الدرس في كتاب الصلاة 99، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
سجود التلاوة مشروع بالإجماع، وقد وردت أحاديث تحث عليه وتدل على مشروعيته، وهناك خلاف حول كونه سنة أو واجبًا.
المشهور عند العلماء أنه لا فرق بين سجود التلاوة في الصلاة أو خارجها، وهو سنة عند مالك والشافعي وأحمد، مع ذكر آراء بعض العلماء والاستدلال بالأحاديث والآثار.
استدلال الحنفية على وجوب سجود التلاوة لا يصمد أمام التدقيق، والأحاديث النبوية وتطبيق الصحابة يدلون على أنه سنة وليس واجبًا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال السجود التلاوة سنة عند الثلاثة، وقال أبو حنيفة: واجب على القارئ والمستمع. قال: ولو كان التالي خارج الصلاة والمستمع فيها سقط عنه السجود عند الثلاثة، وقال أبو حنيفة: يسجد بعد الفراغ. طيب، هنا مسألة سجود التلاوة، انتهى من الكلام على سجود السهو وذكر مسألة سجود التلاوة. وسجود التلاوة قد جاءت في حديث بالحث عليه، ومن ذلك حديث عبد الله بن عمر: «كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأ السجدة فيسجد فيسجد الناس معه». وأيضا ما جاء في الصلاة والمسلم، قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان»، وقال: «يا ويلي، أمر ابن آدم بالسجود فسجد، وأمرت بالسجود فلم أسجد». فهذا أيضا فيه الحث على سجود التلاوة، وأيضا ترغيبا للشيطان، وأيضا حسرة على الشيطان لأنه لم يسجد لله. وقد جاءت سجود التلاوة في القرآن في مواضع اتفق عليها العلماء، عشرة مواضع، ذكر بعضهم الإجماع فيها. أولها التي في سورة الأعراف، وآخرها في سورة فصلت. أن عشرة مواضع اتفق عليها العلماء، وهناك خمسة مواضع اختلفوا فيها: سجدة الحج الثانية، وكذلك سجدة ص، وسجدة النجم، وسجدة الانشقاق، وسجدة العلق. هذه الخمس حصل خلاف فيها بين العلماء، مع أن الأربع الأخيرة قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه سجد فيها. سجد في النجم كما في الصحيحين، وسجد أيضا في ص كما أيضا في الصحيحين عن ابن عباس، وسجد أيضا في الانشقاق والعلق كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة، فسجد ثبت سجوده عليه الصلاة والسلام في هذه الأربع. ولم يأت شيء صريح أنه سجد في الحج إلا ما جاء عن أبي هريرة وألفاظه محتملة. لكن قال أبي هريرة: «سجدت بها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فلا أزال أسجد حتى ألقاه عليه الصلاة والسلام. معنى أنه قال: «سجدت بها مع رسول الله»، لما أنكر عليه سجوده في العلق، فقال: «سجدت بها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم». وقوله: «سجدت بها» يدل على أنه سجد بها في صلاة أو أنه خارج الصلاة، لكنه سجد بها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن المحتمل الأعظم أو الاحتمال الأكبر أنه سجد فيها في الصلاة؛ لأنه سجد في صلاة العشاء، أي أبو هريرة سجد بها في صلاة العشاء في الانشقاق وكذلك العلق. وقال: إنه صلى بها مع رسول الله أو سجد بها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمحتمل الأكبر كما قلنا أنه صلى بها، أي أنه سجد النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة؛ لأن هناك من العلماء من يقول: إنه لا يسجد في الصلاة وإنما يسجد في خارج الصلاة، كما هي رواية عن أحمد. لكن المشهور في مذهبه أنه لا فرق بين الصلاة وغيرها، وهو الذي عليه المذهب. وكذلك أيضا رواية عن مالك أنه يقول: يسجد في النوافل ولا يسجد في الفرائض. لكن قول أكثر العلماء أنه لا فرق بين النوافل والفرائض. فإذا جاءت سجدة التلاوة سجد عمر رضي الله عنه، سجد وهو يخطب في المنبر، وأيضا سجد كذلك جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، سجد في الأعراف، سجد أيضا في غيرها. فجاء عن السلف أنهم سجدوا في هذه المواضع. والصحيح من قول العلماء أن هذه المواضع كلها مواضع سجود. المشهور كما قلنا أنه يسجد بها في الصلاة وفي غير الصلاة. وكذلك أيضا يوم الجمعة إذا قرأ السجدة، هل يسجد؟ لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يسجد لقراءة السجدة في يوم الجمعة. لكن لو سجد الإنسان على أن هذا العزل ما في شيء، أنها العزل هو السجود، والأمر سهل إن شاء الله تعالى، وخاصة في الصلاة. وهنا ذكر مسألة حكمها حكم سجود التلاوة، هل هو واجب أم مستحب؟ فقال: سجود التلاوة سنة عند الثلاثة، أي عند مالك والشافعي وأحمد، عندهم سنة. طيب، إيش نفعل بما جاء في الآيات من الأمر بالسجود؟ إن بعض الآيات فيها الأمر بالسجود، مثل الانشقاق: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، بل قال مثلا في بعضها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾، وقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، هذا وصف للكفار، فيسجد أهل الإسلام لهذا. فهل هذا معنى أنه يجب عليهم السجود؟ الآيات لا تدل على هذا، لا تدل على أنه يجب على من قرأ هذه الآيات أن يسجد، وإنما حث النبي صلى الله عليه وسلم على السجود فيها؛ لأجل أنها مخالفة للكفار، وإلا فالمؤمن أصلا في صلاة أو المؤمن يسجد في الصلوات، فهو لم يأبى السجود ولم يترك السجود. فلهذا لا دليل على ما استدل به الحنفية على الوجوب من الآيات؛ لأن الآيات نزلت في المراد بهم الكفار، أو المراد به الأمر العام في السجود. قال الله عز وجل في سورة الإسراء: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾، وقال: ﴿إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾. وبيّن الله عز وجل أن أهل العلم والذين أوتوا العلم إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا. ومما يدل على عدم الوجوب ما جاء في حديث زيد بن ثابت أنه قال: «قرأت ص عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يسجد فيها أو النجم لم يسجد فيها»، فدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يسجد؛ لأن زيدا لم يسجد، فلم يسجد النبي عليه الصلاة والسلام. ولكن لو كانت واجبة لنبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا أمر زيدا أن يسجد لو كانت واجبة. وهذا يدل على أن سجود التلاوة سنة، وكذلك أيضا ما يدل على هذا ما جاء عن عمر في البخاري أنه قرأ السجدة التي في سورة النحل في الجمعة وخرج من المنبر وسجد، سجد الناس معه. ثم في الجمعة الأخرى أيضا قرأها فتهيأ الناس للسجدة فلم يسجد، فقال: «يا أيها الناس، إننا نمر بالسجود، فمن سجد فهو حسن، ومن لم يسجد فلا حرج عليه». فهذا يدل على أن عمر رضي الله عنه يقرر أن سجود التلاوة ليس واجبا، وقد أقره على ذلك الصحابة، أن هذا قاله بحضور الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. فلهذا فالصحيح من أقوال العلم أن سجود التلاوة سنة. والمسألة الثانية التي ذكرها إن شاء الله تعالى سنذكرها في الدرس الذي سيأتي. لكن هنا الآن عندنا حكم سجود التلاوة أنه سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهل يشترط فيه ما يشترط في الصلاة؟ وهل أيضا فيه أركان مثل أركان الصلاة؟ فهذا إن شاء الله تعالى نتركه في درس اللاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.