التعليق على مقدمة المجموع 70

الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 70، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

آداب المعلم والمتعلم في مجالس العلم

يستعرض المقطع آداب الإمام النووي للمعلم في مجلس العلم مشدداً على ضبط الصوت ومنع الكلام الجانبي والاقتداء بالسلف في إنكار اللغو. كما يبين كيفية التعامل بلطف مع سوء الأدب وتذكير الحضور بأن المجلس لله وتجنب المنافسة وقبول الفائدة من الطلبة وعدم السخرية من السائل والاعتراف بالجهل عند عدم المعرفة.

آداب السؤال والجواب والنهي عن التكلف في العلم

يؤكد المقطع على عدم السخرية من السائل حتى لو كان السؤال سهلاً ويبين أن من آداب العالم الاعتراف بالجهل بقوله لا أعلم أو الله أعلم مستدلاً بقول ابن مسعود وآية القرآن. كما يضرب المثل بالإمام مالك الذي لم يجب إلا على يسير من الأسئلة وينهى عمر بن الخطاب عن التكلف في العلم لما فيه من جرأة على الكذب والإسراف.

فضل قول العالم لا أدري وتورع السلف في الفتوى

يبيّن المقطع أن قول العالم لا أدري ليس نقصاً بل دليل على تقواه وعظم محله كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أسئلة اليهود واقتدى به السلف كابن عمر والقاسم بن محمد وعطاء وسعيد بن المسيب الذين امتنعوا عن الإجابة في مسائل لم يحيطوا بها. محذرين من مخاطر التكلف والاجتهاد بغير علم كما فعل الخنفشار.

تحذير من التحدث فيما لا يعلم والتشبع بما لم يعط

يُبيّن المقطع أن من يتكلم في أمور يجهلها ويوهم الناس بالعلم بها يُشبه لابس ثوبي زور مستنداً إلى حديث النبي ﷺ المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور. وهذا تحذير شديد من ادعاء المعرفة الكاذبة والتحدث بغير علم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام النووي رحمه الله في ذكر آداب المعلم: قال: «وليكن مجلسه واسعًا، ولا يرفع صوته زيادة عن الحاجة، ولا يخفضه خفضًا يمنع بعضهم من فهمه، ويصون مجلسه من اللغة». واللغة: بمعنى الكلام الجانبي، ويحاول أن يسمع الجالسين، ويصون مجلسه من اللغة، أي: لا ينبغي أن يتكلم الطلبة في وقت الدرس. وقد كان جماعة من السلف إذا رأوا أحدًا يتكلم في المجلس قاموا، منهم: شعبة بن الحجاج، وأبو بستام، وكذلك محمد بن رافع القشيري شيخ الإمام مسلم، كان إذا رأى أحدًا يتكلم في المجلس يقوم، بل كان حتى إذا رأى أحدًا يبتسم يقوم. وبالعكس: هناك بعض العلماء، من المحدثين، كانوا يتكلمون في مجالسهم، ككلاعمش وغيره، لكن الأفضل أن المعلم يهدئ الطلبة ويصون مجلسه من اللغة حتى ينتبه الطلبة للكلام وللدرس. ولا بأس بالمشاركات أو بالسؤال أو نحو ذلك، لا شيء في ذلك، لكن الكلام الجانبي والضحك وما أشبه ذلك، فهذا من اللغة الذي لا ينبغي أن يكون في المجالس. قال: «ويصون مجلسه من اللغة والحاضرين عن سوء الأدب في المباحثة». كذلك إذا كان إنسان سيسأل، فليسأل بأدب، لا يسأل لأجل أن يعارض، وأيضًا أن يشوش على الناس في المجلس. قال: «وإذا ظهر من أحدهم شيء من المبادي ذلك، تلطف في دفعه قبل انتشاره»، فيحاول أن يدفع ذلك بكلام لطيف حتى إذا وقع عند هذا الطالب يكف عما أراد. قال: «ويذكرهم أن اجتماعنا ينبغي أن يكون لله تعالى»، فيذكرهم بهذا أن هذه المجالس لله، فلا ينبغي فيها أن تكون أغراض لبعض الناس، أغراض دنيوية أو أغراض نفسية. قال: «فلا يليق بنا المنافسة أو المشاحنة، بل شأننا الرفق والصفاء؛ لأننا كلنا نريد وجه الله، فلذلك لا ينبغي أن نختلف ونتشاحن»، وغيرها من هذه الأخلاق التي قد تكون في بعض المجالس. قالوا: «استفادت بعضنا من بعض»، فالمدرس أيضًا ممكن أن يستفيد من الطلبة،حيانًا بعض المعلومات قد تكون مع بعض الطلبة ولا تكون مع المدرس، أو يذكرونه بآية أو يذكرونه بحديث. قالوا: «اجتماع قلوبنا على ظهور الحق وحصول الفائدة». قالوا: «إذا سأل سائل عن عجيبة فلا يسخرون منه»، وإذا سئل عن شيء لا يعرفه، أو عرض في الدرس ما لا يعرفه، فليقل: «لا أعرفه»، أو «لا أتحققه». إذا سأل سائل في شيء مثلًا، قد يكون مثلًا شيء عجيب، أو شيء قد يكون سهلًا، فلا ينبغي أن يسخر من هذا الطالب الذي يسأل؛ فأحيانًا بعض المسائل قد تكون سهلة لكن تخفى على بعض الناس، ولهذا لا بأس بالسؤال. والمدرس إذا كان مثلًا عنده الإجابة يجيب، أو يقول: «لا أعرفه»، أو «لا أتحققه»، أو يقول: «الله أعلم». قال: «لا يستنكف عن ذلك، فمن علم العالم...» فمن علم العالم من يقول فيما لا يعلم: «لا أعلم» أو «الله أعلم»، وهذا الفقه، وقد تقدم الكلام على هذا. فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: «يا أيها الناس، من علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم». قال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾. فالذي يجيب بلا علم هو متكلف. كان بعض السلف يقول: «إن الذي يجيب على كل سؤال فهو مجنون»، ليس هناك أحد عنده العلم كله حتى يجيب عن كل سؤال. فهذا الإمام مالك، إمام من أئمة الإسلام، يسأله رجل من خراسان باثنين وأربعين سؤالًا، فلم يجبه إلا على ثلاثة أو أربعة. فقال هذا الرجل: «يا أبا عبد الله، ماذا أقول للناس؟ أنا جئت من خراسان لأجل أن أسألك، فما أجبت إلا ثلاثة وأربعة، فماذا أقول للناس؟» قال: «قل لهم: مالك لا يعلم، قل لهم: مالك لا يعلم هذه الأسئلة التي جئت بها». فكان يعمل لله جل وعلا، فما تكلف الإجابة، وما تكلف الإجابة؛ لأنه كما قلنا: ليس كل أحد عنده الجواب أو عنده إجابة على هذه الأسئلة. وقال عمر رضي الله عنه: «نهينا عن التكلف»، رواه البخاري. إن التكلف في العلم وهو أعظم، أو التكلف في الطعام والشراب يتكلف للضيف، أو التكلف كذلك في المعاملة مع الآخرين، وكل ذلك لا ينبغي أن يكلف الإنسان نفسه، أو يتكلف الشيء الذي لا يريده أصلًا؛ لأنه أحيانًا قد يكون من الكذب، وقد يكون كذلك من الإسراف، وقد يكون أيضًا من الجرأة على ما لا يعلم، إذا كان في العلم، فلذلك لا ينبغي أن يتكلف. الله عز وجل كما قال ابن مسعود: قال للنبي ﷺ: ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾، وهو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أجاب عن أسئلة، كما جاء عن ثوبان لما جاء اليهود يسألونه، فسأله عن عدة أسئلة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك: «والله ما كنت أعلم شيئًا منها، وإنما جاءني جبريل فأخبرني بها». ما كان يعلم النبي عليه الصلاة والسلام شيئًا من هذه الأسئلة التي سأله اليهود، لكن جاءه الوحي بها. قالوا: «ينبغي للعالم أن يورد أصحابه "لا أدري"، معناه: يكثر منها»، وليعلم أن معتقد المحققين أن قول العالم: «لا أدري» لا يضع منزلته؛ ليس أن الذي أجاب أفضل من الذي يقول: «لا أدري» أو «لا أعلم». فقد يكون الإنسان يتورع في الإجابة، أو يعلم أن في المجلس من هو أعلم منه، أو يحق بهذا السؤال، أو أنه لم يحط بالمسألة جيدًا، فلذلك يقول: «لا أدري» أو «الله أعلم». قال: «بل هو دليل على عظم محله وتقواه وكمال معرفته؛ لأن المتمكن لا يضره عدم معرفته مسائل معدودة». ولهذا كان بعض السلف يقول: «لا تسألوني في كذا». كان عطاء يقول: «لا تسألوني في تفسير سورة البقرة»، وكذلك كان سعيد مسير يقول: «لا تسألوني في التفسير»، لكن هناك من هو بمعنى تخصص في هذا التفسير، كسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وغيرهم. ولا يضره عدم معرفته مسائل معدودة، بل يستدل بقوله: «لا أدري» على تقواه، وأنه لا يجازف في فتواه، وإنما يمتنع من لا أدري. لهذا لما جاء الرجل عند عبد الله بن عمر، فسأله بعض الأسئلة، فلم يجبه عبد الله بن عمر، فقال: «أنت ابن عمر بن الخطاب ولا تعلم؟» أو كما قال. وكذلك أيضًا قال الرجل للقاسم بن محمد: «أنت ابن أئمة الهدى، أئمة الهدى، ولا تجيب؟» فتجد أن العلماء أحيانًا يسكتون، وأحيانًا يقولون: «لا أدري»، وأحيانًا أيضًا لا يجيبون السائل بكل ما سأل. وهذا القاسم لا يقول وهو عالم العلم، علمنا أنهم يتورعون لعلمهم وتقواهم، وأنه يجازف بجهله وقلة دينه، أي: هذا الذي لا يقولها فوقع فيما فرّ عنه، وخاصة أيضًا ما إذا كان يتكلف هذا الأمر ويتكلم فيما لا يحسنه، فإن هذا مخطئ أيضًا. قد ذكر الشيخ بكر أبو زيد قصة عن رجل يقال له: الخنفشار. هذا الرجل كان إذا سئل يجيب بسرعة، فيقول مثلًا: «هذا كذا وكذا»، يأتي بأشياء من عنده، حتى قام بعض الطلبة أو بعض العلماء الآخرين، فقالوا له: «ما معنى الخنفشار؟» أو «ما معنى...؟» جاء بكلمة مركبة ركبها، فقال: «هذا نبت يطلع في منطقة كذا ويفعل كذا وكذا»، وأجاب كأنه يعرف. وهذا الرجل لم يأت بهذه الكلمة إلا من عنده، ركّبها من عنده، فكان يقال لكل من يتكلم في أشياء لا يعرفها: «خنفشار». في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «المتشبع بما لم يعطَ كلابس ثوبي زور». المتشبع بما لم يعطَ: الذي يتكلم فيما لا يعلمه ويوهم الناس أنه يعلم ذلك، فهذا كلابس ثوبي زور.