الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 173، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تأمر الآية جميع الناس بالإيمان بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم لأنه جاء بالحق من ربه، ودعوته عامة للثقلين ومهيمنة على الشرائع السابقة. من سمع به من اليهود والنصارى ولم يؤمن دخل النار، مما يدل على أن الإيمان به نافع والكفر به ضار.
تبين الآية أن بعثة الرسل رحمة وحكمة من الله لهداية الخلق، وأن القرآن والسنة يحتويان على أخبار الغيب والتشريع الكامل الذي لا يعلمه إلا الله. ردود قريش المكذبة ودوافعهم تظهر عجزهم، ويختتم المقطع بأن الإيمان خير عظيم للعبد في الدنيا والآخرة.
يجلب الإيمان خيراً عظيماً في الدنيا والآخرة من نصر وهدى وعلم وعمل صالح وجنة، بينما الكفر أو نقص الإيمان سبب للشقاء الدنيوي والأخروي. يؤكد المقطع أن الله غني عن العالمين لا يضره كفر الكافرين ولا ينفعه إيمان المؤمنين، وإنما الضرر والنفع يعودان على العبد نفسه.
توضح الآية أن الله تعالى عليم بكل شيء وحكيم في خلقه وأمره، فهو يعلم من يستحق الهداية ومن يستحق الغواية. وقدر للسعيد السعادة وللشقي الشقاوة في الدنيا والآخرة، والحكيم يضع الهداية والغواية في مواضعها المناسبة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة سعد رحمه الله عند قوله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾. قال رحمه الله: يأمر تعالى جميع الناس أن يؤمنوا بعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ودعوة النبي عليه الصلاة والسلام إلى عامة الثقلين: الجن والإنس. وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعث نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الناس عامة، فدعوة النبي صلى الله عليه وسلم هي مهيمنة على الدعوات، فلا بد أن يؤمن به كل من في هذه المعمورة وسمع بدين محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى اليهود والنصارى: إذا لم يؤمنوا برسول الله أدخلهم الله النار، كما جاء في صحيح مسلم: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار». فدعوته عامة. قال: وذكر السبب الموجب للإيمان به، والفائدة من الإيمان به، والمضرة من عدم الإيمان به. أن هذه الآية مكونة من هذه الأمور الأربعة: أولاً: الدعوة إلى الإيمان. ثانياً: السبب الموجب للإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام. ثالثاً: الفائدة من الإيمان به. رابعاً: المضرة من عدم الإيمان به. هذه أربع فوائد في هذه الآية، أو اجتمعت على هذه المسائل الأربع. فذكر أولاً الأمر بوجوب الإيمان برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا ﴾. ثم قال: ﴿ خَيْرًا لَكُمْ ﴾. قال: فالسبب الموجب هو إخباره بأنه جاءهم بالحق، هذا السبب أنه جاءهم بالحق: ﴿ فَآمِنُوا ﴾. مدام أنه قد جاءكم بالحق، فلماذا تكفرون؟ قال: فمجيئه نفسه حق، وما جاء به من الشرع حق. فإن العقل يعرف أن بقاء الخلق في جهلهم يعمهون، وفي كفرهم يترددون، والرسالة قد انقطعت عنهم، غير لائق بحكمة الله ورحمته. فمن حكمته ورحمته العظيمة: نفس إرسال الرسول إليهم، أنه أرسل إليهم فكان حجة عليهم ليعرفهم الهدى من الضلال، والغي من الرشد. فمجرد النظر في رسالته دليل قاطع على صحة نبوته. وهذه الرسالة متمثلة في كتاب الله، وما كان يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفعله. قالوا: كذلك النظر إلى ما جاء به من الشرع العظيم والصراط المستقيم، فإن فيه من الإخبار بالغيوب الماضية والمستقبلة، والخبر عن الله وعن اليوم الآخر، ما لا يعرفه إلا بالوحي والرسالة. وهذا حجة على الخلق: أن في هذا القرآن، وكذلك في كلام النبي عليه الصلاة والسلام، من الأمور التي لا يعرفها الناس من الغيوب الماضية والمستقبلة. ولهذا ذكر الله عز وجل قصصاً كثيرة عن الماضين، عن الأمم السابقة، وذكر أيضاً أشياء من أخبار الغيب التي ستحصل في اليوم الآخر أو في غيره. وهذا كله لا يعلمه إلا الله. قالوا: وما فيه من الأمر بكل خير وصلاح ورشد. ولما علمت قريش بذلك، وعلموا أن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يقرأ ولا يكتب، قالوا: من أين سيأتي بهذا؟ فقالوا: ﴿ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾، أن هناك من يملي عليه هذه الأساطير وهذه القصص. وقالوا أيضاً: إن نبي الله عليه الصلاة والسلام يعلمه بشر، هناك من يعلمه هذه الأمور. وهذا كله لعلة أن لا يؤمنوا بالله، أو يصدوا عن سبيل الله. قالوا: ومن نهي عن الشر والفساد والبغي والظلم وسوء الخلق والكذب والعقوق. قالوا: ما يقطع به أنه من عند الله، وكلما ازداد به العبد بصيرة ازداد إيمانه ويقينه. فهذا السبب الداعي للإيمان. وأما الفائدة في الإيمان، فأخبر أنه خير لكم: ﴿ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ ﴾. قال: فالإيمان خير، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾. وهذا ليس من باب التخيير، وإنما من باب إخبار أن من دخل الإسلام وآمن بالله فهو في خير عظيم. قالوا: الخير ضد الشر، فالإيمان خير للمؤمنين في أبدانهم وقلوبهم وأرواحهم ودنياهم وأخراهم، وذلك لما يترتب عليه من المصالح والفوائد، وكل ثواب عاجل وآجل. فمن ثمرات الإيمان: النصر والهدى والعلم والعمل الصالح والسرور والأفراح والجنة وما اشتملت عليه من النعيم. كل ذلك سبب عن الإيمان، من فائدة وثمرات من ثمرات الإيمان. إذا لم يكن هناك إيمان لم تكن هذه الأشياء. قال: كما أن الشقاء الدنيوي والأخروي من عدم الإيمان أو نقصه. قالوا: أما مضرة عدم الإيمان به صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيعرف بضد ما يترتب على الإيمان به: أن الإيمان به خير، وعدم الإيمان به شر. قالوا: أن العبد لا يضر إلا نفسه، والله تعالى غني عنه، لا تضره معصية العاصين. ولهذا قال: ﴿ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾. وربنا جل وعلا في أكثر من آية يبين أنه غني عن العالمين: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾. وأيضاً قال موسى لما ذكر ربنا جل وعلا في سورة إبراهيم: ﴿ وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾. يعني: لو كفر أهل الأرض لما ضر الله عز وجل شيء. وكما جاء في الحديث القدسي: «لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً». فالله عز وجل له الغنى المطلق، وأيضاً له السماوات والأرض وما فيهن، فلا يضره عصيان العاصي ولا كفر الكافر، وإنما يضر نفسه. لكن من رحمة الله وشفقته على عباده وكرمه أنه يحب منهم الإيمان: ﴿ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾. قال: أي: الجميع خلقه وملكه، وتحت تدبيره وتصريفه. ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾: بكل شيء، ﴿ حَكِيمًا ﴾: في خلقه وأمره، فهو العليم بمن يستحق الهداية والغواية، أعلم بالسعيد والشقي، وقدر للسعيد السعادة، وقدر للشقي الشقاوة في الدنيا والآخرة. ومن سعد في الدنيا سعد في الآخرة. قال: الحكيم في وضع الهداية والغواية موضعهما. هذا ما ذكره المؤلف في تفسير هذه الآية، والله تعالى أعلم.