الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 71، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ينصح الإمام النووي المعلم بطرح المسائل لاختبار أفهام الطلبة وإظهار فضل المجتهد لتحفيز الباقين مع تجنب تعنيف المخطئ إلا لمصلحة تربوية. ويؤكد على وجوب إعادة الدرس لترسيخ الحفظ ووجوب سؤال الطالب عما أشكل عليه لئلا يبقى الإشكال عائقاً في تحصيله.
يسرد المقطع أمثلة من سلف الأمة على الإلحاح في السؤال والملازمة للشيخين حتى في حالات الاحتضار والسفر مبيناً أن تضجر المدرس لا يبرر انقطاع الطالب. ويشير إلى أن طلب العلم بعزة النفس واستكبار يورث الحرمان مستشهداً بقول الشافعي في ذلك.
يبيّن المقطع أن العلماء الحقيقيين يحبون الطلبة المجتهدين ويفرغون أوقاتهم لهم كما فعل الأعمش مع سفيان الثوري والإمام أحمد مع أبي زرعة الرازي. كما أن ضجر الشيخ إن وقع فهو من طبيعة بشرية مؤقتة وسرعان ما يعود للإقبال على التعليم بقصد وجه الله.
يشير الشيخ إلى أن إعادة المعلم للمادة السابقة على الطلبة طريقة طيبة لاختبارهم وترسيخ العلم في النفوس. ثم يختم الجلسة بالشكر للمشايخ والمشاهدين داعياً بالقبول والتوفيق.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في مقدمة المجموع: «فصل: وينبغي للمعلم أن يطرح على أصحابه ما يراه من مستفاد المسائل، ويختبر بذلك أفهامهم، ويظهر فضل الفاضل، ويثني عليه بذلك». أنا أعطيهم المسائل التي استفيدت في الدرس، والتي أخذت في الدرس، حتى ينظر من الذي فهم هذه المسائل، ومن لم يفهم. ولا بأس أن يظهر فضل الفاضل، وقد كان السلف يظهرون فضل بعض الطلبة؛ لأجل أن يتحمس الآخرون، وأيضًا لأجل أن يجتهد الآخرون. فكان ابن عباس يقول لأبي جمرة: «اجلس معي، واجلس عندي، وأعطيك ما أعطي، أو أعطيك مما أعطي»، بمعنى أنه يقول له: سأعطيك مالًا، لكن اجلس. فرأى من نجابته وكذلك من ذكائه واجتهاده في العلم. «ويثني عليه بذلك ترغيبًا له وللباقين في الاشتغال والفكر في العلم، وليتدربوا بذلك ويعتادوه، ولا يعنف من غلط منهم في كل ذلك إلا أن يرى تعنيفه مصلحة له». أنا لا يوبخ الطالب إلا إذا كان رأى المدرس له مصلحة في ذلك، لأجل مثلًا أنه كسول، أو أنه مفرط جدًا، أو أنه بعيد عن العلم، فأراد أن يغيظ عليه حتى يعرف أن طالب علم لا بد أن يجتهد. وإن كان الطالب يحب العلم فسيصبر على غلط المدرس وغيره، كما قال الإمام الشافعي: «يصبر على مر الجفاء من معلم، فإن رسوب العلم في نفراته». قالوا: إذا فرغ من تعليمهم وإلقاء درس عليهم، أمرهم بإعادته ليرسخ حفظهم له. وهذه طريقة عظيمة، أنا يعيدهم الدرس ليفهم. وكما تقدم قبل أن الطالب ينبغي عليه أن يستفهم المدرس فيما لم يعرفه أو أشكل عليه، ولا ينبغي له أن يسكت، وأن تمر عليه أشياء لا يفهمها وهو ساكت، ولا يسأل. فأقل شيء يسأل زميله، لأن مرور هذه الأشياء دون أن يعرف الطالب أمرها فستبقى إشكالًا عليه، حتى لو قد بلغ مبلغًا من العلم. وأيضًا سيجد صعوبة في تدريس الكتاب. لكن ينبغي عليه أنه إذا أشكل عليه شيء، إما أنه يسأل المدرس، فإن رأى أنه يضايق المدرس أو كذا بالسؤال، أو رأى حرجًا في نفسه، فليسأل أحد زملائه. وإن كان لا ينبغي أن يتحرج من السؤال للمدرس، وخاصة إذا رأى نفسه مفتوحًا. إلا قد كان السلف يلزم أحدهم المدرس، يسأله في كل وقت، حتى كان عبد الرحمن بن أبي حاتم يسأل أباه في كل وقت، حتى أنه حتى عند الاحتضار كان يسأله عن عقبة بن العبد الغفاري. وكان أيضًا قتادة لما جاء إلى سعيد بن المسيب كان يسأله دائمًا، حتى نفر منه سعيد وضجر منه، وقال: «ابتعد عني يا أعمى، قد أخذت علمي». أنا يقول: قد أخذت علمي كله. وكان قتادة أعمى، لكنه كان عنده حافظة قوية جدًا، بمعنى إذا سمع العلم حفظه. وهذا ابن حبان كان يلتصق بشيخه ابن خزيمة، حتى في السفر كان دائمًا يسأله، حتى ضجر منه ابن خزيمة، فجلس فاستراح في سفر، أراد أن يرتاح، فجاءه ابن حبان يسأله، فقال له: «تنحَ عني يا بارد». قال له: «تنحَ عني يا بارد». قال ابن حبان: فكتبتها: «تنحَ عني يا بارد». وهذا لحرصهم على كتابة ما يخرج من مشايخهم. وهذا بمعنى أن ابن خزيمة وغيره من العلماء،حيانا الشخص يجد في نفسه مثلًا الملل، أو قد يكون عنده أشياء ما يستطيع أن يجيب السائل في ذلك الوقت، فيضجر. وتجد أيضًا بعض التلاميذ حرصه كثير، فيسأل في كل وقت، وهذا ليس فيه شيء، حتى لو تضجر المدرس. والذي ينبغي على المدرس أنه لا يتضجر، لكن أحيانًا يحصل للإنسان أنه يتضجر، وأنه يمل، وأنه كذا. لكن الطالب ينبغي عليه أن يصبر، وسيأتي معنى كلام الشافعي رحمه الله، وهو كلام يوزن بالذهب: أن طالب العلم، أو من أراد طلب العلم بعزة النفس، فإنه لا يفلح. من أراد طلب العلم بعزة النفس فإنه لا يفلح، أن إذا كان أراد هذا الطالب أن يطلب العلم وهو عزيز النفس، لا يذل نفسه عند أهل العلم ومن يطلب منهم العلم، فإنه لا يفلح، لأنه سيترك علمًا كثيرًا، سيترك علمًا كثيرًا ويفوته كذلك، بسبب أنه يعتز بنفسه، أو أنه يستحي، أو أنه يخجل، أو يتكبر. فإن هذا يفوته علمًا كثيرًا. لكن طالب العلم يكون مُردًا، وإن رأى أن شيخه يتضايق أحيانًا، هذا قد يكون من طبيعة الإنسان، وإلا فغالب أهل العلم لا يتضايقون من الطالب المجتهد، بل يحبونه، وأيضًا يفرغون له ووقته. كما كان كثير من أهل العلم يفعلون في الطلاب المتفوقين، حتى كان الأعمش مع عسره في تأدية الحديث، إلا أنه كان إذا جاء سفيان الثوري أفرغ له، تفرغ له، وأيضًا أعطاه من الحديث ثم يقول. وهذا أيضًا الإمام أحمد، إذا جاء أبو زرعة الرازي ترك حتى نوافل العبادات، لا يصلي إلا الفرض، لأجل أن يتذاكر مع أبي زرعة، حتى قال أبو زرعة الرازي: «أشهد أن أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث»، أنا مليون حديث، ليس هناك حديث مليون، لكن يقصد طرق الحديث، والموقوفات، والمرفوعات، والمقطوعات، والآثار عن السلف. فقال: أشهد على أبي عبد الله أنه يحفظ ألف ألف حديث. قالوا: كيف عرفت؟ قال: ذاكرته على الأبواب، بابًا بابًا، أنا كلما جاء إلى باب: باب كذا، إيش عندك فيه؟ يسرد له الأحاديث، فعرف أنه يحفظ هذا العلم الكبير. وكان أحمد رحمه الله يتفرغ له، فلذلك تجد أن العلماء الذين يحبون العلم ويحبون تعليم الناس، ما يضجرون إلا كما قلنا: أحيانًا طبيعة الإنسان يمل، لكن أحيانًا حتى لو ضجر في وقت، فإنه يعود في وقت آخر. لهذا كان سفيان الثوري رحمه الله أحيانًا ما يستطيع طلبة العلم أن يجلسوا عنده من كثرة تكبره، لكن كان يقول رحمه الله: «لو ما تأتوننا لأتيناكم»، يعني: لو أنتم لم تأتوا لأتيناكم، لأجل أن نعطيكم هذا العلم. يعني كان العالم يحب طالب العلم، لكن كما قلنا: إن ضجر في وقت فهو سيرجع في وقت. وغالب طالب أو العالم والشيخ الذي يريد وجه الله، غالبًا يفرح بالطلبة وبسؤالهم وباستشكائهم وتوضيح ما يشكل عليهم، لأن المعلم يريد وجه الله، ويريد أن يفهم هذا العلم للطلبة، ليس مثلًا يريد أن يغمي عليهم، أو أنه يلبس عليهم في هذا العلم، أو أنهم لا يفهمون. فإن كان كذلك فإنه لم يرد وجه الله، وإنما الذي يريد وجه الله هو الذي يفهم الناس ويفهم الطلبة مهما أمكن له، ويسهل عليهم العلم. فإن أشكل عليهم شيء فإنه يوضحه لهم. ولهذا قال الشيخ المعلم هنا: هذه طريقة طيبة، أن المعلم يعيد على الطلبة ما أخذوه من قبل، ليختبرهم ويرسخ العلم في نفوسهم، والعادة تكون من المذاكرة. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى شكرًا للمشاهدة، شكرًا للمشايخ، شكرًا للمشاهدة، شكرًا للمشاهدة.