الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  168

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 168

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 168، ألقاها

ضرب الدف في الإسلام وأدلته

يشرح المقطع الأول حديثًا عن رخصة النبي صلى الله عليه وسلم لأمة سوداء بضرب الدف، ويبين أن الدف من آلات الموسيقى المباحة للنساء في الأفراح والعيد. واستدل الفقهاء بهذا الحديث على جواز النذر في المباح.

حكم استخدام الدف في المناسبات السعيدة

يشرح المقطع الثاني حديثًا عن استخدام الدف في الأفراح وجواز استخدامه عند النذر، ويبين غيرته صلى الله عليه وسلم على دين الله. كما يرد على من يجيزون استخدام الدف والشبابة في الموالد.

تحريم المعازف وآلات الطرب

يتناول المقطع الثالث تحريم آلات الطرب والمعازف مستندًا إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وأقوال العلماء مثل ابن القيم وابن تيمية، ويبين أن استخدامها يعتبر من لهو الحديث والغناء المحرم.

ختام وتأكيد على الأحكام الشرعية

المقطع الأخير يختتم بالاكتفاء بما ذكر في الحديث، مع التأكيد على أن الله تعالى أعلم، ويتم التأكيد على الأحكام الشرعية المتعلقة بالمعازف والدف.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا العبد ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا زيد بن الحباب، وهو أبو الحسين العقلي التميمي الكوفي العاصمي ونزيل خراسان، قال: حدثنا حسين يعني ابن واقد المروزي، قال: حدثني عبد الله بن الغريدة عن نبيه، أن أمة سوداء أتت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورجع من بعض مغازيه، فقالت لهذه الأمة: إني كنت نذرت إن ردك الله صالحًا أن أضرب عندك بالدف، قال: «إن كنت فعلت فافعلي، وإن كنت لم تفعلي فلا تفعلي». فضربت، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ودخل غيره وهي تضرب، ثم دخل عمر، قال: فجعلت دفها خلفها وهي مقنعة؛ لأنها متحجبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان ليفرق منك يا عمر، أنا جالس هنا، ودخل أولًا، فلما أن دخلت فعلت ما فعلت». وقال الإمام الترمذي: حدثنا الحسين بن حريث، قال: أخبرنا علي بن الحسين بن واقد، قال: حدثني أبي، فذكر، قال: هذا حديث صحيح. وأخرجه الإمام أحمد أيضًا، قال رحمه الله: حدثنا أبو تميلة يحيى بن واضح، قال: أخبرنا حسين بن واقد به. وهذا إسناد صحيح، والذي قبله كذلك إسناد صحيح، فالحديث كما قال الشيخ صحيح. فهذا الحديث أخبر بريدة رضي الله عنه أن هذه الأمة أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الرجوع من بعض مغازيه، فقالت: إني كنت نذرت أردك الله صالحًا، أي سالمًا، أن أضرب عندك بالدف. والدف معلوم أنه من آلات الموسيقى التي نهى الله، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها، وأخبر أنها مما يستحل في آخر الزمان، كما جاء في حديث البخاري، في حديث أبي مالك، حديث أبي هريرة: «لا يكون أن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف». والمعازف آلات اللهو، والدف ينقل منها، لكن رخص الشرع بالدف في بعض الأحيان، وخاصة للنساء. ولهذا ذكر الحافظ بن حجر أن قول جمهور العلماء أن الدف يجوز للنساء. وأما الرجال لم يرخص لهم في الدف؛ لأن الأصل أن الدف من الآلات المحرمة، فمن أجازه إنما أجازه للشرع، أجازه للنساء في العيد والأفراح، فهو مباح للنساء أن يضربن به فيما يكون في الأفراح. والنبي صلى الله عليه وسلم أدخل هذا من الفرح هذه المرة؛ فرحت بقدوم النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه من هذا الغزو، فقال لها: «إن كنت نذرت فافعلي». وكان هذا نذرًا، فهو استدل به العلماء على النذر في المباح؛ استدل به الفقهاء على جواز النذر في المباح، أن الإنسان يندر شيئًا مباحًا. ولم يقل أحد أن هذا الأمر مستحب؛ لأنه لو قال مستحب لرد عليه الحديث. والآن بعض الصوفية استدل بهذا الحديث على ضرب الدف لأنه مستحب، وأنه في هذه المرة ضربت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن هذا يدل على الترخيص فيه فقط، وأنه أمر مباح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «إن نذرت فافعلي؛ لأنه أمر مباح، وإن لم تفعلي فلا تفعل، وإن لم تكن نذرت فلا تفعل». فهذا دل على أنه أمر مباح في وقته: الفرح والعيد والعرس، أيضًا جوزه النبي صلى الله عليه وسلم في العرس. فلهذا فهذا شيء محدد أجيز في العيد وفي الأفراح، وأيضًا ما يكون فيه سرور عند الناس، وخاصة النساء؛ يضربن به. لم يأت الترخيص للرجال فيه؛ لم يأت الترخيص في الضرب للرجال. وما يدل على أنه من آلات اللهو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أنها لما دخل عمر جعلت دفها تحتها وجلست عليه، أو جعلته خلفها، وجاء في رواية أنها جلست عليه، فقالت النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان ليفرق منك يا عمر». خاف؛ لأن هذه آلات اللهو هي آلات الشيطان أصلا، وليس المراد أن الشيطان حضر عند النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذه المرأة كانت تضرب، لكن هذا الدف هو أصلا من آلات الشيطان، والأصل أن هذه الآلات يحضر فيها الشياطين. فلهذا من شدة خوف الشيطان من عمر رضي الله عنه أنه يحصل مثل هذا في حضوره رضي الله عنه. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: «ما لقيك الشيطان في فج إلا سلك فجًا غير فجك». حتى الطريق ما يستطيع الشيطان أن يمر في الطريق التي يمر فيها عمر. معنى ما يستطيع الشيطان أن يمر في الطريق التي يمر فيها عمر، وهذا لابتعاد الشيطان وخوفه من عمر لكثرة غيرته على دين الله. وليس هو أنه أغير من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن هذا شيء ميزه الله عز وجل به وخصه به، وقد أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي جعله الله عز وجل مشرعًا للأمة، فلهذا فتحصل بعض الأشياء عنده حتى يرى الناس ويرى أهل الإسلام كيف يتصرف في مثل هذه الأمور، حتى يتصرف في مثلها كيف يتصرف في مثل هذه الأمور. ولا يقال قائل: إن الشيطان يفرق من عمر ولا يفرق من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لا، هذا كلام باطل. لكن النبي صلى الله عليه وسلم هو معلم الأمة، وفي محله القدوة عليه الصلاة والسلام. فلهذا قال العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد يفعل ما نهى عنه؛ لأجل أن يرى الناس أن هذا النهي ليس هو نهي تحريم، مثلًا أنه نهى عن الشرب قائمًا، وشرب قائمًا كما جاء في حديث علي. وهل النبي صلى الله عليه وسلم يفعل النهي؟ لا، وإنما أراد أن يبين للأمة. فكذلك مثل هذه المواقف؛ معنى يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يبين للأمة كيف يتصرفون في مثل هذه المواقف. فهذا النذر الشديد؛ النذر الشديد. فلهذا لما نذرت هذه المرة في شيء مباح، والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يريد أن يفعل عنده، لكن لما نذرت في شيء مباح، وهي أنها فرحت بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم، فأرادت أن تضرب بالدفة، أجاز لها النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن كنت نذرت فافعلي، وإن لم تكوني نذرت فلا تفعل». وإيضًا هذا فيه رد على أولئك الذين يجيزون الضرب بالدف، وأن الإنسان لا ينبغي له أن يفعل، يضرب بالدفة بدون حاجة، إلا إذا كان هناك حاجة ملحة، فهذا نذر والندر شديد. فلهذا أجاز له النبي صلى الله عليه وسلم إذا نذرت، وأما إذا لم تنذرت قال لها: «فإن لم تنذري فلا تفعل، فلا تفعلي». فلهذا فليس هناك مدخل لمن يجيز الدف أو الشبابة؛ لأن بعض أصحاب الموالد يستخدم الشبابة، وهي المزمار، مع أنه تصرح كثير من الشافعية كما في كف الرعاع بتحريم الشبابة، إلا أن هؤلاء يستخدمون آخر المولد، مولد النبي صلى الله عليه وسلم، معنى أحدثوا بدعة وأحدثوا كذلك فيها هذه المخالفات؛ يأتي بالشبابة أو بالدف أو بغيره. فالمهم أن هذا الدف جازه النبي صلى الله عليه وسلم في الأعراس وفي الأفراح، وأيضًا في السرور. فأما إذا كان ليس له حاجة فلا ينبغي للإنسان أن يضرب بهذا الدف، خاصة أنه رخص للنساء، وأما الرجال فلم يرخص لهم بالضرب بالدف. وأما ما كان أكثر من الدف، مثل القربة التي يكون بفتحتين ويكون أغلظ من الدف، وكذلك يدخل فيه ما يسمى عندنا بالمراويس والهاجر وغيرها من هذه الآلات، هذه تعتبر من الطبول، واختلف فيه أيضًا؛ هذا الدنبك أو الدربوقة هل هو داخل في هذا الطبل؟ فقد صرح بعض الشافعية بتحريمه، وأنه من الطبول، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الطبل. وما جاء في حديث سفيان عن علي بن بذيمة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الكوبة، وهذا إسناد صحيح، أخرجه الإمام داود وأحمد: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الكوبة». قال علي بن بذيمة، وهو أحد رواة هذا الحديث: «والكوبة الطبل». فلذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الكوبة، فالطبل وأيضًا الدف أصلا من الطبل، لكنه أخرج بحديثة التي رخصت فيه، فهو أهون من تلك الأشياء الأخرى. فلهذا هذه الآلات التي تستخدم سواء كان في العيد أو في غيرها أو في بعض الأعراس للنساء، مثل المرواس والهاجر، وأيضًا الدربوكة، هذا والدنبك أو ما يشبه هذه الأشياء، فهذه محرمة؛ لأنها داخلة في الطبول، والطبل قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، وأيضًا كذلك هي داخلة في آلات اللهو، داخلة في المعازف التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن ناس من هذه الأمة سيستحلونها، ومعنى ذلك أنها حرام. وأيضًا استدل العلماء بقول الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، وجاء عن عبد الله بن مسعود بإسناد صحيح أنه قال: «والذي نفسي بيده إن لهو الحديث هو الغناء». والمراد بالغناء الذي يكون فيه معازف، الذي يكون فيه معازف؛ فهذا لا يجوز أن يفعل. فتحريم المعازف كما قال الإمام ابن القيم معلوم من نصوص الكتاب والسنة. كذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وقد ألف الإمام ابن القيم رسالة في السماع، وذكر الأدلة على تحريمه، كذلك ذكر عدة أدلة كذلك في كتابه «إغاثة اللهفان على تحريم السماع والغناء». وكان يتكلم على السماع الصوفي الذي يستخدمه الصوفية، وكذلك أدخل فيه الغناء؛ لأنه يستخدمون آلات اللهو في هذا السماع، كان عندهم في الشعر يستخدمون آلات اللهو في السماع. وأيضًا كذلك هذا التقبيح الذي كان يفعله العراقيون في زمان الإمام الشافعي رحمه الله، هو أيضًا مثل هذا؛ يعني يستخدمون آلة من آلات اللهو، وهذا القرب يضربون عليه بالعيدان ويذكرون الله، فقال الإمام الشافعي رحمه الله: «خلقته بالعراق أناس زنادقة يفعلون شيئًا يسمونه التقبيح، يفعلون شيئًا يسمونه التقبيح»، حتى وصفهم بالزندقة؛ لأنهم جعلوا آيات الله عز وجل لهوًا، واتخذوا الذكر يلهون به، جعلوه مثل الغناء، فيضربون عليه بآلات اللهو، فسماهم الإمام الشافعي رحمه الله زنادقة. كذلك سماهم الإمام مالك رحمه الله. فالتقبيح هذا كان يفعله أولئك، وهو نفس ما يفعله الآن الصوفية بإدخال بعض الآلات في ذكر الله جل وعلا. وهذه طريقة النصارى؛ أصل هذه إدخال الآلات في الذكر طريقة النصارى، أخذها بعض الصوفية عن النصارى، ثم أخذها كثير من هؤلاء من الرافضة وأهل التصوف، وإلا فالإسلام بريء من هذه الأمور؛ فذكر الله عز وجل لا بد أن يعظم، لا يتخذ كالغناء يلهى به، وإنما يكون معظمًا، يذكر الله عز وجل ويذكر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يجعل مثل الغناء. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذا الحديث، ونكتفي به، والله تعالى أعلم.

شاركنا على