تناول الدرس تفسير سورة قريش بوجهين: نعمة الأمن والإطعام عقب سورة الفيل، أو سورة مستقلة تدل على تأليف القلوب برحلتي الشتاء والصيف. وبين حكم تلاوة القرآن والذكر حال الانشغال أو عدم فهم المعنى، مؤكداً حصول الأجر على الحروف وتضاعفه بالتدبر.
أوضح المقطع فضل معرفة معنى الدعاء وتواطؤ القلب مع اللسان، ثم أجاب عن ثلاثة أسئلة: حكم أكل الكبير لفديته وجواز إخراجها زكاة فطر، وإعطاء الفدية لمسكين واحد، ومشروعية قنوت النوازل للمنفرد مع ترجيح الدعاء في السجود والثلث الأخير.
أفتى الشيخ بعدم إفطار الصائم بطعم السواك في الحلق لعدم التعمد، وتحريم الاستثمار بضمان رأس المال وربح يومي ثابت لكونه ربا، وجواز قضاء رمضان يوم الجمعة منفرداً لعذر العمل بشرط عدم تخصيصها تعبداً.
اختتم المتحدث الحلقة بالدعاء للحضور بالحفظ في أمان الله، وودعهم بتحية الإسلام الكاملة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. الإخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً ومرحباً بكم في لقاء جديد من لقاءات برنامجكم "من أسئلة المستمعين"، والذي نستضيف من خلال حلقاته الشيخ الفاضل أبا همام عبد الله بن علي باسعد، إمام مسجد عبد الرحيم بمدينة الشحر، والمدرس بدار الحديث بالشحر. في مطلع هذه الحلقة وهذا اللقاء نرحب بشيخنا الفاضل، فأهلاً وسهلاً بكم. وأنا أرحب بكم، مستمعين ومستمعات، حفظكم الله جميعاً. حياك الله وبرك الله فيك. في بداية هذه الحلقة، هذا السائل الأخ أمين أحمد يقول: ما معنى قول الله سبحانه وتعالى "لإيلاف قريش"؟ الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: فالجواب على هذا السؤال، وهو ما معنى قول الله عز وجل "لإيلاف قريش"، في هذه الكلمة للمفسرين طريقتان: الطريقة الأولى: أن جماعة من المفسرين جعلوا هذه السورة تابعة لسورة الفيل. "ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟ ألم يجعل كيدهم في تضليل؟ وأرسل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول". "لإيلاف قريش": أي هذا كله لأجل قريش، حتى يعلموا ويشكروا الله عز وجل. الله عز وجل منع عنهم الفيلة، منع عن مكة الفيلة فلم تدخلها، وهذه نعمة عظيمة. بل جعل الله عز وجل من أراد أن يخرب الكعبة جعله كعصف مأكول، كالعصف الذي تأكله البهائم، وهذا نعمة من الله لمن؟ لأهل قريش. فأراد الله عز وجل أن يجمع كلمتهم، فمنع عنهم هذا العدو، فليحمدوا الله ويشكروه، ويجتمعوا على توحيد الله جل وعلا، لأن الله عز وجل أمرهم لذلك. هذا تفسير. والتفسير والطريقة الأخرى: من المفسرين من جعل هذه السورة أنها سورة منفردة وحدها، ليست تابعة لسورة الفيل. فلهذا قال "لإيلاف قريش": أي لتأليف قلوبهم. أن الله عز وجل ألف قلوبهم، وأراد ربنا جل وعلا أن يجمعهم. ومن هذا الذي جمعهم الله عز وجل، أو أراد الله عز وجل أن يجمع قلوبهم، أن هيأ لهم رحلتين: رحلة في الصيف، ورحلة في الشتاء. وهذا مما يؤلف قلوبهم. وكذلك أيضاً آمنهم من الخوف، وأطعمهم من جوع. "أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف". وهذا كله أيضاً مما يشكرون الله عز وجل، وأيضاً يجمع قلوبهم على التوحيد وعلى الخير. فهذا معنى هذه الآية، وهو قول "لإيلاف قريش": إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. فهذا معنى "لإيلاف": لأجل أن يؤلف بين قلوبهم. جزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم. يقول السائل الكريم: هل إذا قرأت القرآن وأنا مشغول بشيء آخر، هل أحصل على أجر التلاوة أم لابد من استحضار كامل في القراءة؟ وهل إذا لم أستحضر هل أنا مأجور على التلاوة؟ مسألة تلاوة القرآن والإنسان المشغول: قد ذكر العلماء أن التلاوة وحدها يعتبر فيها الأجر، ولو كان لم يستحضر ولم يتدبر، فإنه يتحصل على أجر التلاوة. كما جاء في الحديث، حديث عبد الله بن مسعود في قراءة القرآن: "أن كل حرف بعشر حسنات، لا أقول الم حرف، لكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف". فهذا الحديث جاء مرفوعاً وموقوفاً على عبد الله بن مسعود، أي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أن بكل حرف عشر حسنات. فلهذا سواء كان قارئاً وهو مشغول، أو وهو مستحضر، فأجر القراءة موجود بإذن الله عز وجل. لكن إذا تدبر القرآن، لا شك أن أجره يعظم. وإذا استحضر أيضاً الآيات، فأجره أعظم عند الله جل وعلا، لأن الله عز وجل جعل استحضار هذه الآيات وتدبرها جعله من فتح القلوب، من فتح هذه القلوب وإحيائها. "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها". الله أعلم. جزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم. أيضاً يقول: هل إذا قلت "سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته" مرة واحدة، لكن لا أعرف معناها، هل يؤجر على أجر مضاعف ثوابه بهذا العدد؟ الإجابة على هذا السؤال: أيضاً الذكر مثل القرآن، الذكر يؤجر عليه العبد. لكن لا شك أن معرفة معناه أعظم، وأيضاً تواطؤ القلب مع اللسان أعظم، أنه يستحضر هذا الدعاء والذكر. لكن إذا لم يعرف معناه، فذكر الله عز وجل بهذا الذكر فإنه يجزيه، وأيضاً كذلك يتحصل على أجره أنه أتى بهذا الدعاء. والله أعلم. جزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم. يقول السائل الكريم: أعطاه رجل فدية طعام لكبير في السن لا يستطيع الصوم، يسأل يقول: هل يجب علي أكلها كونه أخرجها إطعاماً؟ وهل يجوز لي أن أخرجها زكاة فطر إذا لم آكلها؟ الجواب على هذا: على من أعطي شيئاً صدقة أو هدية أو هبة أو عطية أو غير ذلك، فهو يكون في ملكه، يدخل في ملكه. فمدام أنه يدخل في ملكه، فيجوز له أن يتصرف فيه، سواء كان بأكله أو ببيعه أو بإهدائه أو بإخراجه مثلاً زكاة فطر. وكل ذلك جائز، لأنه قد دخل في ملكه. فهو مثل الذي يكسبه من الطعام أو من المال، فيدخل هذا في ملكه كذلك. والله أعلم. يقول السائل الكريم: فدية الإطعام في رمضان، لو أعطاه المعذور عن الصيام لمسكين واحد، هل في ذلك حرج؟ الإجابة على هذا السؤال: أن يقال أنه يجوز، يجوز أن تعطى كفارة الصيام لمسكين واحد. لأن الله عز وجل لم يأتِ أيضاً في السنة تقييد هذه الكفارة، كما جاء في تقييدها في كفارة اليمين، وكذلك كفارة... أقصد في كفارة الظهار. فهذه جاء التقييد بأطعام كذا وكذا من المساكين، مثلاً في كفارة الظهار، وكفارة الجماع في نهار رمضان، جاء أنه يطعم ستين مسكيناً. وفي كفارة اليمين أنه يطعم عشرة مساكين. فهذا جاء التحديد، فما جاء به التحديد لابد أن يأتي بهذا التحديد. فكفارة اليمين مثلاً لابد أن يعطيها عشرة، وهذا هو قول جمهور العلماء. لو أعطاها ثلاثة لا تجزئ، لابد أن يعطيها عشرة. لكن فدية الصيام، وما لم يكن فيه مثل فدية أيضاً الحج وغير ذلك، ما لم يأتِ مثلاً فيه تقييد، فإنه يعطى ولو مسكيناً واحداً. ولو مسكيناً واحداً يعطى هذا الإطعام. فلو مثلاً عليه شهر، أخرج عشرين كيلو من الأرز، فأعطاها بيتاً واحداً، هذا جائز، هذا جائز. الله أعلم. بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً. يقول سائل كريم: هل يشرع القنوت، يعني قنوت النوازل، للمنفرد، ذكراً كان أو أنثى؟ وفي أي الصلوات يشرع القنوت؟ مسألة القنوت في النوازل: هذا قد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في عدة أحاديث. من ذلك حديث أنس في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام قنت على الذين قتلوا القراء السبعين، كما في البخاري، دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم شهراً، يقنت في الفجر، يقنت في الفجر. وفي حديث البراء بن عازب في المغرب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في النوازل في الفجر والمغرب. وفي حديث أبي هريرة: أنه قنت في الفجر والظهر والعشاء. وفي حديث عبد الله بن عباس: أنه قنت في الخمس، الفرائض الخمس كلها. فظاهر، كما قال بعض أهل العلم، أن هذا من باب التنوع، أنه يجوز هذا ويجوز هذا ويجوز هذا. وأيضاً كذلك أن هذا جاء في الفرائض، جاء في الفرائض التي كان يصليها النبي عليه الصلاة والسلام، وجاء عن الصحابة. أما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأتِ أنه قنت نوازل في غير الفرائض. لكن جاء عن الصحابة أنهم كانوا يقنتون في النصف الأخير من رمضان، يقنتون قنوت نوازل، كما قال أبو هريرة وغيره: أنهم يدعون للمسلمين، ويلعنون الكافرين، ويلعنون الكافرين. وقال أنس أيضاً كما في المسند: كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يدعو لأحد أو أن يدعو على أحد قنت. فيجوز القنوت في النوازل، لكن الظاهر أنه في الجماعات. وأما الإفراد فلم يأتِ ما يدل عليه أن الإنسان يدعو في صلاة الإفراد، لكن يدعو في السجود، يدعو في سجوده فهو أولى وأفضل. يدعو في سجوده فهو أفضل وأولى، أنه يدعو في السجود. لمن أراد أن يدعو له، يدعو. قنوت معناه يدعو للنوازل. أيضاً كذلك يدعو في النصف الأخير، في الثلث الأخير من الليل، ولو لم يكن في صلاة، ولا يدعو لأن ذلك وقت إجابة. فالدعاء في وقت الإجابة وفي أماكن الإجابة فأفضل من غيره. لكن السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه دعا في الجماعة، في صلاة الجماعة، فيكون في صلاة الجماعة يدعو لقنوت النوازل. الله أعلم. جزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم. يقول السائل أيضاً: ما حكم صوم الصائم إذا أحس بطعم عود الأراك في حلقه؟ هل يلزمه أن يبصق بعد الاستياك؟ فإذا حسه في حلقه، كما قال: لا يلزمه، ولكن ولا يؤثر في صيامه. لا يؤثر في صيامه، لأن هذا مما لا يحترز عنه الإنسان. وهذه مثل هذه الأشياء التي لا يحترز عنها الإنسان، وتخرج أو تبلع على الريق، فلا لا تفطر صيامه. لأنه كما قلنا: غير متعمد، ولا بد في الإفطار أن يكون متعمداً. وعما مثلاً: هل يبصق أو لا؟ الأفضل له أن يبصق، الأفضل له أن يبصق. لكن ما دخل بغير تعمد ولم يستطع التحرز منه، فلا يعتبر فيه خدش للصيام، وإنما صيامه صحيح. الله أعلم. بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً. يقول السائل حفظكم الله تعالى: ما حكم التعامل مع بعض الشركات، تدفع لهم مبلغاً من المال لمدة سنة يستثمرونه، ويعطونك الربح زائداً على ما دفعته، ويقولون: رأس المال مضمون، فقط بس الأرباح حسب الفائدة، نسبة الأرباح من 4% إلى 8% من رأس مال المستثمر كل يوم حسب الفائدة؟ ما حكم الاشتراك في هذه المعاملة، حفظكم الله؟ إذا كانت الشركة تكون الربح بحسب الفائدة، فهذا جائز. لكن هنا معناه: إذا كان مثلاً الربح غير معلوم وغير محدد، فهذا يجوز، معناه يكون على حسب الفائدة. وأما تعيين مثلاً مال معين، مثلاً يعطى في شهر مائة ألف أو كذا، فهذا لا يجوز، وهو نوع من أنواع الربا. وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام في الشركات التي تكون في المزارعة، وأنا في المزارعة، وحكم الشركات مثل حكم المزارعة. وأما إذا كان يعطيهم على حسب الفائدة، الربح على حسب الفائدة، وأيضاً بنسبة، فهذا جائز. لكن هنا الإشكال: قوله أن رأس المال مضمون. رأس المال مضمون، وقد ذهب جماعة من أهل العلم، وهو قول جمهور العلماء، أن مثل هذه الشركات لا تجوز إذا كان المال مضموناً. لابد أن تكون الشركة تكون في الربح والخسارة، تكون في الربح والخسارة. إذا خسرت هذه الشركة يخسر هذا الرجل، قد يكون مثلاً يقال مثلاً أن الخسارة بعيدة، ولو كان كذلك لكن لا يشترط، لا يجعله شرطاً على أن رأس المال مضمون. بل لابد أن يكون في الربح والخسارة. هذا موضوع الشركات في الإسلام: أنه يكون في الربح وفي الخسارة. وأما إذا كان في الربح فقط، والخسارة لا، فأكثر العلماء على بطلان مثل هذه الشركات. الله أعلم. جزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم. آخر سؤال في هذه الحلقة، شيخنا الكريم: هذا السائل مرض ثلاثة أيام في رمضان، واضطر إلى الإفطار، الآن يسأل حفظه الله تعالى، يقول: في مسألة القضاء، عنده الأسبوع كامل عمل، ما يستطيع أن يصومه إلا الجمعة. هل يجوز له أن يصوم الجمعة لهذا الحال؟ الإجابة على هذا السؤال بتوفيق الله: يقال أن النهي الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في تخصيص الجمعة، هو نهي تخصيص، أن يخصص الجمعة لأجل أنها جمعة. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام، ولا نهارها بصيام، إلا صوماً كان يصومه أحدكم". فلهذا فالجمعة إذا أفردها لأجل أنها جمعة، فهذا المنهي عنه. وأما كان لأجل أنه لا يجد يوماً آخر يصوم فيه إلا الجمعة لعذره، فلا بأس أن يصوم يوم الجمعة، يقضي في يوم الجمعة، هذا لا بأس، لأنه لم يتعمد الإفراد، ولم يفرد لأجل الجمعة، بل لأجل أنه اليوم الذي يكون فيه فارغاً، أي بدون عمل. والله أعلم. جزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم. بهذه الإجابة نأتي إلى ختام هذه الحلقة من حلقات برنامجكم "من أسئلة المستمعين". تفضل بالإجابة على أسئلتكم الشيخ الفاضل أبو همام عبد الله بن علي باسعد، إمام مسجد عبد الرحيم بمدينة الشحر، والمدرس بدار الحديث بالشحر. إلى لقاء آخر بإذن الله تعالى. تقبلوا تحيات محدثكم أبو خليل مصطفى باثقيني. وفي أمان الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.