الدرس في شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 11، ألقاها
يذم الجدال والخصام في مسائل الدين لما فيهما من ضلال و صرف عن العلم النافع والعمل الصالح. السلف كانوا يكرهون كثرة المسائل والتوسع فيها.
الإمام مالك رحمه الله يذم كثرة الكلام والفتيا والجدال في الدين ويحذر من القول على الله بلا علم. العلم نور يمكن أن يذهب بسبب الجدال.
قول "لا أدري" عند عدم العلم من كمال العلم والخشية لله، وقد حرص السلف على تربيته، واختتم الدرس بالصلاة على النبي وآله وصحبه وتوجيه الشكر للمشاهدين.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام رجب رحمه الله في رسالته «فضل علم السلف على علم الخلف»: الجدال والخصام في المسائل. ومما أنكره أئمة السلف الجدال والخصام والمراء في مسائل الحلال والحرام أيضا، ولم يكن ذلك طريقة أئمة الإسلام، وإنما أحدث ذلك من بعدهم، كما أحدثه فقهاء العراقيين في مسائل الخلاف بين الشافعية والحنفية، وصنفوا كتب الخلاف، ووسعوا البحث والجدال فيها، وكل ذلك محدث لا أصل له، وصار ذلك علمهم حتى شغلهم عن العلم النافع. فالجدال والخصام والمراء في مسائل الحلال والحرام، هذا مما ذمه السلف أن يجادل الإنسان ويخاصم في مسائل الدين: لماذا هذا حلال؟ وهذا حرام؟ لماذا حرم هذا؟ ولماذا حرم هذا؟ وهكذا جدال وخصام، فهذا أمر مذموم، وسيأتي ذكر بعض الأدلة على ذلك. وهكذا أيضا ذكر بعض أقوال السلف في ذمهم للجدال والخصام. وذكر رحمه الله أن ذلك لم يكن طريق أئمة الإسلام، لم يكن هذا من هديهم، ولا من طريقتهم أن يجادل ويخاصم في مسائل الحلال والحرام ومسائل الدين، كما ما أحدثه فقهاء العراقيين في مسائل الخلاف بين الشافعية والحنفية، وهذا يرد على ذاك: الشافعي يرد على الحنفي، والحنفي على الشافعي، وصنفوا كتب الخلاف في ذلك، ووسعوا البحث والجدال فيها حتى شغلهم ذلك عن الأمور المهمة، وعن الاشتغال بالعلم النافع. وهذا لا شك أنه من نتائج الجدال والخصام أنها تشغل الإنسان عما هو أهم، تشغله عما هو أهم، فهو يحتاج أن ينتفع، وأن يشغل وقته بما ينفعه، ويتعلم ما ينتفع به. فإذا فتح هذا الباب: باب الجدال والخصام، صده ذلك عن الانتفاع بالعلم النافع، وكان مانعا من التفقه في الدين. وكذلك أيضا تحصيل العلم النافع، قال: وقد أنكر ذلك السلف، وورد في الحديث المرفوع في السنن: «ما ظل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، ثم قرأ: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون﴾. والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في سننه، وابن ماجه وغيرهم، من حديث أبي أمامة صديم عجلان الباهلي رضي الله تعالى عنه، وهو حديث صحيح. وقد ذكره شيخنا الوادعي رحمه الله في «الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين». وهذا الحديث بين فيه النبي عليه الصلاة والسلام أن الجدال والمراء سبب للضلال: «ما ظل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، فمراء الإنسان وجداله هذا من أسباب الضلال، من أسباب الضلال. فلذلك المسلم يحذر، وطالب العلم على جهة الخصوص يحذر من هذا الباب: من باب الجدال والخصام، فهو من المزالق، ومن أسباب الانحراف. قال: وقال بعض السلف: إذا أراد الله بعبده خيرا فتح له باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبده شرا أغلق عنه باب العمل، وفتح له باب الجدل. هذا القول روي نحوه عن الأوزاعي، قال الأوزاعي رحمه الله: إذا أراد الله بقوم شرا ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل. وهذا الأثر ذكره ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله». وهذا الأثر كما سمعنا، فإن الله جل وعلا إذا أراد بعبده الخير، وفقه للعمل، فتح له باب العمل -يعني بالعلم يعمل ويتقرب إلى الله بفعل الطاعات وبما علم- ويغلق عليه باب الجدل، ما يجادل ولا يخاصم. وهكذا العكس إذا أراد الله عز وجل بعبده شرا أغلق عنه باب العمل، وفتح له باب الجدل، يجده يخاصم ويجادل ويناقش، يجلس مع هذا ويجلس مع ذاك، ويذهب عند هذا ويذهب عند ذاك، وربما ينتقل من طائفة إلى أخرى، ومن جماعة إلى أخرى، يجادل ويناقش، وتجده في باب العمل كما يقال: صفر اليدين، ما عنده شيء من العمل، شغله الجدال والمراء عن العمل. وهذا من دلائل إرادة الله عز وجل به شرا، إذ لم يوفقه للعمل، لم يوفقه للعمل، وفتح له باب الجدل. قال: قال مالك: أدركت أهل هذه البلدة، وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي فيه الناس اليوم -يريد المسائل-. وهذا الأثر أيضا ذكره ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله». وقوله: يريد المسائل، هذا من قول ابن وهب، من قول ابن وهب، يقول مالك بن أنس إمام دار الهجرة: أدركت أهل هذه البلدة -يعني المدينة- وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي فيه الناس اليوم -يعني التوسع في باب المسائل وكثرة المسائل-. قال: إن أهل المدينة كانوا يكرهون ذلك، هذا التوسع الذي توسع فيه الناس؛ لأن كثرة المسائل تدخل الإنسان في الجدل، يسأل عن أشياء هو لا يريد أن يعمل بها، وإنما من باب الجدال. وهذا ينتبه له طالب العلم، ينبغي أن ينتبه: إن سأل عن شيء يسأل عن شيء ينتفع به، ويريد أن يعمل به، لا يكون قصده أن يفحم السائل، أو أن يظهر أنه عنده علم وعنده اطلاع وعنده معرفة. هذه من المقاصد السيئة التي تعود على طالب العلم بالسوء، وربما تحرمه من طلب العلم. إذا سألت فاسأل عن شيء تريد أن تعمل به، فالسلف رضوان الله عليهم كانوا يسألون ليعملوا، كانوا يسألون ليعملوا، يسأل حتى يعمل بهذا العلم وينتفع به. أما أن يسأل لأجل تلكم المقاصد، فهذا أمر مذموم، وهو في الحقيقة كما قال بعض السلف: عندما كان يسأله شاص: هل تعمل بما تسأل؟ قال: لا. قال: فلماذا تكثر على نفسك؟ ماذا يوم القيامة؟ الحج عليك، وما الحج؟ أنت الآن تسأل ثم لا تعمل بما علمت، فهذه حجج عليك يوم القيامة، أنت تكثر من الحجج عليك يوم القيامة إن لم تعمل بما علمت. فلذلك إذا سأل المسلم يسأل عن شيء ينتفع به، ليعمل به، ليعمل به. قال: وكان يعيب كثرة الكلام والفتيا، ويقول: يتكلم أحدهم كأنه جمل مغتلم. يقول: هو كذا، هو كذا، يهدر في كلامه. هذا كلام الإمام مالك رحمه الله أيضا. وقوله: جمل مغتلم، قال المعلق: الجمل المغتلم المغلوب بالشهوة، والغلمة بالضم شدة شهوة الضراب -يعني كالجمل الذي غلبت عليه الشهوة: شهوة الضراب- فهو يخرج ذلكم الصوت من فمه. فمثل الإمام مالك رحمه الله من يكثر ويكثر في الكلام كحال هذا الجمل المغتلم الذي هو في هذه الحالة. ويريد بذلك ذم كثرة الكلام. وكذلك أيضا كثرة إجابة الإنسان لمسائل السائلين؛ لأن ذلك ربما يوقعه في القول على الله بلا علم، يسأل ويسأل ويسأل، وربما يكون عنده علم ومعرفة بالجواب، فلا يريد أن يقول: لا أدري، أو الله أعلم، فيجيب بما لا يعلم، فيوقع نفسه في المحظور، يوقع نفسه في المحظور. قال: وكان يكره الجواب في كثرة المسائل، ويقول: قال الله عز وجل: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾، قال: فلم يأته في ذلك جواب. وهذا الأثر أيضا ذكره ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله». وهذا أيضا مما كرهه الإمام مالك رحمه الله: كثرة الجواب، أو الجواب في كثرة المسائل، كونه يسأل ويسأل ويجيب، كأنه يقول: ما يلزمك أن تجيب في كل سؤال، ولا لكل من سألك. نعم، إن كنت تعلم وعندك علم في هذه المسألة أجبت، وأما إن لم يكن عندك علم فقف عند محل علمك، قف عند محل علمك. هذا النبي عليه الصلاة والسلام يسأل عن الروح، فينزل عليه الوحي: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾. انظروا كيف أجاب، أو نزل عليه الوحي بهذا الجواب: ﴿قل الروح من أمر ربي﴾، أرجع الأمر إلى الله، ولم يأتي فيه بجواب. فمعنى هذا أنه ما يلزمك أن تجيب على كل من سألك، ما يلزمك أن تجيب على كل من سألك. قال: وقيل له: الرجل يكون عالما بالسنن، مجادلا عنها. قال: لا، ولكن يخبر بالسنة، فإن قبل منه وإلا سكت. وقوله: وقيل له، القائل له الهيثم بن جميل كما في «جامع بيان العلم وفضله». قيل للإمام مالك رحمه الله: الرجل يكون عالما بالسنن، مجادلا عنها -عنده علم بالسنة ويجادل ويخاصم فيها- فقال الإمام مالك رحمه الله: لا، ولكن يخبر بالسنة، يخبر أن هذا من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فإن قبل منه وإلا سكت -يعني لا يجادل ولا يخاصم- يخبر بالسنة، فإن قبل منه فالحمد لله، وإن لم يقبل منه سكت، ولا يخاصم ويجادل في السنة. قال: وقال: الجدال والمراء في العلم يذهب بنور القلب. الجدال والمراء في العلم يذهب بنور القلب. وقال: المراء في العلم يقسي القلب ويورث الضغن. نعم، الجدال والمراء يذهب بنور القلب، يقسي القلب. إذا خاض طالب العلم في هذا الباب: في باب الجدال والمراء والخصام والجدال، فإنه بذلك يقسي قلبه، ويذهب بنور القلب. والعلم هو عبارة عن نور يقذفه الله عز وجل في قلب من شاء من عباده كما قال الإمام مالك رحمه الله. فلا تغلق هذا الباب على نفسك بسبب الجدال والخصام. وأيضا يورث الضغن: الأحقاد والأضغان. الجدال والخصام يورث ذلك، تجادل أخاك ثم لا تتفق معه، فيقع في قلبك ما يقع من الضغن والحقد عليه. فلذلك تغلق هذا الباب، فهو باب شر. قال: وكان يقول في المسائل التي يسأل عنها كثيرا: لا أدري. أي: الإمام مالك رحمه الله. ومما ورد في هذا الباب أيضا في ذم السلف للخصام والجدال، ثم نرجع لكلام الإمام مالك. قال إبراهيم النخعي رحمه الله: كانوا يكرهون التلون في الدين -التلون في الدين- ويقصد بذلك بسبب الجدال، يجادل قوم فيذهب معهم، ثم يجادل آخرين فيذهب معهم، وهكذا يتلون ويتخبط. وكما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل. من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل -أكثر التنقل من جماعة إلى جماعة- بسبب أنه جعل دينه عرضة للتنقل، يخاصم ويجادل، ثم ينتقل إلى ذلك المذهب وتلك الطائفة، ثم يخاصم أخرى فينتقل إليها، وهكذا ينتقل من حزب إلى حزب، ومن طائفة إلى طائفة، فهذا من أسباب الضلال والانحراف. قال: وقال إبراهيم النخعي: فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء -قال: الخصومات والجدال في الدين-. فسر هذه الآية: ﴿فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء﴾، قال: الخصومات والجدال في الدين. وعن العوام بن حوشب قال: إياكم والخصومات في الدين؛ فإنها تحبط الأعمال، فإنها تحبط الأعمال. وأما قول الإمام مالك رحمه الله: كان يقول في المسائل التي يسأل عنها كثيرا: لا أدري. وهذا في الحقيقة مما ينبغي أن يلتزمه المسلم وطالب العلم، أن يلتزم قول: لا أدري، فيما لا يعلم، إن سئل عن شيء لا يعلمه، فليكن عليه هينا وسهلا أن يقول: لا أدري، أو الله أعلم. وهذا من كمال العلم والخشية لله، أنك لا تتكلم فيما لا تعلم، ولا كذلك تفتي بما لا تعلم، بل ترد العلم إلى الله جل وعلا: الله أعلم، أو لا أدري. وقد كثر اهتمام السلف بذلك، وحرصهم على تربية طلاب العلم على هذا الباب، وهذا الأمر: وهو الوقوف عند علمهم، وأن يقول فيما لا يعلمون: لا أدري. الإمام مالك رحمه الله ذكر ابن وهب ذلك عنه، أنه كان يقول في كثير من المسائل: لا أدري. ونقل عنه -أي عن الإمام مالك- أنه قال: ينبغي للعالم أن يألف فيما أشكل عليه قول: لا أدري، يألف ذلك ويتعود عليه. الشيء أشكل عليه، لم يتبين له الجواب فيه، يقول: لا أدري. قال: فإنه عسى أن يتهيأ له خير. وقال في موضع آخر -أي ابن وهب-: لو كتبنا عن مالك: لا أدري،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، إن أن., لا أنا, لا أنا, لا أدنى ، أنا, أنا, أنا لا أدري، ومعنى أن يقول: كأن كان، ومعنى: لو كتبنا عن مالك: لا أدري، لملأنا الألواح. ومعنى هذا أنه كان يكثر رحمه الله من قول: لا أدري، وهو إمام الإمام مالك،إمام من أئمة السنة، ومن أئمة أهل الحديث. ومع ذلك كثيرا ما كان يقول: لا أدري. قال: قال عبد الرحمن بن مهدي: كنا عند مالك بن أنس، فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله، جيتك من مسيرة ستة أشهر -يمشي ستة أشهر من بلده حتى يصل إلى الإمام مالك- قال: حملني أهلي -أهل بلدي- مسألة أسألك عنها. فقال له الإمام مالك: سل. فسأله، فقال: لا أحسنها -الإمام مالك يقول له: ما أحسنها، ما أعرف الجواب- فقال الرجل -بعد أن بهت- قال: كأنه جاء إلى من يعلم كل شيء. قال: فأي شيء أقول لأهلي بلدي إذا رجعت إليهم؟ ماذا أقول لهم؟ قال: قل لهم -قال مالك-: لا أحسن. فلا يضر المرء كونه مثلا اشتهر عند الناس بالعلم والفقه، وصار الناس يأتون إليه ويسألونه، هذا لا يجعله يجيب بما لا يعلم، بل يقف عند علمه، ويقول فيما لا يعلم: لا أدري. قال: قال عبد الله بن عمر: العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة ماضية، ولا أدري. أخرجه ابن عبد البر. قال: وأخرج عن نافع قال: سئل بن عمر عن شيء فقال: لا أدري. فلما ول الرجل، قال: نعم. قال عبد الله بن عمر: سئل عما لا يعلم فقال: لا علم لي به -هكذا رضي الله تعالى عنه- يعود نفسه أنه لا يتكلم إلا بما يعلم. وعن أيوب قال: تكاثر على القاسم بن محمد يوما فجعلوا يسألونه فيقول: لا أدري. ثم قال: إنا والله ما نعلم كل ما تسألون عنه، ولو علمنا ما كتمناكم، ولا حل لنا أن نكتمكم -يعني ذف عليه الناس بمنا فيام الحج- فجعلوا يسألونه، فقال: لا أدري -ما أدري، ما عندي جواب، ما عندي علم، ليس كل شيء تسألون عنه عندنا فيه جواب- لو كنا نعلم لأخبرناكم. قال: وذكر الشعبي عن علي أنه خرج عليهم وهو يقول: ما أبردها على الكبد، ما أبردها على الكبد. قيل له: وما ذاك؟ قال: أن تقول للشيء لا تعلمه: الله أعلم -ما أبردها على كبدك أن تقول لشيء لا تعلمه: الله أعلم- وتشعر براحة وطمأنينة. إذا قلت في شيء لا تعلمه: الله أعلم، ترتاح، لكن إذا أجبت وأنت غير عالم وغير عارف بالجواب، يقع في قلبك ما يقع من الضيق والحرج. فلذلك برد كبدك بماذا؟ بقول: الله أعلم. قال: قال القاسم -بعد أن سأله رجل- قال: لا أحسنه، فجعل الرجل يقول: إني دفعت إليك -لا أعرف غيرك- قال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه. فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا بني -أو يا أخي- إلزمها، فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم -يعني حين قلت فيما لا تعلم: الله أعلم، ولا أحسنه- فهذا من كمال العلم، ومن كمال الخشية لله سبحانه وتعالى، ومما يرتفع به صاحبه. ما يظن طالب العلم أو العالم إن قال: لا أدري، أو الله أعلم، أن هذا ينقص من قدره، وينقص من منزلته، بل والله هذا مما يرفع منزلته عند الناس. لماذا؟ يعلم الناس أنه لا يتكلم إلا بعلم، ولا يفتي إلا بعلم، فيثق الناس في علمه، يثق الناس في علمه، فيزداد رفعة فوق رفعته. قال: قال القاسم: والله لأن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا علم لي به. وأذى كله من كمال خشيتهم لله -من خوفهم من الله جل وعلا- أن يتكلموا بلا علم. فكانوا يقفون عند حدود علمهم رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله. وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يكون على هذه الطريق، أن يقف عند علمه، وما لا يعلمه يقول: لا أدري، الله أعلم. ويعود نفسه على ذلك. طيب نكتفي بهذا القدر إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. شكرا للمشاهدة.