الدرس في كتاب الطهارة 51، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول آراء الفقهاء في مسائل النية والترتيب والموالاة في التيمم، ويشرح الفروق بين الوضوء والتيمم. التيمم ليس مثل الوضوء في كل شيء.
لا يوجد دليل على وجوب الترتيب بين مسح الوجه والكفين في التيمم، وإنما هو سنة. يمكن تقديم أحدهما على الآخر حسب الأحاديث الواردة.
اختلف الصحابة في مسألة مسح اليدين، ويرى الشيخ أن المسح إلى الكفين هو الصحيح لورود ذلك في حديث عمار. الكفين هو المقصود بإطلاق اليدين في النصوص.
لا يوجد دليل على فرضية الموالاة في الوضوء، ولكن يقال أنها سنة. لم يرد نص صريح يدل على وجوبها، والله تعالى أعلم بحقيقة الأمر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: ويتعين نية وترتيب وموالاة عند أحمد. قال أبو حنيفة والشافعي: أن الموالاة سنة. أنا أذكر عدة مسائل، أما النية فهي واجبة عند الجميع؛ لأنها عبادة يشترط لها النية. وأما الترتيب والموالاة فقد حصل خلاف في هذه المسائل. وهذه المسألة مبنية على مسألة أكبر منها، وهي مسألة: هل التيمم مثل الوضوء في كل شيء؟ فبعضهم جعل التيمم مثل الوضوء في كل شيء، وهذا ليس صحيحًا؛ بل هناك فروق بين الوضوء والتيمم. فالوضوء غسل، والتيمم مسح، وفرق بين المسح والغسل. فالغسل هو أن يسيل الماء على جميع العضو، لا بد أن يصل هذا الماء إلى جميع العضو، بخلاف المسح؛ المسح أنه يمسح العضو أصاب ما أصاب وأخطأ ما أخطأ. فلهذا التيمم مثل الآن عندما يمسح الإنسان وجهه، له أن يكتفي بباطن أصابعه، وله أن يجعل يده كلها تمسح في وجهه. لكن هل معنى ذلك أنه لا بد أن يصيب كل جزء من الوجه؟ لا، ليس المراد؛ المراد أنه يمسح، والمسح كما قلنا هو إمرار اليد على العضو أصابت ما أصابت وأخطأت ما أخطأت. كذلك أيضًا أن الوضوء فيه غسل أكثر أعضاء، وأما التيمم ليس إلا الوجه والكفين أو الوجه واليدين باتفاق أهل العلم. وإنما اختلفوا إلى المرفق أو إلى الإبط أو إلى الرسغ أو الكوع، فلهذا فهي ليست كالوضوء في هذا. كذلك الوضوء يحتاج إلى تعميم العضو كما قلنا، والتيمم لا يحتاج إلى ذلك، وهناك فروق كثيرة. فلهذا مسألة الترتيب في أعضاء التيمم لا دليل عليها؛ لا دليل عليها، لا سيما بظاهرها؛ لا يدل على الترتيب؛ ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾؛ أن الواو تدل لا تدل على الترتيب، وإنما هي واو عطف. وأيضًا مما يدل على أنه لا يجب الترتيب أنه جاء في حديث عمار الذي في صحيح البخاري أنه قدم مسح الكفين على الوجه، مسح الكفين على الوجه، وجاءت الرواية أنه يقدم مسح الوجه على الكفين. ولهذا جاء عن أحمد أنه جعل وضع التراب معنى وضع اليد في التراب ثم نفضها بعضها البعض، جعله مسحًا معنى، جعله ليس مسحًا لليدين معنى. يقول: هكذا مثلًا ينفضها ثم يمسح وجهه، كما جاء عن أحمد رحمه الله أنه دل رجلا إلى هذا يمسح وجهه ثم يمسح كفين، فجعل الترتيب في الوجه والكفين. وأما الضرب فلم يجعله مسحًا، وإنما نفض؛ لأنه جاء ينفض فيهما، وجاء أنه ينفض التراب عنهما. وحمله بعضهم على المسح أنه يمسح الغبار حتى لا يمسك الغبار في الوجه. لكن صحيح أن الحديث عمار قدم فيه الكفين، مسح باطن الكف اليمنى على اليسرى ثم اليسرى على اليمنى، فهذا يدل على تقديم الكفين على الوجه. فالصحيح من أقوالها العلم بهذه أنه سنة، وهو قول مالك وغيره. كذلك الشافعي أنه سنة، ليس بواجب؛ أنه ليس بواجب الترتيب، إن شاء غسل أو مسح الوجه قبل الكفين، وإن شاء مسح الكفين قبل الوجه. وكما ذكرنا قبل أن الكفين هو المراد باليدين. أما ما جاء إلى المرفقين في حديث عبد الله بن عمر فهو ضعيف مرفوعًا، وإن صح موقوفًا فهو اجتهاد منه رحمه الله. وقد خالفه عمار وغيره، وأيضًا خالفه أبو موسى الأشعري، وجماعة من الصحابة، جاء عنهم أيضًا علي بن أبي طالب، جاء عنهم مسح إلى الكفين، وهو الصحيح في حديث عمار. فلهذا الصحيح أنه إلى الكفين. فإن مسح إلى الكوعين أجازه كثير من أهل العلم، أجازه كثير من أهل العلم من باب الجواز؛ لأنه قد جاء عن بعض الصحابة، ولأنه داخل في لفظ اليدين. داخل في لفظ اليدين، لكن ذكر شيخ الإسلام رحمه الله ودلل بأدلة كثيرة في شرح العمدة وغيره أن اليدين إذا أطلقت في القرآن وفي السنة فالمراد بهما الكفين؛ إذا أطلقت اليدين في الكتاب والسنة فالمراد بهما الكفين؛ لأن هذا مطلق ما يقال، أو أقل ما يقال فيه يد، أقل ما يقال فيه يد هو الكفين. فبعد الكفين ما يقال يد، ما يقال يد. فلهذا إذا أطلقت اليدين فالمراد بها الكفين، إلا أن يبين في شيء من الحديث أو الآيات ما يكون مثل ما جاء في آية الوضوء ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾، ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾. لكن قال في السرقة ﴿فاقطعوا أيديهما﴾، قال في السرقة ﴿فاقطعوا أيديهما﴾. وقد اتفق العلماء أن اليد تقطع من الكوع، تقطع من الكوع ومن الرسغ. فلهذا هذا أيضًا يبين أن إطلاق اليد يراد به ما يكون إلى الكوع والرسغ. ولهذا في آية التيمم ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾، ﴿وأيديكم﴾، فإذا مسح إلى الرسغ فهذا يطلق عليه أنه قام بالآية وعمل بالآية، وهو الأصل. فلهذا بينا حديث عمار الذي هو في البخاري بيانًا شافيًا. وأما مسألة الموالاة أيضًا لم يدل شيء على فرضية الموالاة أو على أنها واجبة، لم يدل هناك شيء يدل على ذلك. لكن يقال أنها سنة، يقال أنها سنة. والله تعالى أعلم.