التعليق على مقدمة المجموع 78

الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 78، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية أخذ العلم من المشايخ وخطورة الاعتماد على الكتب فقط

يؤكد الشيخ على أهمية أخذ العلم من المشايخ لتلافي الأخطاء والتحريف. الاعتماد على الكتب فقط قد يؤدي إلى التصحيف والغلط في الفهم والتفسير.

احترام المعلم وإجلاله وتأثير ذلك على طلبة العلم

ينبغي للطالب احترام معلمه وعدم البحث عن عيوبه. المعلمين يجب أن يتصدقوا ليوفقهم الله في تعليمهم ويستر عيوبهم.

تعظيم العلم وأثره على السلف الصالح وتواضعهم في طلبه

كان السلف يعظمون العلم ولا يبيعونه أو يذلونه، بل يطلبونه بتواضع واحترام. هذا التواضع كان سمة بارزة لدى العلماء مثل الإمام البخاري وعطاء بن أبي رباح.

أهمية صيانة العلم وتحذير من إهانته وتأثير ذلك على أهله

يذكر أهمية صيانة العلم وأثر إهانته على أهله. يشير إلى قول الجرجاني في قصيدته حول هذا الموضوع ويشير إلى استمرار الحديث في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة النووي رحمه الله وزكريا: وقالوا لا تأخذ العلم من كان أخذه له من بطون الكتب من غير قراءة على شيوخ أو شيخ حاضر، ومن لم يأخذه إلا من الكتب يقع في التصحيف ويكثر منه الغلط والتحريف. وهذا كلام صحيح واقعي، لكن ليس على عمومه، ما قال الشيخ العثيمين رحمه الله. فغالبًا الذي يأخذ العلم من المشايخ فإن أخذه غالبًا سليمًا، ويأخذ وصول العلم، وأيضًا كذلك يكون أسلم من الخطأ. وأما الذي يأخذه من الكتب غالبًا الخطأ يكون عنده كثيرًا، أحيانًا ما يفهم كلامه العلم، وكذا. ولهذا ذكر الإمام الذهبي رحمه الله -أو ذكر بعضهم في طبقات ابن بيعلى أو في الذيل، أقصد للحافظ ابن رجب- ذكر عن بعضهم أنهم انتقدوا ابن الجوزي رحمه الله على أنه ما كان يأخذ علمه من المشايخ، وإنما أكثر علمه يأخذه من القراءة من الكتب فقط، وعنده مشايخ لكن قليل، وما كان يلزم إلا القليل من شيخه. فلهذا قال: حصل التصحيف والغلط في آرائه، وأيضًا التردد والتشكيك، وتجد اليوم على عقيدة وغدًا على عقيدة. ويكتب كتابًا الذي ينظر الآن إلى تلبيس إبليس، وينظر إلى صيد الخاطر أو غيرها من الكتب، يقول إن المؤلف آخر ليس هو ابن الجوزي نفسه. والذي يقرأ في منهاج القاصدين، وكذلك كتب الوعظ، ويقرأ في العلى المتناهية لابن الجوزي، كلاهما يجد أن هذا غير هذا. فلهذا من فوائد أخذ العلم على المشايخ أنه أسلم من الخطأ، والأمر الثاني أيضًا أنه أقرب إلى قبول العلم، وغالبًا أيضًا الأمر الثالث أنه لا ينحي إلى الشذوذ غالبًا، بخلاف الذي لا يعرف له شيخ أو تتلمذ قليلًا قليلًا، تجد أنه يحب الشذوذ عادةً. والمهم أن الأصل هذا، لكن أحيانًا الإنسان لا يجد من يتعلم عنده، فيقرأ ويعتمد على نفسه، ويوفقه الله عز وجل في خلال طلبه العلم لرفقة صالحة، وكذلك لطلبة علم يلازمهم أو يزاملهم على صلاح وعلى خير وعلى سنة، ويوفقه الله عز وجل، والنية والإخلاص له دور في هذه الأشياء. لكن من ناحية العلم خاصة علم الحديث قديمًا، حتى الفقه المسائل، تجد أن الإتقان يكون عبر المشايخ. وأما من يأخذه من الكتب فغالبًا يخطئ في فهمه. قال: وينبغي أن ينظر معلمه بعين الاحترام، ويعتقد كمال أهليته ورجحانه على أكثر طبقته، وهو أقرب إلى انتفاعه به ورسوخ ما سمعه منه في ذهنه. وهذا قد تقدم الكلام عليه. قال: وقد كان بعض المتقدمين إذا ذهب إلى معلمه تصدق بشيء، وقال: اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب بركة علمه مني. أنا وهذا من الحرص على المشاعر، وعلى المعلمين أن يتصدق لأجل أن الله عز وجل يوفق معلمه، ويستر ما عنده من العيوب؛ لأن غالبًا بعض الطلبة تجد أنه يبحث عن عيوب مشايخه، فإذا وجد لهم العيب تجد أنه فضحهم وأعلنهم، وترك العلم، ويحرمه الله عز وجل ذلك العلم. وأيضًا كذلك قد يكون عند المدرس عيبًا، إن فضح تركه الناس، لكن يستره الله عز وجل، يستر الله عز وجل عظيم. فليس هناك ما يكون نعمة من ناحية الذنوب أن الله عز وجل يسترها على العبد. وكما قال الإمام أحمد، وهو إمام الدنيا: نحن قوم مساكين، لولا ستر الله لفتضحنا. وهو إمام من أئمة السنة، لكن يقول هذا لأجل أن ستر الله عز وجل عظيم، وأمر العبد بينه وبين الله، لكن يجتهد العبد أن يكون سره وعلانيته واحد؛ لأن كثرة الذنوب في الخلوات تؤثر على العلانية. قال: وقد كان طيب. قال: وقال الشافعي رحمه الله: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك رحمه الله صفحًا رفيقًا هيبة له. أنا هذا باب احترام المدرس وإجلاله. قال: لئلا يسمع وقعها. وقال الربيع بن سليمان المرادي الجيزي المصري -الجيزي معنى نسبة إلى الجيزة، وهي في مصر-: وقال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي هيبة له. وقال حمدان بن الأصفحاني: كنت عند شريك رحمه الله، فأتاه بعض أولاد المهدي، فاستند إلى الحائط وسأله عن الحديث، فلم يلتفت إليه. أنا استند على الحائط، أي هذا ولد المهدي، هو أخو هارون الرشيد، الخليفة، هذا أحد أولاده جاء إلى شريك بن عبد الله النخعي وهو يدرس، فاستند هذا ولد المهدي على الحائط لأنه ابن أمير أو ابن الخليفة، وسأله عن حديث، سأل شريك النخعي فلم يلتفت إليه، وأقبل علينا، ثم عاد فعاد لمثل ذلك. فقال: تستخف بأولاد الخلفاء؟ عن هذا ولد الخليفة؛ لأن شريك النخعي لم يقبل إليه ولم يلتفت إليه لأنه رأى فيه شيء من التكبر. فقال هذا الولد: أتستخف بأولاد الخلفاء؟ فقال شريك: لا، ولكن العلم أجل عند الله من أن أضعه. فجثى على ركبتيه، أي هذا الولد جثى بعد ذلك على ركبتيه، فقال شريك: هكذا يطلب العلم. وهكذا كان دأب السلف لا يبيعون العلم ولا يدلون العلم. فهذا الإمام البخاري سبب إخراجه من بخارى أن عبد الله بن طاهر الهدلي الذي كان أمير خراسان -أو إخراجه من خراسان- لما جاء إلى خراسان طلب منه عبد الله بن طاهر أن يأتي إليه ويسمعه وأولاده صحيح البخاري، فقال للرسول: العلم يؤتى إليه. فقال للرسول: العلم يؤتى إليه. فذهب هذا الرسول وأخبره، فغضب عبد الله بن طاهر وحنق وأيضًا حقد على البخاري وأخرجه من خراسان. وهكذا سليمان بن حرب لما أيضًا طلبه بعض أولاد المهدي فلم يأت، ثم جاءه الخليفة نفسه، فقال له: أتهين العلم؟ أي قال سليمان بن حرب للخليفة: أتهين العلم؟ قال لما قال: تريد أن العلم يأتي إليك. قال: والله لا أفعل مرة أخرى لهذا الأمير أو الخليفة. قال: والله لا أفعل مرة أخرى. فكانوا يعظمون العلم ولا يهينونه، إلا أن كان وجدوا من الخلفاء ومن غيرهم من هو حريص، فإنه يعطونه العلم، لكن لا يأتون إلى بابه، وإنما يأتي. قد مر معنا أن سليمان بن عبد الملك الخليفة عام عمر بن عبد العزيز الذي ولاه المدينة، ثم كتب وصية أنه يتولى بعدها الخلافة، ولم يولي أحد من ولده. فهذا سليمان جاء هو معه أبناءه إلى عطاء بن أبي رباح، وكان عطاء يصلي حتى انتهى من الصلاة، فالتفت إليه، ثم كان يسألانه وهو يجيب. فقال سليمان لأبنائه: اذكروا هذا اليوم الذي جئنا إلى هذا ودللنا عند هذا العبد، إنما لأجل العلم. معناه يريد أن يذكرهم أننا ما جلسنا عند هذا الرجل وهو في نظر الناس أن الخليفة لا يجلس عند العبيد، وكان عطاء رضي الله عنه ورحمه الله عالم أهل مكة، لكنه كان أسودًا، وكان أفطس الأنف، وكان ذو فقار عنده فقر خلفه، وعنده أشياء قد تكون عيوب في الخلق، لكنه كان عالمًا عظيمًا، فرفعه الله بالعلم. فكان فتواه هي المعتمدة في مكة في الحج، حتى قال ابن عباس: تسألوني وفيكم عطاء. فرفعه الله عز وجل بالعلم. فقال سليمان بن عبد الملك: اذكروا ذلنا عند هذا العبد، أنا ما ذللنا له إلا لأجل العلم، نريد العلم. فالعلم هو الذي ذلنا. فهكذا كان السلف رحمهم الله لا يبيعون العلم ولا يذلون العلم. وكما قال الجرجاني في قصيدته المشهورة: ولو أن أهل العلم صانوه لصانهم، ولو أن أهل العلم صانوه لصانهم، ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا. طيب إن شاء الله وتعالى نكمل بهذا في الدرس.