الحج المبرور

الدرس في الحج المبرور، محاضرة صفة الحج المبرور الجمعة 17 ذو القعدة 1427هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية تعلم أحكام الحج وآدابه

يؤكد الشيخ على أهمية تعلم أحكام الحج لمن يريد أداء هذه الفريضة، ويجب على المسلم أن يتعلم مناسك الحج ليؤديه على الوجه الصحيح. كما يشدد على ضرورة الإخلاص واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في أداء الحج.

آداب الحج والسفر واجتناب المحرمات

ينبغي للحاج أن يجتنب المحرمات أثناء سفره للحج، وأن يتحرى طاعة الله عز وجل، ويحرص على الرفقة الصالحة، ويؤدي الحقوق الواجبة عليه، ويتعلم آداب السفر وأحكام الحج. كما يشدد على أهمية الرفق والسكينة وعدم إيذاء الناس أثناء الحج.

مواقيت الإحرام ومحظوراته

يشرح المواقيت المكانية للإحرام للحج والعمرة ومحظورات الإحرام للرجال والنساء، مثل لبس الثياب المحيطة بالجسد للرجال وتغطية الوجه والكفين للنساء، ويذكر النهي عن مباشرة النساء والطيب أثناء الإحرام. كما يستحب للحاج أن يغتسل قبل لبس الإحرام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾، ويقول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، وقال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. وبالصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان». وجاء في صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا». فقال رجل: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم». فهذه عباد الله أدلة من الكتاب والسنة تدل على فرضية هذه العبادة العظيمة، ألا وهو الحج، فإنها من فرائض هذا الدين وركن من أركان الإسلام، لا يتم إيمان العبد ولا يكمل إلا بالإتيان بهذه الفريضة لمن كان قادرًا عليها مستطيعًا. عباد الله، جعل الله جل وعلا فيه فضائل عظيمة، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام كذلك من فضائل هذا الحج العظيم. فإن هذه العبادة عباد الله تقوم مقام الجهاد في سبيل الله، فقد جاء عند الإمام أحمد وابن ماجه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: «نعم، جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة». واصل الحديث بالصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل الأعمال، أفلا نجاهد؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لكن أفضل الجهاد: حج مبرور». هذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أفضل الجهاد في حق النساء حج مبرور، وذلك عباد الله لما في الحج من مشقة عظيمة، وكذلك أيضًا من بذل للأموال والأنفس. ولهذا قال الإمام رجب رحمه الله: "وإنما كان الحج بمنزلة الجهاد؛ لأنه فيه بذل للنفس وللمال". وهكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». وفي الصحيحين عنه رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». هكذا عباد الله، جعل الله جل وعلا في أداء هذه الفريضة تكفير الخطايا والذنوب، وذلك بمن أدى هذه الفريضة كما أمر الله جل وعلا، وكما أمر عليه الصلاة والسلام. فحرص أن يكون حجه مبرورًا، وأن يتبع ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في بيان هذه الفريضة. فقد قال عليه الصلاة والسلام كما في مسلم من حديث جابر: «خذوا عني مناسككم». فمن أراد أن يؤدي هذه الفريضة على وجه الصحيح وعلى وجه الأكمل، وأن يكون حجه مبرورًا، فعليه أن يحرص على تبع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يتعلم حج النبي عليه الصلاة والسلام، ويعرف كيف كان حجه حتى يحج حجًا صحيحًا. فلذلك عباد الله، وجب على من أراد أداء هذه الفريضة أن يتعلم مناسك الحج، وما الذي يجب عليه، وما الذي كذلك يستحب له، وما الذي يحرم عليه في أداء هذه الفريضة العظيمة. سمعتم عباد الله وإخواني في الله موضوع هذه المحاضرة التي هي مذاكرة في أمر أحكام الحج خصوصًا، وأنه يتهيأ في هذه الأيام الكثير من إخواننا لحج بيت الله الحرام. وكان من هدي نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يعلم أصحابه رضي الله عنهم تعلم هذه الأحكام. كما ثبت في الصحيح في حديث ابن عمر، وجاء معناه عن غيره، أنه قعد عليه الصلاة والسلام في المسجد، ويسأله الناس عن أحكام الحج. فسأله رجل: ما يلبس المحرم؟ فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا يلبس المحرم القميص، ولا العمائم، ولا السراويل، ولا البرانس». الحديث حديث ابن عمر في الصحيحين. وهذا يدل على أن المسلم ينبغي له أن يتفقه عن أحكام العبادات عمومًا، وعن أحكام الحج على وجه الخصوص. فإن ذلك مما يلزمه. فإن من فريضة الحج تعلم أحكامها ليست فريضة الحج يا عبد الله أن تذهب مع من يذهب إلى حج بيت الله الحرام، ثم لا تدري إذا وصلت إلى هناك ماذا تفعل. وإنما تلتفت عن يمينك وعن يسارك، ترى الناس يفعلون شيئًا فتفعل مثلهم. أو ربما افتأت أن تسأل من معك في الحافلة أو من بجانبك في الطائرة. فصار هو شيخك وهو معلمك وموجهك. وهذا خطأ وتقصير. كيف تبدل الأموال الطائلة وتتعب نفسك وتجهد كذلك وتبدل الجهد الكثير، ثم بعد ذلك يكون التقصير في عدم أداء هذه الفريضة على الوجه الذي يحب ربنا عز وجل ويرضى. فلذلك ينبغي أن يتقرر عند كل مسلم أن ما فرضه الله عز وجل من العبادات عمومًا، ومن أمر الحج على وجه الخصوص، إن من واجباته أن يتعلم المسلم أحكام هذه الفرائض. وهذه الفريضة على وجه الخصوص. ولهذا جاء في حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «خذوا عني مناسككم». أمر أصحابه رضي الله عنهم، وهو أمر للناس أجمعين أن يأخذوا منه عليه الصلاة والسلام المناسك. كيف إلى الله؟ فإلى ذلك يا عبد الله ما قد سمعت من الفضائل. وقد سمعنا بكلمة أخينا حفظه الله عددًا من الفضائل التي في هذا الحج. وهذه الفضائل لا تنال إلا بأن يكمل المسلم هذه العبادة على الوجه الأكمل الذي يحبها ربنا عز وجل ويرضى. الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذلك في حديث أبي هريرة: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». هذا الفضل العظيم والجزاء الكبير. أتظنه يكون لمن لا يبالي بأداء هذا الحج على أي وجه يكون؟ ولمن لا يبالي كذلك بأحكام هذه الفريضة كذلك كيف تؤدى؟ وما هي أركانها واجباتها وشروطها؟ وما هي مكملاتها ومتمماتها؟ إن الكثير من الناس إلا من رحم الله، يغفل عن هذا الأمر العظيم الذي به تصح هذه العبادة. فإن بعض الناس ربما يبطل عبادته، يبطل هذه العبادة وهو لا يشعر. ما ظنك برجل يأتي إلى المسجد ويريد الصلاة، ثم لا يعرف ما هي شروط الصلاة وما هي مبطلاتها؟ يأتي فربما صلى وهو بغير طهارة. هل انتفع من هذا الجود الذي بلله وهو صلى بغير طهارة؟ فما بالك بفريضة مثل هذه الفريضة أوجبها الله عز وجل عليك مرة بالعمر، وربما لا تحج إلا هذه الحجة. ومع ذلك يتهاون الكثير إلا من رحم الله في تعلم أحكامها. ومعرفة شيء من واجباتها. وسيمر بنا في ثنايا وصف حج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والحج الذي ينبغي أن يحجه المسلم شيئًا من هذه الأحكام التي يغفل عنها الكثير من الناس إلا من رحم الله. أول ما ينبغي عليه في هذا المقام أنه ينبغي أن نعلم أن ما جاء من فضائل تدلنا على عظم هذه العبادة. فقد ذكر العلماء أنه ليس شيء من الأعمال يكفر كبائر الذنوب وصغائرها إلا الحج والجهاد في سبيل الله. فإن هذا يدلك يا عبد الله على عظم هذا العمل. وكلما عظم العمل استلزم ذلك إعدادًا أعظم، واستلزم ذلك اعتناء أخص؛ لأن ذلك يقتضي أن يكون عندك حرص على هذا الفضل العظيم، وهذا الخير الكبير العميم الذي ينبغي أن لا تفرط فيه. وهكذا كذلك ينبغي أن نعلم أن هناك آدابًا ينبغي المسلم أن يحرص عليها في أول هذا المقام. أولها أن يعلم أن هذه العبادة كغيرها من العبادات لا تقبل إلا بشرطين اثنين: أولهما الإخلاص، وثانيهما المتابعة. فكل عمل يفتقر لهذين الشرطين حتى يصح، فينبغي أن تعتني بالإخلاص بهذه العبادة. احذر أن تؤدي هذه العبادة عادة كما يؤديها بعض الناس، لا يؤدونها على وجه العبادة وإخلاص العمل لله عز وجل، والإيمان والاحتساب فيها، وإنما عادة؛ لأن الناس يحجون ولا بد على المسلم أن يحج. فإذا هو يحج كما يحج الناس، حتى لا يقال أن فلانًا عنده مال ولم يحج. لا، لا يكون نظرك إلى كلام الناس، ولا يكون هدفك وقصدك هو كذلك إرضاء الناس، وإنما يكون قصدك هو وجه الله سبحانه وتعالى. فينبغي أن تراعي ذلك، احرص على الإخلاص بهذا العمل. كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الصوم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». فعلمنا بذلك أنه ليس كل من أدى العبادة ينال أجرها، ولكن من أدىها على وجه الإيمان والاحتساب، فهو الذي يؤجر من هذه العبادة. فانتبه لهذا المعنى حتى تؤجر الأجر الذي ذكر في فضائل هذه الفريضة. وإنك إذا كنت قد أديتها على وجه العادة لم تنل ذلك الأجر، بل حسبك أن تسقط عن نفسك الواجب. هذا إذا سقط كما قال بعض أهل العلم. وهكذا كذلك احذر من الرياء والسمعة، احذر من الرياء والسمعة؛ فإن الرياء والسمعة وطلب ثناء الناس والعجب بالنفس، أن تغتر بنفسك وتتعاظم أنك استطعت أن تفعل شيء لم يفعله غيرك، يبطن عليك هذه العبادة. والأمر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام بحديث أبي هريرة في مسلم: «من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه». ولا يعني ذلك أن تدخل بالوسوسة، أن تدخل بالوسوسة فتبدأ تشكك نفسك في عمل صالح تعمله وتريد بذلك وجه الله. ولكن المعنى أنك لا تدخل على نفسك شيء من المهان الباطلة التي بها تحرم الأجر في هذه الفريضة. وهكذا كذلك أمر المتابعة، أن تعلم أن تمام أجرك في هذا الحج بتمام متابعتك لهدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه. ليكن سؤالك الأول: ما هو هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذه الأعمال عملًا عملًا، خطوة خطوة؟ كلما أتيت على عمل اسأل: ما هو الأكمل في هدي النبي عليه الصلاة والسلام أو من هدي النبي عليه الصلاة والسلام في هذه العبادة؟ فأنت إذا كان هذا أول ما تهتم به، فلتعلم أنك إن شاء الله موفق، وأنك بإذن الله تعالى تنال أعظم الأجر بحرصك على أكمل أوجه هذه العبادة، وهو انتيادك ومتابعتك للنبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك مما ينبغي أن ينبه له أن هذه العبادة كغيرها من العبادات تشتمل على أعمال كثيرة، وينبغي المسلم أن يفرق في هذه الأعمال بين الواجب والركن والشرط والمستحب، حتى يعرف ما هو الذي ينبغي أن يفعله عند حصول بعض الموانع أو بعض كذلك ما يمنعه من أداء ذلك من العمل أو كذلك أدائه على الوجه الأكمل. لكل مقام المقال كما يقال. وسيمر بنا شيء من ذلك إن شاء الله. وهكذا كذلك مما ينبغي أن ينتبه له الحاج أن الأصل في هذه العبادة هو أنك تؤديها على الوجه الذي يكون فيه الرفق والسكينة والرحمة. فكان من هدي نبينا عليه الصلاة والسلام أنه كان يأمر أصحابه بالسكينة وبالرفق. وهكذا كذلك ينهاهم أن يبغي بعضهم على بعض، حتى في الوصول على أكمل العبادات أو كذلك في التنافس على الخير. فصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لعمر كما في مسند الإمام أحمد بسند صحيح: «يا عمر، إنك رجل قوي، فلا تزاحم على هذا الحجر فتؤذي الضعيف، ولكن إن وجدت فرجة فتناول، وإلا فكبر». يعني كبر من مكانك، ولا تزاحم الناس وتؤذيهم. وأنت أقوى منهم، وربما فيهم من هو أضعف منك. وأيضًا غيره مما صح عنه عليه الصلاة والسلام مما فيه معنى الحرص على الرفق بالناس وعدم أذيتهم. حتى أنه كان عليه الصلاة والسلام يشد على زمام راحلته خشية أن تسرع فتؤذي الناس عليه الصلاة والسلام. وإذا وجد فرجة انصرف يعني أسرع في المشي. وهكذا كذلك نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يحمل السلاح في مكة كذلك؛ حفاظًا على عدم إيذاء من يكون في مكة من الحجيج وغيرهم. وكذلك ألا يكون كذلك فيه إخافة لأحد. فأنت كذلك لا يكون من خلقك أذية الناس ولا إخافتهم، ولا كذلك تتناول في تنقلاتك ما يؤذي الناس، لا شيء حاد من حديدة، كمظلة يكون فيها شيء حاد تجتنبه. أو كذلك عربة فيها أطراف حديدية تؤذي الناس في الطواف أو كذلك في السعي أو غير ذلك مما تؤذي به الناس، اجتنب ذلك. اعلم أن أكمل الحج ما كان أكثر برًا. الحج المبرور ليس له الجزاء إلا الجنة، وأكثر البر هو ما كان أكثر تقوى وأكثر طاعة وأبعد عن الأذية الحسية والمعنوية. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. لا رفث أي لا إتيان للنساء، وهكذا كذلك فسر الرفث: كل فاحش من القول والعمل، كل فاحش من القول والعمل يجتنبه الحاج. لا رفث ولا فسوق، والفسوق هو الخروج عن معنى الاستقامة، سواء كان بالقول أو كان بالعمل. حتى قال بعض أهل العلم: "تعبسك في وجه أخيك بالحج يخشى أن يكون من الفسوق". التعبس والغضب في وجه أخيك بالحج يخشى أن يكون من الفسوق. فوطن نفسك على الصبر، فوطن نفسك على الرحمة وعلى الرفق وعلى اللين الذي به تنال الحج المبرور. وهكذا كذلك لا رفث ولا فسوق ولا جدال. حتى الجدال الذي يثير ضغائن النفوس، الجدال الذي يجد الشحناء والبغضاء، قد نهي عنه الحاج. قد يجوز الجدال في غير الحج، لكنه بالحج يمنع سدًا لهذه الذريعة التي توصل إلى الشحناء والبغضاء والعداوة والتنافر. فقد نهي عنه في الحج. ولا يعني ذلك الجدال العلمي الذي يراد منه الوصول إلى الحق ومعرفة الصواب في المسائل العلمية. فإن هذا مما نبه العلماء على جوازه لعموم الأدلة الأخرى الواردة في هذا الباب. لكن المراد أن المسلم يترك الجدال الذي يوقع في الشحناء. فمثلًا إن كنت معتادًا المساومة في البيع والشراء، فوطن نفسك أثناء حجك وعمرتك ألا تكثر من المساومة في البيع والشراء؛ لأن هذا ربما يوقع في الجدال الذي يوقع معنا الشحناء والبغضاء، ويستثير غائر الصدور. وهكذا إن كنت كذلك من طبعك أن تدقق مع المخطئ وتكثر من اللوم، فاترك ذلك، واقتد بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ فإنه ما كان لوامًا عليه الصلاة والسلام. قال أنس: خدمت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عشر سنين، فما قال لي لشيء فعلته: لو أنك فعلت، ولا قال لي لشيء لم أفعله: لو أنك فعلت. فلم يكن من هديه عليه الصلاة والسلام كثرة اللوم. فكذلك أنت اجتنب ذلك في حياتك كلها، وفي الحج على وجه الخصوص؛ فإن ذلك مما يدخل في معنى الجدال المذموم. وينبغي أن نعلم كذلك أن المسلم ينبغي عليه أن يعتني بأحكام الحج، والأحكام التي توصل إلى هذا الحج. فمن ذلك أن يعتني بماله، أن لا يحج إلا بالمال الحلال الطيب؛ فإن الله طيب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر: «لا يقبل إلا طيبًا، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا». فاحرص على أن تؤدي هذه العبادة من طيب مالك، خصوصًا إذا كنت قد علمت أنك لم تحج حجة الإسلام التي فرضها الله عز وجل عليك إلا مرة واحدة. الحجة الواجبة لن تحجها إلا مرة واحدة، وإن أكثرت من الحج بعد ذلك فهي من نوافل الحج. وأما حجة الإسلام فهي حجة واحدة. فاحرص على أن تكون من خالص وطيب عملك وطيب مالك حتى يقبلها الله عز وجل. وإلا إن لم تكن كذلك، فإنه يخشى أن ترد عليك ولا تقبل منك. وهكذا كذلك تعتني كذلك بالحقوق الأخرى. كما أن الله عز وجل أوجب عليك فريضة الحج، فاعلم أن عليك فرائض أخرى. فلا يطغين حق على حق. فمثلًا إن كنت ستذهب إلى الحج، فكذلك اعلم أن عليك واجب في حق الأبناء، وفي حق الزوجات، وفي حق الوالدين، وفي حق الأقربين جميعًا. فلت حقوق ينبغي أن تراعيها. فلا تذهب حتى تؤدي هذه الحقوق. ليس من البر ولا كذلك من الفضل أن تسعى إلى الحج وتضيع من تعول. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذلك أنه يتمنى أن يضيع من يعول. وهكذا كذلك أن تحرص في ابتداء سفرتك على الآداب الشرعية في السفر. وأولها أن تحرص على طاعة الله عز وجل في سفرك، فاجتنب ما حرم الله من أول السفر إلى آخره، حتى يكون حجك حجا مبرورًا. اجتنب جميع المحرمات. إن كنت ممن ابتلي بالغناء فاترك الغناء؛ لأن الغناء مما حرمه الله وحرمه رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إن كنت ممن ابتلي بشرب الدخان، احرص وجاهد نفسك على ترك الدخان. إن كنت ممن ابتلي بحلق لحيته، احرص واجتهد على عدم حلق اللحية حتى تؤدي هذه الفريضة وأنت لم تعص الله عز وجل فيها. وهكذا اجتنب سائر المحرمات من النظرة المحرمة، ومن مصافحة النساء الأجانب، ومن الخلوة بالمرأة الأجنبية، وغير ذلك مما حرم الله. حتى يكون حجك مبرورًا. ومن ذلك أيضًا أن تحرص على الرفقة الصالحة التي تعينك على طاعة الله، واحذر من الرفقة السيئة التي لا تعينك على الطاعة، بل وربما أعانتك على المعصية، وهيجتك إليها. وإن لم يكن إلا أنهم يتركونك على الغفلة والضياع، فإن ذلك مما لا ينفعك بل يضرك. والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾. ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل». ويقول عليه الصلاة والسلام: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير». فليكن جليسك حامل المسك، لا نافخ الكير الذي إما أن يحرق ديالك، وإما أن يصيبك شيء من شرره ودخانه، أو يؤذيك برائحته. وهكذا كذلك تحرص لسفرتك هذه على آداب السفر. أن إن كان هناك شيء يحتاج إلى وصية، توصي به كما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما حق امرئ مسلم أن يبيت ليلتين أي وعليه حق إلا وكتب وصيته». أي في ذلك الحق. إن كان عليك ديون كتبت هذه الديون. إن كان عليك شيء من المستحقات كتبت ذلك حتى تتخلص وتبرئ ذمتك فيما بينك وبين الله عز وجل. ومن ذلك كذلك أن تستودع أهلك بوديعة الله عز وجل، وتستودع كذلك دينك وأمانتك. وكذلك من ذلك أنك تحرص على آداب السير، وكذلك النزول كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أنهم إذا نزلوا منزلًا يقولون: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». ونحو ذلك من الآداب التي ينبغي أن تتعلمها. فتحرص على اغتناء شيء من الكتب النافعة التي تعينك على معرفة هذه الآداب. وهكذا تستغل رحلتك في سماع وقراءة ما تتفقه في أحكام الحج؛ فإن هذا هو المقصود الذي به تصل إلى البر في هذا الحج، وإلى الإحسان في هذا الحج. كما سمعت. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾. فبين أن التفقه في الدين سبب لصلاح الفرد والمجتمع. وهكذا كذلك على وجه الخصوص في هذه الفريضة. وهكذا على وجه الخصوص، فكما سمعت بحديث جابر بن عبد الله يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «خذوا عني مناسككم». فأنت تحتاج إلى أن تأخذ العلم. وقد علمت أن الإنسان لا يزداد تفقهًا في الدين إلا ويزداد بذلك خيرًا. كما قال عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرًا يفقه في الدين». فإن أراد الله عز وجل بك خيرًا في هذه العبادة على وجه الخصوص، كنت ممن يتفقه في هذه العبادة. فاحرص على اغتناء الكتب النافعة تقرأها في طريقك، وتستعين بها في مناسك هذه العبادة والتنقلات في هذه العبادة. وهكذا الشريط النافع الذي تسمعه في الطريق، ولو أخذت مسجلة صغيرة تسمع في طريقك وفي تنقلاتك ما تتفقه فيه في الدين. وهكذا أن تسأل أهل العلم تغتني بهذا. هواتف أهل العلم إذا أشكل عليك شيء اتصلت وسألت أهل العلم، أو كذلك استعنت بتلك الأجهزة والمواضع للاستفتاء في مكة وفي المدينة وفي منى وفي المشاعر. حتى تتفقه في دين الله عز وجل. ثم بعد ذلك اعلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد وضع مواقيت مكانية. وهذه المواقيت المكانية هي مواقيت لا يمر منها الحاج ولا المعتمر إلا ولا بد أن يحرم منها. جعلت حكمة من الله عز وجل ورحمة وتعظيمًا لبيت الله عز وجل الحرام. وهذه المواقيت أربعة: جعل لأهل اليمن يلملم، ولأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل نجد قرن المنازل وهو الذي يسمى اليوم بالسيل الكبير. وكذلك جعل لأهل الشام الجحفة. فهذه أربعة مواقيت وقتها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما جاء بالصحيحين من حديث ابن عمر، ومعناه من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. وهكذا كذلك جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه وقت لأهل العراق ذات عرق. وذات عرق في الحقيقة هي توازي قرن المنازل، فهي مما يدخل في معنى المحاذاة. فالحاج والمعتمر الذي يريد مكة إن أن يمر بأحد هذه المواقيت الأربعة، وهذا هو الغالب. فقد جعلت هذه المواقيت الأربعة في مواضع طرق الناس الغالبة. فغالبًا يأتي من الجنوب يمر بيلملم، أو يمر إن كان قد جاء من طريق الحجاز وهو مرتفع من جهة الجنوب فإنه يمر في جهة السيل الكبير. وأهل نجد كذلك طريقهم التي يسلكون إلى مكة الأيسر أن يمر من طريق السيل الكبير الذي هو قرن المنازل ويسمى اليوم بالسيل الكبير. وأهل المدينة ومن كان في جهتهم فإنهم يمرون من ذي الحليفة. وأهل الشام ومن كان في جهتهم يمرون من الجحفة؛ لأنهم يسلكون طريق الساحل وهو أسهل عليهم. هذه أربعة مواضع جعلت مواقيت مكانية لمن أراد الحج والعمرة أن يحرم منها. فمن كان لن يمر عليها فإنه سيحاذي أحد هذه المواقيت الأربعة. فمن حاذاها برًا أو بحرًا أو جوًا فإنه يحرم مما حاذ ذلكم الموقف الميقات. فمثلًا من أحرم من جهة الجو وجاء مثلًا من جهة الجنوب فإنه سيحاذي ميقات أهل اليمن وهو يلملم. أو جاء من جهة الغرب من الشمال الغرب فإنه سيحاذي ميقات أهل الشام هو الجحفة. أو جاء من جهة الشرق فإنه سيحاذي ميقات أهل نجد وهو قرن المنازل والذي يسمى اليوم بالسيل الكبير. فإذن ما من أحد سيمر برًا أو بحرًا أو جوًا إلا وسيحاذي أحد هذه المواقيت إذا كان لا يمر بهذا الميقات. وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة». يعني الذي يريد الحج أو العمرة ويمر بهذه المواقيت فإنه يحرم منها. فإن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ؛ لأن هذه المواقيت هي بعيدة من مكة. فيوجد بلدان وأماكن وقرى ومدن بين هذه المواقيت ومكة. فمن أين يحرم هؤلاء؟ يحرم هؤلاء من تلك المواضع. ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ. يعني كل واحد من مكانه. حتى أهل مكة من مكة. حتى أهل مكة يحرمون من مكة. هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. والمراد بالإحرام أي إحرام الحج؛ لأن السؤال كان في الحج. وهذا بإجماع أهل العلم أن أهل مكة إنما يحرمون من مكة يحرمون الحج. وأما العمرة فالصحيح أنه ليس عليهم عمرة. ومن قال أنه لهم عمرة أو أرادها وأراد العمرة فإنهم يخرجون إلى أدنى الحل كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها. فإذا علمنا ذلك فلنعلم أن الحاج أو المعتمر إذا مر بهذه المواقيت فإنه سيحرم منها. وإذا أراد أن يحرم فليعلم أن للإحرام محظورات أي يجتنبها المحرم. وأهم هذه المحظورات أن الرجل كما جاء في حديث ابن عمر: «لا يلبس من الثياب ما كان محيطًا بالجسد». لا يلبس من الثياب ما كان محيطًا بالجسد. وهذا معنى الحديث. فقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن لبس القمص، وعن لبس كذلك السراويل، وعن لبس العمائم، وكذلك البرانس. وهذا وما كان بمعناه مما يحيط بالجسد ينهى عن لبسه الرجل. وإنما يحرم كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «في إزار ورداء ونعلين». إزار ورداء ونعلين يحرم في إزار ورداء ونعلين. هذا إحرام الرجل. والمرأة تلبس ما تلبس من ثيابها ما شاءت من ثيابها. غير أنها لا تشد على وجهها شيء. لا تشد على وجهها شيئًا لا برقع ولا لثام ولا قمار ولا كذلك منديل ولا غيره. لا تشد على وجهها شيء. وهي معنى أن تكشف وجهها للرجال الأجانب. الجواب لا. ولكن إذا كان هناك رجال أجانب تستر وجهها بما يزدلف من فوق رأسها، لا بما يشد على وجهها. وهذا الذي جاء في حديث أسماء، وبمعناه عن عائشة رضي الله عنها: «أنه إذا مر بهم الرجال أو الركبان أزلنا يعني رمينا بالجلباب من أعلى الرأس لما يستر الوجه». وهكذا لا تلبس القفازين. والقفازان معروفة وهي التي تسمى بالكفوف. لا تلبس المرأة القفازين. وهي معنى أن تكشف الكفين للرجال الأجانب. الجواب لا. ولكن معنى أن لا تلبس القفازين. وإن كان هناك رجال أجانب فتسترها بسائر جلبابها تحت الخمار تحت الجلباب، أو تلبس شرشف طويل ونحو ذلك مما يكون به ستر الكفين؛ لأن المرأة كلها عورة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام بحديث المسعود: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان». وهكذا كذلك من المحظورات أنه يحرم على الحاج إن كان متزوجًا إذا دخل في الإحرام يحرم عليه أن يأتي أهله ويباشرهم. يحرم عليه مباشرة النساء من تقبيل أو ما كان بمعناه، وكذلك الجماع وأشد. وهكذا كذلك الخطبة خطبة النساء. أما أمر النساء لقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾. ففسر الرفث ويسمى الرفث إتيان النساء. وهكذا كذلك جاء في حديث عثمان رضي الله عنه وأرضاه هذا المعنى: «أنه لا يخطب ولا يخطب له». أي المحرم. فإذا علم هذه المحظورات. ومن المحظورات كذلك الطيب. يجتنب المحرم الذكر والأنثى الطيب بنهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك. حديث ابن عباس: «فإن هنا أن يمس الرجل الذي وقصته ناقته الطيب؛ لأنه يبعث يوم القيامة ملبيًا». أي على إحرامه. فإذا علم ذلك فيجتنب هذه المحظورات. ثم يستحب له قبل لبس في هذا الإحرام أن يغ