانت هذه من الأعياد الجاهلية؟ وقد يكون فيها أمور مباحة، وقد لا يحصل فيها شيء من المحرمات؟ فيقال: لأن كل الأعياد التي يحتفل بها فيما سوى هذين العيدين، تكون سببا لوقوع الأمور الجاهلية. إما أن يكون فيها تعظيم يوم لا يصح تعظيمه، وهذا ليس من معاني هذا الدين، بل من المعاني التي تنافيه. أو يكون فيه كذلك تعظيم معنى خاص بذلك اليوم، إما شيء من الشعارات التي فيها نعرات جاهلية لقبيلة من القبائل، أو لبلد من البلاد، أو لعرق من العروق، أو لجنس من الأجناس، أو للغة من اللغات، أو غير ذلك. وكل ذلك من أمور الجاهلية. والله عز وجل يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، ويقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فليس في الإسلام شيء من الأمور العنصرية التي تفرق رابطة أهل الإسلام. وهذا الذي يريده أعداء الإسلام، يريد أهل الإسلام أن يستبدلوا بأعياد الإسلام بتلك الأعياد الجاهلية التي تورث التفرق، وتورث كذلك الاختلاف والتباغض. فهذا يحتفل بعيده، وذاك يحتفل بعيده، وذاك يحتفل بعيده، وهكذا كل طائفة وكل بلد وكل فرقة تحتفل بعيد، فيحصل في ذلك من التفرق، ومن كذلك التعاضم بما لا يصح، فيكون في ذلك الشر بين المسلمين. وزد على ذلك: أن أغلب هذه الأعياد الجاهلية لا يعرفها أهل الإسلام، فإنما هي دخيلة عليهم من الكفار. فالكفار هم الذين عرفوا بكثرة الأعياد، وأما أهل الإسلام فلم يعرفوا بذلك. وأكثر الأعياد الموجودة بين المسلمين هي أعياد دخلت عليهم من جهة الكفار. وقد حذرنا ربنا جل وعلا، ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم من اتباع سبيل هؤلاء الكافرين. فإذا كان كذلك، فهذا باب آخر يمنعنا من الاحتفال بأعيادهم. وأمر ثالث: أن غالب هذه الأعياد الجاهلية لا تخلو من محرم، لا تخلو من محرم. إما استعمال آلات اللهو والقرب، وإما حصول الاختلاط والتبرج والسفور، وإما كذلك وقوع معان من معاني التشبه بالكافرين، وإما أن يكون فيه نبذ كذلك لما في الإسلام من أحكام وتشريع، وغير ذلك من المعاني التي يكون فيها مخالفة لدين الله عز وجل. ولأجل هذا كذلك، منع حضور ذلك. وهكذا كذلك، فإن هذه الأعياد لا تخلو كذلك من وقوع شيء ينافي عبادة الله جل وعلا، إما معصية، وإما شرك، وإما كفر، وإما نفاق، وغير ذلك مما يكون فيه تعظيم غير الله جل وعلا؛ لأنها بنيت على غير التقوى، ولم تبنى على أساس الدين. وكل ما لم يبنى على التقوى وأساس الدين، فإنه فيه تعظيم لغير الله. وهذا التعظيم بين أمور ثلاثة: إما شرك أكبر، وإما شرك أصغر، وإما معصية. وكلها مما حرمه الله جل وعلا. وفي هذا الحديث: النهي عن تكثير سواد أعياد الجاهلية، فإنه قال عليه الصلاة والسلام: «هل فيه عيد من أعياد الجاهلية؟» أو قال: «عيد من أعيادهم؟» قالوا: لا. فعلم أنه لو كان، لمنع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ذلك. وفيه من المسائل كذلك: ما يجب أن يكون عليه الفقير والعالم من الانتباه إلى ما يسأل عنه. فإن السائل قد يسأل عن الشيء، فينبغي أن ينتبه أنه ربما يخالط المباح، أو هذا الحلال، ما يمنع من إباحته ومن حليته. فينبغي أن يكون ذلك في مفهوم هذا المسؤول. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل عن النذر بنحر الإبل في هذا الموضع، وظاهره أنه لا شيء فيه. لكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سأل ذلك احتياطا، حتى لا يكون هذا الحلال مشوبا بشيء يمنع من حليته. فهكذا كذلك، إذا سئل إنسان عن شيء، ووجد قرينة، أو كذلك خاف وقوع مثل هذا، فعليه أن يسأل. وهكذا كذلك في هذا الحديث: أن تخصيص مكان معين على غير وجه التعبد، أنه جائز. وأما على وجه التعبد، فإنه من الأمور المحدثة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فاتشي حين وجد هذا الرجل خص هذا الموضع: «إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة». وبوانة اسم موضع، قيل: إنه بالقرب من ينبع، وهي بلدة قريبة من مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى جهة البحر. وقيل: إنها في جهة يلملم. وسواء كانت هذه أو كانت هذه، فالمهم أنه اسم موضع. فهذا الموضع، كون الرجل خصه به، احتاج عند ذلك السؤال بهذا السؤال، كما سأل النبي عليه الصلاة والسلام. ففهم منه هذا المعنى: أن من خص موضعا على وجه التعبد، فإن ذلك يعد من الأمور المحدثة، كما نص على ذلك ابن حزم رحمه الله تعالى في بعض كتبه، وذكره العلماء من بعده: أن من خص زمانا أو مكانا بعبادة من العبادات، لم يأت الدليل على تخصيصه به، صار هذا من البدع. وفي هذا الحديث كذلك: أن النذر يوفى به، ما لم يكن معصية، وما لم يكن كذلك فيما لا يملك الإنسان. وبه استدل العلماء على جواز النذر بالمباح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك». فعلم بهذا: أن ما كان مباحا، فإنه يوفى به. وقد اختلف العلماء في النذر بالمباح: هل يجوز أو لا يجوز؟ لأن بعضهم منع منه، لما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لا وفاء بنذر إلا فيما ابتغي به وجه الله». وأجيب عن مثل هذا المنع بجوابين: الجواب الأول: أن هذا الحديث فيه كلام. والجواب الثاني: أنه لو صح، لحمل أن المباح في الغالب يبتغى به وجه الله. فليس المراد ابتغى وجه الله: أن يكون واجبا أو مستحبا، وإنما المراد بذلك: أن يقصد به وجه الله. وما من شيء ينذر به، ولو كان مباحا، إلا ويكون فيه كذلك قصد وجه الله جل وعلا. مثال النذر بالمباح: مثل أن ينذر مثلا أن يزرع أشجارا. زراعة الأشجار من المباح. فهل يجب الوفاء بمثل ذلك؟ هذا الذي اختلف به أهل العلم. فيقولون: أن مثل هذا المباح في الغالب يخالطه معنى ابتغاء وجه الله. وهكذا كذلك في هذا الحديث: أن نهي عن النذر في معصية الله، مثل أن ينذر مثلا أن يضرب بآلات اللهو، ويتطرب في عرس فلان. فهذا لا يجوز الوفاء به؛ لأنه نذر في معصية. وقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن النذر بالمعصية. فإن لم يقع هذا النذر، ولا يجوز، فهل يجب فيه شيء؟ قال بعض أهل العلم: أنه فيه كفارة يمين، لما جاء في بعض الأحاديث. وقال بعض أهل العلم: بل ليس فيه شيء؛ لأنه لا يعني عقدا أصلا. وما جاء من الأحاديث في هذا الباب، فيها ضعف. وهكذا كذلك الأخير: أنه لا نذر فيما لا يملك ابن آدم؛ لأنه ليس مما كلف به، ولا مما كذلك يخاطب به. فلأجل هذا لا نذر فيه، مثل أن ينذر أن يذبح ناقة فلان. فهذا لا يجوز؛ لأنه فيه اعتداء على مال الآخرين، وهو من المعصية كذلك. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث المسائل، وأهم مسائله ما سبق ذكره مما يتعلق بسد ذريعة الشرك، وحماية حمى التوحيد في تلك المسائل. وبه نكتفي، الحمد لله رب العالمين.