التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 10

التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 10

الدرس في التعليق على شذرات البلاتين من سير العلماء المعاصرين 10، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

الجلسة الرابعة: استهلال وترجمة مختصرة لزهد الشيخ ابن باز

تستهل الجلسة الرابعة بتلخيص المحاور السابقة من حياة الشيخ العلمية وعبادته، ثم تنتقل لعرض زهده الشديد في الدنيا متمثلاً في رفضه شراء بيت في مكة وتوجيه تلميذه لخدمة المسلمين. يعكس هذا الموقف تواضعه وتقديمه المصلحة العامة على الخاصة.

زهد الشيخ ابن باز وتواضعه وكرمه منذ الصغر

يُبرز المقطع زهد الشيخ برفضه القصر الملكي وتسجيله باسم الجامعة، وتواضعه برفض المدح وأمره بتمزيق ما كُتب في ثنائه. كما يوضح كرمه المبكر بمشاركة طعامه مع طلبة العلم واستضافة الفقراء والغرباء بعد الدروس.

إنفاق الشيخ على الفقراء وطلاب العلم وتسامحه مع الأذى

كان الشيخ ينفق راتبه بالكامل على المحتاجين وطلاب العلم حتى في أفريقيا، ويرفض الفصل بين الأغنياء والفقراء في مأكله، ويغضب من منع الفقراء. كما أباح عرضه للناس محتسباً الأجر متسامحاً مع من يرميه بالبدعة.

الختام والصلاة على النبي وذكر المترجمة

يختتم المقطع بالصلاة على النبي محمد والحمد لله، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.

  • 13 جمادى الأولى 1445هـ - 25/11/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع شذرات البلاتين في تراجم العلماء المعاصرين، ولا نزال في ترجمة إمام كبير وعالم راسخ من العلماء الربانيين الذين رحلوا وتركوا آثاراً عظيمة في الدعوة الإسلامية، وهكذا خلفوا كتباً نافعة في المكتبة الإسلامية. فآخر ما تكلمنا كان الحديث حول علم من هؤلاء الأعلام، فمن هو يا أبا سعد عندك؟ نعم، أحسنت. تكلمنا حول مفتي المسلمين في زمانه وعالم الأمة في حينه رحمه الله تعالى. وهذا المجلس، نعم، وهذا المجلس الرابع الذي نتذاكر فيه جوانب من سيرة هذا الإمام وجوانب من حياته العلمية والدعوية، وهذا إن دل على شيء دل على عظمة هذا الإمام والنفع العظيم الذي كان على يديه. وقد تكلمنا في مجالس سابقة حول مولده، أو قبل ذلك اسمه ونسبه ومولده ونشأته، وهكذا حياته العلمية والعملية. وتكلمنا كذلك أيضاً حول مشائخه وتلاميذه، وتكلمنا كذلك أيضاً حول الأعمال العلمية التي عملها رحمه الله تعالى، وهكذا أيضاً المؤلفات النافعة والفتاوى الراسخة التي تركها رحمه الله تعالى. أيضاً تكلمنا على صفاته، صفاته الخلقية، وهكذا أيضاً الخلقية، وكذلكم أيضاً تكلمنا حول جانب عظيم ألا وهو الغيرة التي كانت لدى هذا الإمام، وتتمثل في جوانب عديدة منها رده على المبطلين والمخالفين من العلمانيين والحداثيين، وهكذا أيضاً من المبتدعة ومن المبتدعة وغيرهم. أيضاً تكلمنا حول مكانة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى عند العلماء من الإجلال والاحترام والتقديم لهذا العالم الراسخ. أيضاً تكلمنا حول الصبر والجلد الذي كان عليه في مجال الدعوة وفي مجال العلم والتعليم وغيرها من الجوانب. كذلكم أيضاً حرصه على النصيحة، حرصه على النصيحة للمسلمين. وهكذا أيضاً ذكرنا أن الشيخ ابن باز مما عرف به أنه يملك لساناً رطباً بذكر الله عز وجل، وهذا يلاحظه كل من لاقاه ولول لحظات، بل من سمع دروسه وسمع فتاويه فيلاحظ ذلك جلياً. وهكذا تكلمنا حول جانب البكاء الذي عرف به الشيخ، سريعاً التأثر، وقد يتأثر فلا يستطيع أن يكمل الدرس، ولا سيما إذا ذكر له من أحوال المسلمين ما ذكر من المعاناة، وهكذا أيضاً من الاضطهاد ومن الجرائم التي يتعرض لها المسلمون. مع كونه كثير البكاء وسريع البكاء إلا أنهم ذكروا له جوانب تدل على مزاحه رحمه الله تعالى، كان لربما يمزح مع طلابه ومع من يستفتيه، وهذا يدل على حسن خلق وعلى تواضع عظيم لدى الشيخ رحمه الله تعالى. ومن أواخر ما ختمنا به الدرس الأخير هو روائع من حفظ الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، وذكرت بعض المواقف والأمثلة التي تدل على قوة الحفظ وقوة الاستحضار. قلنا: البعض قد يحفظ لكنه لا يستحضر، الشيخ ابن باز جمع مع قوة الحفظ قوة الاستحضار كما سبق معنا. وهكذا جوانب أخرى تكلمنا عنها في المجالس السابقة. هذا المجلس الرابع الذين نتذاكر فيه بعض الجوانب من ترجمته رحمه الله تعالى. ومما تميز به رحمه الله أنه كان بعيداً عن الدنيا، أتته الدنيا فرفضها ولم يتعلق قلبه بها، وإنما جعلها في يده ينفع بها من استطاع أن ينفعه من المسلمين. وذكروا في ترجمته أنه كان لا يملك بيتاً، أنه كان لا يملك بيتاً، هكذا ذكروا، ولعلهم يعنون في الطائف والمدينة، والمدينة. وذكروا أن أحد طلابه وهو الدكتور الزهراني استأذن الشيخ أن يشتري له البيت الذي كان يسكنه في مكة، الشيخ كان يستأجر إذا نزل إلى مكة، فطلب منه أن يشتري له هذا البيت بدلاً من أن يبقى مستأجراً، فقال الشيخ لهذا الرجل: «اصرف النظر عن هذا الموضوع، اشتغل في حوائج المسلمين، اشتغل في حوائج المسلمين». نحن اليوم لو أتى شخص وعرض على أحدنا أن يشتري له البيت الذي يسكن فيه بالإيجار لعد ذلك غنيمة، وكذلك أيضاً فرصة قد لا تتكرر، لكن هؤلاء العظماء كانت الدنيا في أيديهم. وذكر للشيخ موقف آخر في المدينة حين أن كان رئيساً للجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، ذكروا أن الملك فيصل رحمه الله تعالى زار المدينة النبوية وزار الشيخ ابن باز إلى بيته بالمدينة، بيته بالمدينة، فقال الملك فيصل للشيخ ابن باز: «إنا سنعمر قصراً لكم، أي سنبني لكم قصراً»، فسكت الشيخ ولم يجبه. فلما عمر القصر وماذا أرادوا أن يسجلوا سكا باسم الشيخ في هذا القصر، قال الشيخ رحمه الله تعالى: «لا، سجلوه باسم الجامعة الإسلامية، باسم الجامعة الإسلامية، حتى لو جاء رئيس بعدي يسكن في هذا البيت». فهذا وغيره كثير يا إخوان يدل على بعده عن الدنيا، وهذا يا إخوان من الصفات الجلية التي هي لأهل العلم الراسخين الربانيين، ولا يليق بعالم أن تكون الدنيا في قلبه، في قلبه. الشيخ رحمه الله تعالى كان يكره المدح، إذا مدح بل كان ينكر على من مدحه، كان ينكر على من مدحه. ومن ذلك رده على الشيخ الدكتور محمد تقي الدين الهلالي رحمه الله تعالى حين أن جعل ونشر منشوراً يمدح فيه الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، كتب الشيخ في الرد عليه مع الثناء على هذا الشيخ رحمه الله تعالى. وهكذا أيضاً ذكروا أن مجلة الدعوة وهي من المجلات المشهورة كانوا عازمين على أن يجعلوا جناحاً في المجلة خاصاً بالشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، فالشيخ رحمه الله تعالى نهاهم عن ذلك، نهاهم عن ذلك، بل أمر بتمزيق ما كتب من المدح والثناء في أو عن حياته رحمه الله تعالى. أيضاً كان الشيخ رحمه الله تعالى مما عرف به أنه كان مخفياً لعمله، العمل الذي يعمله، كان يحاول قدر المستطاع أن يبقى خفياً، إلا أن الله تعالى كتب له الظهور، ولعل سبب ذلك ما كان عليه الشيخ من الإخلاص والصدق، من الإخلاص والصدق. الشيخ رحمه الله تعالى كان عظيم الكرم، وحين أن يتكلم المرء حول كرم إمام كالشيخ ابن باز فإنه يخوض بحراً كما قيل لا ساحل له، لا ساحل له. ولهذا يا إخوان شهد الجميع العدو والصديق والقريب والبعيد للشيخ رحمه الله تعالى بالإمامة في هذا الباب. وكرمه رحمه الله تعالى ليس بعد أن صار كبيرا شيخاً عالماً مشهوراً، بل هذه صفة كانت لدى الشيخ رحمه الله تعالى منذ الصغر، منذ الصغر. زد على ذلك أن كرمه ليس بالمال فحسب، بل وبالجاه والشفاعات وغيرها، وليس محصوراً في المملكة فقط، وإنما جوده وكرمه قد بلغ أنحاء عديدة من أنحاء الدنيا وأسقاع المعمورة، وأسقاع المعمورة. فمن جوانب كرمه رحمه الله تعالى ما ذكره عنه شقيقه الأكبر، لو تذكرون ذكرنا أن للشيخ شقيقاً أكبر منه يقال له محمد، فيذكر أخوه محمد قال: كان الشيخ عبد العزيز يطلب من والدتهم أن تزيد في الغذاء والعشاء، تزيد في الغذاء والعشاء، ثم ثم يأخذه معه لطلاب العلم، ثم يأخذه معه لطلاب العلم. قال محمد أخوه: قال فقلنا له: لماذا تقوم بذلك بالسمرار دائماً دائماً أنت تطلب من الوالدة أن تزيد في الغذاء والعشاء وأنت تعرف حالنا وأنت تعرف حالنا، حالة ضعيفة وفقراء، وفقراء. فيقول الشيخ رحمه الله تعالى: يقول: «إن الله كريم وسيبسط لنا في الرزق، إن الله كريم وسيبسط لنا في الرزق». وأيضاً من هذه المواقف هناك رجل من أقرب الشيخ يقال له سعد ابن حسين، وذكروا أنه أكبر من الشيخ بعشر سنوات، فيخبر هذا الرجل قائلاً: قال أن الشيخ رحمه الله تعالى كان يحضر دروس الشيخ محمد ابن ابراهيم آل الشيخ، قال فإذا انصرف من الدرس وهو في الطريق يأخذ معه من لقي من طلبة العلم الغرباء والفقراء والمساكين، ثم يذهب بهم إلى البيت وما وجد قدم لهم، وما وجد قدم لهم، بعد الدرس من وجده على الطريق أخذه. ما رأيكم شيء جميل أو ليس بجميل؟ ولا سيما لإخواننا العزاب، جميل جداً. كان الشيخ رحمه الله في أول طلبه، انظر كيف يفعل ذلك. وذكر أن راتب الشيخ راتباً كبيراً هو كما يقال في رتبة وزير، إلا أنه كان يستدين، كان يستدين قبل انتهاء الشهر، أين يذهب؟ كان ينفقه يا إخوان على المحتاجين وعلى كذلكم أيضاً ماذا على المساكين وعلى طلاب العلم. بل قد تتواصل معه امرأة في أدغال إفريقيا تعرف ابن باز، فتتواصل معه وتذكر حالتهم وأذية الكفار لهم وفتنتهم في دينهم، فيواسيها من راتبه ويرسل إلى من كان مسؤولاً وقائماً بالدعوة ومراكز العلم هناك، فيعطيها لهذه المرأة أو يبني لها بيتاً أو غير ذلك. بل حدثني أحد الإخوة عن بعض المشائخ أنهم كانوا في ندوة، فالشيخ كان في الندوة، فجعه أحد طلاب العلم وهمس في أذن الشيخ يقول: يا شيخ أريد ثلاثمائة ريال، أريد ثلاثمائة ريال. ماذا فعل الشيخ؟ ما عنده ثلاثمائة، فماذا ذق الذي بجانبه؟ وذكره أحد المشائخ القائمين بالدعوة قال: هذا ثلاثمائة، فأعطاها إياه، فقام وسلمها لهذا الشخص. الشيخ يا إخوان من كرمه قالوا كان لا يأكل إلا مع الفقراء والمساكين وغيرهم، وكان بيته بالطائف ومكة والمدينة والرياض كان مفتوحاً لهم، أي للفقراء والمساكين وطلاب العلم، وكان يغضب إذا منع الحراس أحداً من الدخول، أحداً من الدخول. وذكروا أنه كان ذات مرة أتى إلى الطائف، أتى إلى الطائف فلم يرى أحداً جاء إلى البيت، لم يرى أي لم يشعر، هو أعمى لا يرى، لكن لم يشعر أحداً بأن أحداً في البيت، فماذا والأبواب مفتوحة لاستقبال الفقراء والمساكين وطلاب العلم ومن عنده سؤال ومن عنده قضية إلى غير ذلك؟ فسأل الشيخ من عنده: قال لماذا لم يأتي الناس، أي للغذاء، لماذا لم يأتي الناس؟ قالوا: يا شيخ الذين علموا بمجيئك أرادوا أن ترتاح، يعني أول يوم جئت من سفر أرادوا أن ترتاح يوماً أو يومين أو ثلاثاً ثم يأتوك. قال الشيخ: لا لا، اذهبوا، وأمر من عنده أن يخرج إلى السوق، إلى السوق، وماذا وإلى الجيران يخبرهم بأن الشيخ موجود وأنه سوف يغذيكم هذا اليوم، يدعو الناس كلهم، يدعو الناس كلهم. يا إخوان هذا الرجل كان يلقب بأبي المساكين، بأبي المساكين. ولهذا ذكروا أن بعض الأغنياء ممن يأتي إلى بيت الشيخ تضايق من وجود فقراء ومساكين وطلاب علم، فذكروا لمن حول الشيخ: لو أن الشيخ يجعل مكاناً للفقراء والمساكين يغذيهم ومكان آخر هو يجلس مع الأغنياء ويجلس مع علية القوم. فغضب الشيخ رحمه الله تعالى غضبا ثم قال: «الذي لا يعجبه وتأبى نفسه أن تجلس ويأكل مع الفقراء والمساكين ليس بمجبور، ليس بمجبور، ما جبرنا أحداً، يعني ما غصبنا أحد يجلس معنا، ما جبرنا أحداً يخرج يأكل مع أهله، لذي ما يريد يأكل مع الفقراء والمساكين يذهب بيتهم ويأكل مع أهله، قال أما أنا فلن أغير من طريقتي شيئاً، فلن أغير من طريقتي شيئاً». وكل ذلك يا إخوان يعتبر باباً من أبواب الدعوة إلى الله تعالى. وذكر يا إخوان أن من أبلغ وأعظم كرمي الشيخ رحمه الله تعالى ليس في الطعام والشراب، وإنما في العرض، وإنما في العرض، أنه أباح عرضه للناس كلهم، للناس كلهم، قال: «ظهري حلال لكل مسلم». وفي بعضها قال: «إلا المبتدعة، إلا المبتدعة». ولما ذكر له سائل ذات مرة أن فلاناً يقول عنك أنك مبتدع، قال في واحد يقول فيك يا شيخ ابن باز أنك مبتدع، فقال الشيخ رحمه الله تعالى: قال: «هو مجتهد، هو مجتهد، مجتهد في ماذا؟ في رميه بالبدعة». نحن اليوم لو قيل لأحدنا فلان تكلم فيك لربما يهجره عن بعد، يهجره عن بعد، فكيف إذا قرب؟ ورحم الله الشافعي إذ يقول: تستر بالسخاء فكل عيب يغطيه، يغطيه كما قيل السخاء. وطالبنا المجلس، ولا زال للحديث تتمة وبقية في مجلس نرجو أن يكون هو الأخير، الخامس والأخير، حول حياة هذا الإمام وهذا العالم الكبير رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، وجمعنا به وبإخوانه العلماء في أعلى الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر