الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 275، ألقاها
ذكر الإمام البخاري رحمه الله بابا عن تغيير الأسماء المستقبحة، ويستحب تغيير الأسماء التي تحمل معاني مستقبحة. لا يجوز تشبيه الإنسان بالحيوانات المستقبحة لما في ذلك من امتهان لكرامة الإنسان.
غير النبي صلى الله عليه وسلم اسم رجل من شهاب إلى هشام لما يحمله الاسم الأول من معنى سيئ، ويستدل بذلك على استحباب تغيير الأسماء ذات المعاني السيئة. هذا التغيير جاء لتحسين المعنى المرتبط بالاسم.
يحذر المقطع من التسمية بأسماء وألقاب تضاف إلى الدين لأنها قد تحمل معاني التزكية، ويُنصح بترك هذه التسميات لتجنب التزكية الذاتية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب غراب، قال: حدثنا محمد بن سنان، قال: حدثنا عبد الله بن الحارث بن أبزى، قال: حدثتني أمي رائطة بنت مسلم، عن أبيها، قال: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم حنينا، فقال لي: «ما اسمك؟» قلت: غراب، قال: «لا، بل اسمك مسلم». بواب الإمام البخاري رحمه الله، هذا الباب «باب غراب» في ضمن ذكر الأبواب التي أو ذكر الأسماء التي غيرها النبي عليه الصلاة والسلام. وذكر في هذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام غير اسم هذا الرجل من غراب إلى مسلم. والحديث ضعيف الإسناد، فقائطة بنت مسلم لا تعرف، لكن معناه صحيح. معناه صحيح، فغراب اسم حيوان وطائر معروف بالاستقباح، فهو طائر يأكل الجيف والنتن، وفاسق من الفواسق التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها. فهو غراب اسم مستقبح، اسم مستقبح، فلذلك يستحب تغيير مثل هذا الاسم، وما كان بمعناه من التسمي ببعض الحيوانات التي تحمل معاني مستقبحة أو تكون هي كذلك مستقبحة، فلا ينبغي التسمي بها كالحمار والكلب وقنفذ أو كذلك غيرها من الحيوانات. فالتسمي بمثل هذه الأسماء، أسماء الحيوانات المستقبحة مما ينبغي اجتنابه. ومن تسمى بمثل هذا الاسم، فينبغي أن يجتنبه وأن يبدله ويغيره إلى اسم حسن. يغيره إلى اسم حسن. وأما ما لا يحمل معنى مستقبح، فلا بأس بالتسمي به، كالتسمي باسم أسد أو فهد أو نمر أو نحوها من أسماء الحيوانات التي لا تستقبح، فهذا لا بأس به. والإنسان إذا مدحه باسم مثل هذه الحيوانات، فإنه يفرح بذلك، ويقال له: أنت أسد أو فهد أو نمر، فإنه يفرح مثل ذلك، بخلاف لو قيل له: أنت حمار أو كلب أو قنفذ أو جعل أو كذا من الحيوانات المستقبحة، فإنه لا يرضى بذلك. وكذلك لا يجوز وصف الإنسان بمثل هذه الحيوانات، فقول الشخص لأخيه: أنت حمار أو أنت كلب أو نحو ذلك من هذه الأسماء، هذا لا يجوز. ومثل ذلك أيضا ما قد يصدر من الأب لولده، ربما إذا غضب الولد على ولده قال: يا حمار أو يا كلب، هذا لا يجوز. والله عز وجل قد كرم الإنسان، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾، لا يجوز أن يشبه الإنسان الذي كرمه الله عز وجل بالحيوان. ولهذا نجد كثيرا من الأحاديث التي جاءت في ذم التشبه بالحيوان، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إقعاء كإقعاء القرد أو الكلب، وهكذا افتراش كافتراش السبع، والتفات كالتفات الثعلب، وغيرها كثير. فيها هذا المعنى وهو عدم التشبه بالحيوان، فلا ينبغي للمسلم أن يتشبه بالحيوان أو أن يصف غيره بمثل أوصاف هذه الحيوانات المستقبحة. قال: «باب شهاب»، قال: حدثنا عمر بن مرزوق، قال: حدثنا عمران القطان، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة رضي الله عنها، قال: ذكر رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له شهاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل أنت هشام». والحديث صحيح، صححه الشيخ الألباني رحمه الله. وهذا الباب «باب شهاب»، أي تغيير هذا الاسم أو ما حكم من تسمى باسم شهاب. ذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها، قال: ذكر رجل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له شهاب، أي اسمه شهاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل أنت هشام»، غيره عليه الصلاة والسلام إلى هشام. ففيه استحباب تغيير مثل هذا الاسم، لأن شهاب مقتض من الشهب، والشهاب أو الشهب هو القطعة من النار، القطعة من النار، فهي شعلة من النار يقال لها شهاب أو شهب. والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن أو حذر من ترك النار، وأمر باجتنابها، وأخبر أنها عدو لنا، ﴿إِنَّ هَذِهِ النَّارَ عَدُوٌّ لَكُمْ﴾، فلأجل ذلك التسمي بمثل هذا الاسم ينافي ما أمر به النبي عليه الصلاة والسلام من اجتناب هذا المعنى، معنى النار وما يكون من إحراقها أو كذلك ما يتجزأ منها، فلأجل ذلك يجتنب. ولهذا غيره النبي عليه الصلاة والسلام من شهاب إلى هشام. والأسماء كما مر معنا لها تأثير، الأسماء قوالب المعاني ولها تأثير في الإنسان. وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في «تحفة المودود»، ونقله عن الإمام مالك: أن عمر رضي الله عنه رأى رجلا فقال له: «ما اسمك؟» سأله عن اسمه، فقال: جمرة، قال: «ابن من؟» قال: ابن شهاب، قال: «ممن؟» قال: من الحرقة، قال: «أين مسكنك؟» قال: بموضع النار -أو كلمة معناها- قال: «أيها؟» قال: بذات لغة، قال: «فاذهب فأدرك أهلك فقد احترقوا». قيل: فكان كما قال، أي وجد أهله قد احترقوا. فهذه الأسماء ينبغي أن تجتنب، كل ما فيها معاني النار والإحراق، فينبغي أن تترك وأن تغير إلى أسماء حسنة. ومن القطع ما قد يفعله بعض الناس من إضافة هذا الاسم إلى الدين، فيقال: شهاب الدين. وهذا قطع، لأن شهاب معنى ماذا؟ معناه الإحراق، والدين نور وضياء، الدين نور وضياء، فلا يجتمع هذا المعنى مع معنى الدين. فهذا من القطع، على أنه كما مر التنبيه على أنه يكره التسمي بمثل هذه الأسماء وهذه الألقاب التي تضاف إلى الدين، كنور الدين، وناصر الدين، ومحيي الدين إلى آخره، لما فيها من معاني فيها تزكية واسعة، فينبغي ترك ذلك. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.