كتاب التفسير من صحيح البخاري 37

كتاب التفسير من صحيح البخاري 37

الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 37، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تخفيف قراءة داود للزبور ومناقشة لفظ القرآن

يروي البخاري أن القراءة خُففت على داود عليه السلام فكان يقرأ الزبور قبل أن تُسرج دابته، ويناقش العلماء أن الزبور كتاب مواعظ وأن لفظ «القرآن» في الحديث يطلق على الزبور لجمعه، مع استعراض آراء اللغويين في اشتقاق كلمة «القرآن» وتأكيد أن المخفف على داود هو الزبور لا القرآن المنزل على النبي محمد ﷺ.

بركة المداومة على قراءة القرآن وسهولة الختم السريع

المداومة على قراءة القرآن تيسر على القارئ ختمه في أوقات قصيرة جداً، كما ورد عن الإمام الشافعي والصحابة كعثمان بن عفان وتميم الداري الذين كانوا يختمون القرآن في ليلة واحدة بركعة واحدة، وكذلك النبي داود عليه السلام كان يقرأ الزبور كله في وقت يسير بفضل البركة التي يجعلها الله في قراءة المواظبين.

بركة الله للصالحين والدعاء بالنفع

ما ذُكر من التيسير والبركة في القراءة هو من بركة الله عز وجل لهؤلاء الصالحين، داعياً الله أن ينفعنا بذلك ويجعل فيه خيراً.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. قال: حدثنا إسحاق بن نصر، وهو البخاري، إسحاق بن نصر البخاري السغدي، قال: حدثنا عبد الرزاق، وهو ابن همام الصنعاني، أبو بكر، عن معمر بن راشد البصري اليماني، أبو عروة، عن همام بن منبه اليماني، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِدَابَّتِهِ فَتُسَرَّجُ، وَكَانَ يَقْرَأُ قَبْلَ أَنْ تُسَرَّجَ»، يعني: القرآن. طيب، هذا حديث عندكم: «خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقِرَاءَةَ»، «الْقُرْآنَ»، «الْقُرْآنَ» في كل النسخ؟ «الْقُرْآنَ»، لا، «الْقُرْآنَ»؟ ظهر في بعض النسخ «الْقِرَاءَةَ»، بعضها «الْقُرْآنَ»، وذكر الحافظ هنا أنه وقع في رواية: «بِالْقِرَاءَةِ». طيب، هذا الحديث بقول الله عز وجل: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. الزبور: هذا كتاب من الكتب التي أنزلها الله عز وجل على رسله، أنزله على رسوله داود. وهذه الزبور ذكر العلماء أنها مواعظ، منهم من قال: إنها مئة وخمسون موعظة، ومنهم من قال: إنها مئة موعظة. فهنا الظاهر أنه كان يقرأ الزبور، وليس التوراة؛ التوراة كبيرة، وإنما كان يقرأ الزبور كما قال بعض العلماء. وأيضًا حتى الزبور خُفِّفَ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنَ» أو «الْقِرَاءَةَ»، وسُمِّيَ قُرْآنًا؛ ليس أنه القرآن الذي أنزل على نبي الله عليه الصلاة والسلام، وإنما سُمِّيَ قُرْآنًا أو قِرَاءَةً لأنه جُمِعَ، وعن أي شيء يُجْمَعُ يُقَالُ لَهُ قُرْآنٌ، وهذا في لغة العرب كما ذكر بعض العلماء. إلا أن بعضهم يقول -كالفراء وغيره-: إن هذا ليس موجودًا في لغة العرب، وإنما هذه الكلمة ليست للغة العرب أصلًا، وإنما ظاهِرُهَا أنها فارسية. وقيل: إن القرآن هو ما يَضُمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، وقيل: إنه لأجل أنه يُقْرَأُ فَسُمِّيَ قُرْآنًا. وبكل هذه الأحوال قال أهل اللغة؛ لأن بعضهم يرى أن القرآن غير مشتق. والإمام الشافعي رحمه الله كان يقول: إن القرآن غير مشتق، أي ليس له اشتقاق في العربية، فهو قرآن، اسمه قرآن، من أين اُشْتُقَّ؟ يقول: إنه ليس له اشتقاق، فهو قرآن، يعني كأن التسمية جاءت خصيصة لهذا الكتاب. وتابعه أيضًا بعض علماء اللغة في الخزانة وغيره، لكن يقولون بالاشتقاق، ويقولون: إن هذه الكلمة هي عَلَمٌ على كتاب الله، يعني هي عَلَمٌ على كتاب الله، قد تكون من الجمع، يعني: قَرَأَ، يعني إذا ضُمَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، وذهب إلى ذلك من اللغة الزجاج وغيره، والكسائي، على أنهم يقرؤون، على أنهم يقرؤون. والمهم أنه يُسَمَّى القرآن، لكن هذا الذي خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ ليس القرآنَ، القرآنَ الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما الكتاب الذي أنزل عليه، على داود، هو الزبور، أو التوراة؛ لأن في عهد داود كان يقرأ الزبور ويقرأ كذلك التوراة. فالتوراة كانت تُحْكَمُ بِهَا، يحكم بها النبيون من بني إسرائيل إلى أن جاء عيسى وجاء بالإنجيل، لكن لم ينسخ التوراة، بقيت التوراة أيضًا، لا تزال يعمل بها حتى جاء القرآن ونسخ التوراة والإنجيل. طيب، قال: «خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِدَابَّتِهِ فَتُسَرَّجُ، وَكَانَ يَقْرَأُ قَبْلَ أَنْ تُسَرَّجَ». «تُسَرَّجُ»: يُوضَعُ فِيهَا السَّرْجُ، المِحْمَلُ الذي يُوضَعُ فِي الدَّابَّةِ حَتَّى يَصْعَدَ الرَّاكِبُ عَلَيْهِ وَيَجْلِسُ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَا يَكُونُ وَقْتًا طَوِيلًا، هَذَا وَضْعُ السَّرْجِ عَلَى الدَّابَّةِ لَا يَكُونُ وَقْتًا طَوِيلًا. فَانْظُرْ إِلَى أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَفَّفَ عَلَى دَاوُدَ حَتَّى يَقْرَأَ فِي وَقْتٍ قَصِيرٍ، وَهَذَا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بَرَكَةٌ، بَرَكَةٌ مِنَ اللهِ. وَلِهَذَا تَجِدُ أَنَّ مَنْ اسْتَمَرَّ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَدَائِمًا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، تَجِدُ أَنَّهُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي وَقْتٍ قَصِيرٍ، فِي وَقْتٍ قَصِيرٍ. قَدْ يَرَى بَعْضُ النَّاسِ مَثَلًا أَنَّ هَذَا مُبَالَغَةٌ، وَلِهَذَا مَثَلًا ذَكَرُوا عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَقْرَأُ ثَمَانَ خَتَمَاتٍ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثَمَانِ، أَرْبَعٌ مِنَ النَّهَارِ وَأَرْبَعٌ فِي اللَّيْلِ. لَوْ تَفَكَّرَ الشَّخْصُ بِهَذَا سَيَقُولُ: هَذَا خَيَالٌ، كَيْفَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ كُلَّهَا مَعًا؟ لَوْ قَرَأَ الْإِنْسَانُ بِسُرْعَةٍ يَوْمَهُ كُلَّهُ لَعَلَّهُ يَكُونُ خَتْمَةٌ فِي النَّهَارِ وَخَتْمَةٌ فِي اللَّيْلِ. وَقَدْ جَرَّبَ بَعْضُهُمْ، نَحْوَ الْقِرَاءَةِ، جَرَّبَ بَعْضُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ خِفَافَ الْقُرْآنِ، فَقَالُوا: إِنَّهُ قَدْ يُسْتَطَاعَ أَنْ يَقْرَأَ الشَّخْصُ مِنَ الصَّبَاحِ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَى مَثَلًا قَبْلَ الْعَصْرِ بِسَاعَةٍ، وَكِلَّا، مُمْكِنٌ أَنَّهُ يَنْتَهِي مِنَ الْمُصْحَفِ كَامِلًا. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ مُمْكِنٌ أَنَّهُ يَقْرَأُ ثَلَاثَ مَصَاحِفَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلِ، لَكِنْ ثَمَانِيَةَ هَذَا مِنَ الْخَيَالِ، وَهَذَا بِسَبَبِ التَّخْفِيفِ. وَلِهَذَا كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَتَمِيمُ الدَّارِيِّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فِي لَيْلَةٍ، لَيْسَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، إِنَّمَا مِنْ بَعْدِ الْعِشَاءِ، أَوْ قَدْ يَكُونُ أَنَّهُمْ يَنَامُونَ ثُمَّ يَقُومُونَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَوْ فِي نِصْفِ أَوَّلِ اللَّيْلِ فَيَقْرَؤُونَ الْمُصْحَفَ كُلَّهُ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ. وَهَذَا يُثْبَتُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ عَنْ تَمِيمِ الدَّارِيِّ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا بِسَبَبِ التَّخْفِيفِ، أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَفَّفَ عَنْهُمُ الْقِرَاءَةَ، خَفَّفَ لَهُمُ الْقِرَاءَةَ، فَيَقْرَؤُونَ بِالتَّخْفِيفِ، مَعْنَى بَرَكَةٍ، تَكُونُ عِنْدَهُ بَرَكَةٌ، يَجْعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قِرَاءَتِهِمْ. وَهَكَذَا كَانَ نَبِيُّ اللهِ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَكَانَ يَقْرَأُ الزَّبُورَ كُلَّهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ عَنْهُمْ، أَنَّهُ مِئَةٌ وَخَمْسُونَ مَوْعِظَةً، يَقْرَؤُهَا كُلَّهَا فِي وَقْتٍ يَسِيرٍ عِنْدَمَا تُسَرَّجُ دَابَّتُهُ، وَهَذَا وَقْتٌ قَصِيرٌ، مَا يَأْخُذُ أَرْبَعَ سَاعَاتٍ وَيَقُومُ السَّاعَةَ. وَهَذَا كَمَا قُلْنَا مِنْ بَرَكَةِ، بَرَكَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِهَؤُلَاءِ الصَّالِحِينَ. خَيْرٌ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَعَلَى نَفْعِنَا بِهَذَا اللهُ تَعَالَى.