الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 690

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 690

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 690، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح سند حديث النهي عن الفخر بآباء الجاهلية

يستعرض المقطع سند حديث النبي صلى الله عليه وسلم الناهي عن الفخر بآباء الجاهلية، مبيناً ثقة الرواة كهشام الدستوائي وأيوب السختياني وعكرمة مولى ابن عباس. ويوضح حال عكرمة وعلاقته بابن عباس ليختم بتصحيح الحديث وثبوته.

النهي عن الافتخار بالآباء والتعصب للجاهلية

عالج الإسلام مسألة الافتخار بالأنساب والآباء علاجاً حاسماً، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ربا الجاهلية ودماءها، وأخبر أن من انتسب إلى آبائه متعصباً لهم يكون عاشرهم في النار. ونهى عن دعوى الجاهلية والتعصب للأسماء وشبه المتعزي بعزاء الجاهلية بالخنفساء زاجراً عن ذلك.

التحذير من عصبية الجاهلية ومعيار التفاضل بالعمل

يحذر الحديث من الافتخار بالآباء الذين ماتوا على الجاهلية ويشبه المفاخر بهم بالخنفساء التي تدفع القذارة بمنخرها، مبيناً أن الطعن في الأنساب من خصال الكفر. ويفرق بين ذكر فضائل الآباء للتعريف والافتخار بها، مؤكداً أن العمل الصالح هو المقياس لا النسب.

رد النبي صلى الله عليه وسلم على تفاخر المشركين بآبائهم

يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه آباء المشركين بالنتن لكونهم أشركوا بالله ولم يعبدوه، مبيناً أنه لا طيب فيهم بل خبث. ويؤكد أن التفاخر بهم باطل لأنهم لم يعرفوا حق الله ولم يعبدوه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا سليمان بن داود، وهو أبو داود الطيالسي البصري، الإمام، كان حافظاً كبيراً، قيل إنه كان يسرد ثلاثين ألف حديث، وهو متقن أن يسردها حفظاً، وهو متقن. قال: حدثنا هشام، يعني الدستوائي، هشام بن أبي عبد الله الدستوائي. قال: إن اسم أبيه كيسان، وهشام بصري ثقة، من حفاظ الكبار، من أهل التثبت، كان الإمام أحمد يفضله في تثبته حتى على سعيد بن أبي عروبة، لأنه كان يكتب، وكان يضبط كتابه، حتى قال الإمام أحمد: لم أجد ثبتاً كهشام الدستوائي، أنه كان يتثبت في أحاديثي كثيراً. وكان أيضاً ثقة في مشايخه، سواء كان في قتادة فهو من حفاظ أصحاب قتادة، وأيضاً من حفاظ أصحاب يحيى بن سعيد، وأيضاً من حفاظ أصحاب أيوب، إلا أنه ما كان كثيراً يروي عن أيوب، وأكثر من كان يروي عن أيوب هو حماد بن زيد وإسماعيل بن علية. قال: حدثنا هشام، يعني الدستوائي، عن أيوب. أيوب هو ابن أبي تميمة السختياني، أبو بكر، وهو بصري أيضاً، إمام من أئمة البصريين، خاصة بعد الحسن وابن سيرين، فهو من تلاميذ الحسن وابن سيرين. قال: عن أيوب عن عكرمة. ورواية أيوب عن عكرمة تدل على أن عكرمة لم يكن مبتدعاً، أن بعض أهل العلم اتهمه بالابتداء، ولهذا قال حماد بن زيد لأيوب: أكنتم تتهمون عكرمة؟ أكنتم تتهمون عكرمة؟ أي: بقول الخوارج. قال: لو كنت أتهمه لم أروِ عنه. قال: لو كنت أتهمه لم أروِ عنه. لكن عكرمة رحمه الله كان في آخر وقته ذهب إلى الكوفة، وجلس عند الصفرية، صفرية فرقة من فرق الخوارج، الله أعلم هل هو كان لا يعرفهم أو كذا. ولهذا قال الإمام محمد: عكرمة كان من أعلى من ناس، كان من أعلى من ناس، إلا أنه كان في آخر حياته مع الصفرية، وكان موسوعة علم. قال: عن عكرمة، مولى عبد الله البربر، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وعكرمة أخذ هذا العلم الواسع من ابن عباس، كان ابن عباس يلقي على رجله الكبل في المسجد، أي: يكبله، يأتي بالكبل أو الحديد فيلقه في رجليه حتى لا يخرج من المسجد، ويحفظه القرآن، ويحفظه التفسير، فلذلك أخذ علماً كثيراً من ابن عباس، أي: تربى على العلم، رباه ابن عباس على العلم منذ صغر، وهو يطلب العلم، بل ابن عباس هو الذي يعلمه، فمثل هذا الحبر والبحر، ابن عباس رضي الله عنه، من كان ملازماً له لا شك أنه سيوسع علمه، وخاصة كما قلنا أن عكرمة ملازماً له من صغره، وهو مولاه، وأيضاً كان ابن عباس يعلمه، اهتم به ابن عباس اهتماماً عظيماً، حتى أخرج هذه الموسوعة العظيمة، حتى أن أصحاب ابن عباس كلهم يعترفون أن عكرمة هو أعلمهم. قال: عن ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية، فوالذي نفسه بيده، لما يدهده الجعل أو الجعل بمنخره، خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية». قال: هذا حديث صحيح، رجاله رجال صحيح. هذه المسألة، مسألة الافتخار بالآباء والأجداد وغيرهم، هذه المسألة عالجها الإسلام علاجاً عظيماً، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يشدد في هذه المسألة كثيراً، لما لها من آثار، لما لها من آثار سيئة، فالذي يعظم آبائه ويفتخر بهم غالباً يتعصب لهم في الخير والشر، ومن ذلك تحصل بعد ذلك الأمور السيئة من القتال وغيره، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام خطب الناس، فقال: «كل أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، كل أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، وأول ما أضع الربا، رب العباس، رب العباس، أنا عمه عليه الصلاة والسلام، أنا أول ما أضع الربا الذي كان في الجاهلية»، وذكر بعد ذلك أيضاً نبي صلى الله عليه وسلم الدماء. وذكر أيضاً في الصحيح أن هذا أيضاً من الترهيب في هذا الباب، أن رجلاً في عهد من بني إسرائيل انتسب، فانتسب إلى عشرة من آبائه، وانتسب آخر فقال: أنا فلان بن الإسلام، فأوحى الله عز وجل إلى نبي ذلك الزمان: أن قل لهذا المنتسب إلى عشرة آبائه: إنه عاشرهم في النار، أن قل لهذا المنتسب الذي انتسب إلى آبائه: إنه عاشرهم في النار، وقل لهذا الذي انتسب إلى الإسلام: إنه في الجنة. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وأيضاً جاء في الحديث أيضاً التشديد من النبي عليه الصلاة والسلام في من دعا بدعوى الجاهلية، دعا بدعوى الجاهلية، فلذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اتركوها، فإنها منتنة، أدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم». فغضب النبي صلى الله عليه وسلم على بعض من حصل بينهم، لما قال ذاك الرجل: يا للأنصار، وهذا قال: يا للمهاجرين، مع أنها أسماء شرعية، لكن لما تعصبوا لها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها جاهلية»، أي: أن هذا من عوايد أهل الجاهلية، يتعصبون للأسماء، يتعصبون للآباء، فقال: «دعوها، فإنها منتنة، أدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم». وجاء في حديث أبي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تعزى بعزاء الجاهلية فعضوه بهن أبيه، ولا تكنوا». معنى: من تعزى بعزاء الجاهلية فعضوه بهن أبيه، ولا تكنوا، حتى أن الرجل لما كان عند أبي فتعزى بآبائه، أن تعزى بآبائه، معنى: مثلاً يقول: يا لآبائي الكرام، يا لآبائي كذا، معنى: كأنه يتعزى بهم، أين آبائي الذين كانوا يفعلون كذا ويفعلون، وهم كفار مشركون، يتعزى بهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام، أو قال له: «عضها وأباك»، فأكر هذا الرجل، قال: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم وتقول هذا الكلام؟ أنا عضها وأباك. معنى: ذكره، وهذا من باب الزجر، فقال: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم وتقول هذا الكلام؟ قال: «سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: من تعزى بعزاء جاهلية فعضوه بهن أبيه، ولا تكنوا». لا تكنوا، معناه: صرحوا له، صرحوا له، فقولوا له: عض هن أبيه. أأيضاً كذلك بيّن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أيضاً أن الذي يتعزى بعزاء جاهلية ستبهه بالجعل، الجعل هذه الحشرة السوداء، هذه الحشرة السوداء التي تأخذ الخراء بمنخرها، أعظم ما يكون فيها الأنف الذي يشم الروائح الطيبة، هي تقوم وتدفعه بمنخرها حتى تذهب به إلى مكان آخر، فهذه الجعل التي هي أنتن شيء، لهذا إذا أخذت هذه الجعل تجدها نتنة جداً، فشبه النبي عليه الصلاة والسلام الذي يتعزى بعزاء جاهلية مثل هذا الجعل الذي يأخذ الخراء، مثل هذا الجعل الذي يأخذ الخراء، ومعنى ذلك أنه يتعزى بشيء خبيث، ويتعزى بشيء أيضاً منتن، فلذلك جاء في هذا الحديث: لا تفتخروا بآبائكم. وجاء في حديث أبي هريرة: حذر النبي عليه الصلاة والسلام من عصبية الجاهلية، قالوا: فالذي يتعزى بآبائه فإنما هو كالجعل يأخذ الخراء بمنخره، أو يدفع الخراء بمنخره. وجاء في حديث أبي هريرة في الآخر قال: «والذي نفسي بيده، ليجعله الله عز وجل في جهنم، كالجعل يدفع الخراء بمنخره». فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تفتخروا بآبائكم». والنبي عليه الصلاة والسلام أيضاً قال: «إثنتان في أمتي هما كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت». والطعن في الأنساب هو من الطعن في الأنساب، يفتخر بأنه من ولد فلان، أو من قبيلة فلان، يفتخر على الآخرين ويحتقر الآخر، أنت وضيع، قل له: أنت من آل فلان، هؤلاء وضعاء، وكذا قبيلتهم ليست تلك القبيلة، أما نحن فنحن من قبيلة فلان، فهذا لا يجوز، حتى التعزي أو الافتخار به في أهل الإسلام، فكيف بمن يفتخر بأهل الجاهلية، فكيف بمن يفتخر به في أهل الجاهلية؟ فقال: «لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية، هو الذي نفسه بيده، هو الذي نفسه بيده، بما يدهده الجعل». وهنا معنى التنبيه: لو كان مثلاً أبوه صالحاً، وذكر مثلاً شيء من صلاح أبيه، لا يدخل في هذا، إلا أن كان أراد أن يفتخر أن أباه كان صالحاً وأنه كذا، فهو من هذا الباب، لكن إن كان مثلاً يريد أن يذكر فضيلة، فضيلة لأبيه، وأنه كان يفعل ويفعل، فلا بأس من ذكر هذه الفضائل، لكن ليس على سبيل الافتخار، فالافتخار لا يفيد المفتخر شيئاً، لا يفيد المفتخر شيئاً، لو قال الإنسان: أنا من بني فلان، وفلان، لا يفيده شيئاً، اعمل بعملهم إذا كانوا من الصالحين، وأما للدعاء فالدعاء لا يفيد شيئاً، مثل ما قال الرجل لعبد الله المبارك: من أين لك هذا العلم؟ هذا العلم علم أبائي، وكان رجلاً من أهل البيت، قال: هذا العلم ليس لكم، هذا العلم لنا، نحن، نحن معنى جد النبي عليه الصلاة والسلام، وأما أنت فجدك كافر. فقال له عبد الله المبارك: أنتم لما تركتموه أخذناه نحن. معنى: جواب عظيم، وفيه شيء من اللطف، لأنه كان الرجل فيه سكر، فقال: هذا العلم علم أبائي وأجدادي، وأنتم أخذتموه، قال: لما تركتموه أخذناه نحن. فلذلك لا ينفع أن يكون أباك مثلاً صالحاً وكذا، لابد أنك تكون أشبه به في الصلاح، تتبعه في صلاحه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه». قال: «لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية، فوالذي نفسي بيده، لما يدهده، يدهده، ومعنى يدحرجه، لأن الجعل يدفعه بمنخره، فلذلك يسمونه دهده، خاصة الذي ينزل من أعلى إلى أسفل، معنى يسمى دهده، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يلعب الشيطان بأحدكم فيرى في المنام أن رأسه قد تدهده، فيخبر الناس بذلك». فتدهده، معنى: أنه معنى أنه ينحدر، ينحدر من شيء، فهذا الجعل الذي يأخذ العذر بمنخره ويدفعها، فقال: «لما يدهده الجعل بمنخره، خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية». معنى هذا: النتن، هذا النتن أفضل من آبائكم، لأنهم من المشركين، كيف تفتخرون بأناس من المشركين لم يعبدوا الله عز وجل، بل أشركوا بالله، أشركوا بالله الذي خلقهم، فأي، فأي طيب فيهم، وأي افتخار بهؤلاء الذين هم أشركوا بالله عز وجل الذي هو خلقهم، لم يعرفوا حق الله، فليس فيهم طيب أبداً، بل فيهم الخبث، فلذلك مثلهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا. فهذا ما يأخذ من هذا الحديث، والله تعالى أعلم.