شرح كتاب لم الدر المنثور 54

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 54، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

ذم الأهواء والبدع وبيان خطر المبتدعة

يشرح المقطع الباب الخامس والعشرين من متن القول المنثور في ذم الأهواء والبدع مستدلاً بالقرآن والسنة، مبيناً أن اتباع الهوى يضل عن سبيل الله ويشبه داء الكلب في فتكه بالقلب، وأن البدعة أشد خطراً من المعاصي لأن المبتدع حجب الله عنه التوبة حتى يدع بدعته بخلاف العاصي.

خطر البدعة وأهلها وتحذير النبي ﷺ من الدجالين في آخر الزمان

يوضح أن المبتدع أخطر من العاصي لاعتباره بدعته ديناً وعدم توبته، ويضرب مثلاً بسرقة الحمير أهون من البدعة، ثم يستدل بأحاديث صحيحة تحذر من دجالين وكذابين في آخر الزمان يأتون بأحاديث لم تُسمع يتلبسون بالعلم، وهم دعاة على أبواب جهنم، ويوصي بالتمسك بالكتاب والسنة والأخذ عن علماء السنة.

أهمية الاعتقاد الصحيح واتباع منهج السلف والتحذير من الفرق الضالة

يؤكد أن المسلم سيحاسب يوم القيامة على معتقداته، لذا يجب أن تكون عقيدته مطابقة لكتاب الله وسنة رسوله على فهم السلف الصالح، محذراً من اتباع أهل الأهواء والبدع كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة والقدرية والخوارج، لأن البدعة في الدين ذميمة وتكذيب لقول الله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾.

خطر البدع وأهل الأهواء ووجوب ذمهم وخاتمة الدرس

يؤكد خطورة البدع ومن يدعون إليها من أهل الأهواء، مشيراً إلى وجوب ذمها وذم أهلها للنجاة والاهتداء، ويختتم بالدعاء بالتوفيق والسداد والثناء على الله والصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

قال المعلم حفظه الله في متن القول المنثور في الباب الخامس والعشرين: ذم الأهواء والبدع وأهلها. وهذا باب مفيد، روى فيه من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فآيات وأحاديث متظاهرة في ذم الأهواء والبدع. قول الله عز وجل: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون﴾. ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾. إذن الهوى يضل عن سبيل الله، الذي يتبع هواه ولا يتبع الهدى من الكتاب والسنة ضال منحرف عن الشريعة، لأن الهوى بمثابة الإله الذي يعبده صاحبه فيتبع هواه في كل شيء. فالهوى مذموم في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وذكر النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث معاوية الذي في السنن: «أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة». وإنه سيأتي أقوام تجرى بهم الأهواء كما يجرى الكلب بصاحبه، لا يكون هناك عرق ولا مفصل إلا دخله. مثل هذا المرض الذي يسمى بداء الكلب، هذا الداء لا يترك عرقا ولا مفصلا إلا دخله، فيكون هذا الحيوان خطيرا جدا عندما يصاب بهذا المرض، فإذا عض الإنسان ما ترك في هذا الإنسان عرقا ولا مفصلا إلا دخله هذا الداء. وهكذا الأهواء والبدع تفعل بصاحبها، إذا دخل الهوى في القلب فإنه لا يترك في هذا الإنسان مكانا إلا ودخله. فدلائل الكتاب والسنة تدل على تحريم الهوى، وكذلك ذم الهوى. وكذلك سنة النبي عليه الصلاة والسلام فيها الأدلة الكثيرة في ذم الهوى وذم البدع وأهلها. حديث العرباض بن سارية: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». فإذا ابتدعت بدعة في دين الله عز وجل ذهبت مكانها من السنة. ولهذا كان المبتدع أشد خطرا على الناس، لأنه يدين بدين الإسلام، يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لكنه يبتدع في دين الله عز وجل. والبدعة بعد الشرك في الإثم، لأنها في الدين، والمبتدع لا يرجى منه توبة إلا أن يشاء الله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس: «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته». لهذا من ارتكب البدع فإنها تتكالب عليه تتكاثر، فلا يرجى منه التوبة، بخلاف العاصي الذي يرتكب المعاصي كسرقة أو شرب الخمر أو غيرها من المعاصي، هذا يرجى منه التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، ومعصيته لا تكون كمعصية المبتدع. فالمبتدع أشد خطرا، لأن من ابتدع بدعة يراها من الدين، أنها شرع يتعبد الناس ربهم به، وأما العاصي فيقر في قرار نفسه أنه عاصي، ذاك لا يقر أنه مرتكب لبدعة بل يرى هذا أنه من الدين ولا يرى أنه عاصي، والذي يفعل المعاصي دون البدع يعلم أنها معاصي فيرجى منه التوبة. كان شخص يسرق الحمير في زمن التابعين، فرآه أحد التابعين، قال له: يا فلان إنك كنت تسرق الحمير وإنك انقلبت إلى رأي الجهمية أو المعتزلة، قال: فعد إلى سرقة الحمير فإنها أهون، أو كما قال: تسرق حمير أهون من أن تكون مبتدعا. عد إلى سرقة الحمير، كن عاصيا ولا تكون مبتدعا. يعني إذا كان سيشغلك العصيان كالسرقة عن أن تكون مبتدعا من أهل الأهواء والبدع وتنافح وتكافح عن هذه البدعة وتضل الناس، هذا شر عظيم. لهذا المؤلف حفظ الله كغيره ممن سبق كانوا يؤلفون في هذا الباب وهو ذم الأهواء والبدع وأهلها. قال صلى الله عليه وسلم: «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم». وهذا الحديث صحيح جاء في مقدمة مسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر الدجالين والكذابين الذين يكذبون على الناس، وسيكون هذا في آخر الزمان، يتلبسون بهيئة العلماء والدعاة. وقد بين عليه الصلاة والسلام كما في حديث حذيفة عند مسلم: «إنهم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم قذفوه فيها». من أجاب دعوتهم يكون فيهم دجالون وكذابون في آخر الزمان فيكثرون. هؤلاء الذين يسمون أنفسهم دعاة أو يسمون أنفسهم مصلحين أو مفكرين أو نحو ذلك، وليس عندهم من العلم الشرعي الذي هو من كتاب الله ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. قال: «يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم». يعني يأتوكم هؤلاء الكذابون بأحاديث عجيبة غريبة لا تعرفونها، لم تسمعوا بها، ما خطرت على قلوبكم، لا أنتم ولا آباؤكم الذين سمعتم منهم والذين عاشوا قبلكم، ما سمعوا هذه الأحاديث وما عرفوها، ولا عرفتموها أنتم من دين الله عز وجل. فحذر منهم عليه الصلاة والسلام فقال: «فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم». احذر يا عبد الله من دعاة الفتنة، دعاة الشر، دعاة الضلالة، دعاة البدع. فهذا فيه تحذير من نبينا عليه الصلاة والسلام من أن نتبع دعاة الفتنة والضلالة، ولنبقى على ما عرفناه وما عهدناه وما علمناه من كتاب ربنا ومن سنة نبينا صلى الله عليه وسلم. لا بد أن نكون على هدى وأن نكون على بصيرة بهذا الدين، والحمد لله هذا الزمان لا زال فيه علماء، لا زال فيه من يقوم بأمر الله سبحانه وتعالى، فعلى المسلم أن لا يقصر في البحث عن أهل العلم الناصحين ويبحث عن أهل السنة والجماعة. فإن الحياة قصيرة، كم ستعيش في هذه الدنيا؟ ستعيش أياما معدودات وسنين أيضا معدودات ستعيشها ثم تنتقل إلى الله سبحانه وتعالى. ﴿إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون﴾. فإذا علمت أن حياتك قصيرة وأن مرجعك إلى الله وأنك ستحاسب على معتقداتك وأعمالك، فينبغي أن تكون هذه المعتقدات صحيحة حتى تكون من الناجين ومن المفلحين يوم القيامة. فأنت تحاسب على ما تعتقد: ما هو اعتقادك في الله، في ملائكته، في كتبه، في رسله، في اليوم الآخر، في البعث والنشور، في القدر؟ فأمور الإيمان وأمور الاعتقاد ينبغي أن تكون على وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على فهم السلف الصالح، تسير على السير الصحيح: أعتقد في الله كذا وكذا كما كان يعتقد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة، ثم إذا جئت إلى باب الملائكة، ثم إذا جئت إلى باب الرسل، ثم إذا جئت إلى باب الإيمان، ثم إذا جئت إلى باب اليوم الآخر والمعاد، ما هو اعتقادك الصحيح في هذا؟ فتلزم كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام. فباب مسائل الإيمان وأصول الاعتقاد مهمة لدى الشخص، كيف سيقابل ربه بها؟ لأن عندها المحك، عندها المحك. فأهل السنة إذا لم تقم بهم أعمالهم يوم القيامة، إن قصروا مثلا في الأعمال، قامت بهم العقائد لأن العقائد هي المهمة، فتكون معتقداتك صحيحة في هذا الباب. فلا تضل تتخذ مثلا في باب الأسماء والصفات رأي الجهمية والعياذ بالله، أو رأي المعتزلة، أو رأي الأشاعرة، فتضل في باب أسماء الله وصفاته. وهكذا أيضا تأتي في أبواب الرسل والقدر، فلا تكون من القدرية ولا من الخوارج والعياذ بالله. فالمسلم ينبغي عليه أن يتعلم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يصحح الاعتقاد، فلا تستطيع ذلك إلا بالأخذ والتعلم على أيدي أهل السنة والجماعة، تعرف اعتقاد السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم فتكون من الناجين. حياتك مرتبطة ومرتهنة بهذا، فأنت ينبغي عليك أن تحذر من ماذا؟ تحذر من أئمة الضلالة ومن دعاة الضلالة، فتنأى بعيدا عنهم، لأنك لو أخذت معتقدهم ضللت والعياذ بالله في الدنيا، ثم إذا قابلت ربك تكون على ماذا؟ على معتقد هؤلاء الضلال الذين سيحاسبون على اعتقاداتهم هذه الباطلة والتي كانوا سببا في نشرها وإضلال الناس والعياذ بالله. فهذا الباب باب مهم ينبغي علينا معرفته، وهو أن الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام قد ذم أهل الأهواء والبدع. فالأهواء والبدع مذمومة لأنها تحدث في الدين، فمن ابتدع بدعة يراها أنها من الشريعة. بل قال الإمام مالك: «إنه يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خان الأمانة»، يعني ناقص الدين ما هو كامل حتى يأتي فلان ويكمله، فيناقض قول الله عز وجل: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. فما لم يكن يومئذ دين لا يكون اليوم دين، كما قال رحمه الله. إذن الدين ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة. الدين: قال الله، قال رسوله، قال الصحابة، هم أولو العرفان. ما الدين نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فلان. فإذن نعرف خطورة البدع وخطورة من يدعو إليها من أهل الأهواء والبدع، فنذمها ونذم أهلها، فنكون بذلك نجونا، ونكون بذلك أيضا على خير وهدى وصلاح. نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وسلم.