شرح الموقظة في مصطلح الحديث 11

الدرس في شرح الموقظة في مصطلح الحديث 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أقسام الرواة في كتب البخاري ومسلم

يناقش هذا الفصل أقسام الرواة الذين أخرج لهم البخاري ومسلم، حيث قسمهم إلى قسمين: من احتج بهم في الأصول ومن خرج لهم متابعة وشهادة. كما يوضح معايير كل قسم.

عبارات التعديل والجرح وتفاوت العلماء

يتناول هذا الفصل شرح عبارات التعديل والجرح وتفسيرها، ويبين كيف يختلف العلماء في نقد الرواة بناءً على اجتهاداتهم وورعهم، ويبرز أن هذا الدين محفوظ من الله.

حكم الرواية عن المبتدع والداعية إلى بدعته

يناقش هذا الفصل حكم الأخذ عن المبتدع والداعية إلى بدعته، حيث يتناول آراء العلماء المختلفة حول هذا الموضوع ويستشهد بأمثلة من رواة الحديث.

نقد الصوفية والتمييز بين الحق والباطل

يتناول هذا الفصل خطورة نقد الصوفية وضرورة التمييز بين الحق والباطل في نقد الأقوال والتصرفات، ويشير إلى تطور الشطحات الصوفية وتأثيرها على العقيدة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد، قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: فصل، من أخرج له الشيخان على قسمين، أحدهما محتج به في الأصول، وثانيهما من خرج له متابعة وشهادة واعتبارا. طيب، معنى أهل الأثبات الذين روى لهم البخاري ومسلم على قسمين، منهم من احتجوا به في الأصول، ومعنى في الأصول: يعتمد عليه في الرواية. وهؤلاء الذين احتجوا به في الأصول على أقسام، منهم من هو إمام، ومنهم من هو ثقة دون الإمام، ومنهم من مس بنوع من الجرح، وغالبا أنه جرح غير مؤثر، ومنهم من مس بجرح، لكن تجد أن الشيخ الصحيح اختار من أحاديثه، خاصة البخاري، يعني انتقاه من أحاديثهم، مثل أحاديث عبد العزيز الويشي، وكذلك مثل أحاديث إسماعيل أخوه، مثل أحاديث أيضا فليح بن سليمان، ومحمد ابنه، وغيرهم من هؤلاء، فاعتمد عليهم، وأحيانا يذكر بعضهم قد يكون غير موثقين، لكن تجد أنه يذكر لهم في حديث معنى هو حديث فرد، لكنه في شيء ليس في الأحكام، وكذا مثل ما سألونا في حديث الخير، لكن الغالب أنهم على هذه الأقسام التي ذكرنا، إما أنهم من الأئمة، وإما أنه من غير الأئمة الحفاظ، لكنه ثقة، وإما أنه مس بجرح، لكن الجرح هذا لا يؤثر في حفظه. ومنهم مثلا كعب بن بكر بن أبي عياش، أخرج له البخاري، سماك بن الحرب أخرج له مسلم، وهؤلاء قد ضعفوا في حفظهم، لكن هذا الجرح للصحيح أنه لا يخرجهم عن صحة أحاديثهم، وأيضا هناك من جرح جرحا يؤثر في حديثه، لكن يقال أن البخاري ومسلم انتقى من أحاديثه، يعني انتقوا من أحاديثه. وأما من كان ذكرهم في الشهادة والاعتبار والمتابعة، هؤلاء غالب الذين تكلم في أحاديثهم. وكيف تعرف أن هذا في الوصول وهذا في الشهادة؟ إذا كان كما قلنا اعتمده في الأحاديث التي ليست لها شواهد، أو لم يذكر شواهدها، وأما الأحاديث التي لها شواهد، وهذا يعرف بمعرفة الأحاديث والأسانيد التي لهذا المصنف، البخاري مثلا أو مسلم، وأيضا المتابعة يعرف، مثلا يقول: تابعه فلان وفلان، يذكرهم في هذا، يقول: تابعه فلان وفلان، وهذا تابع، وهذا متابعة. وأيضا كذلك أحيانا شهادة يذكر له، يذكره مسلم مثلا يذكره بعد حديث، مثلا تجد يذكر حديث فلان، ويذكر بعده حديث آخر، مثل أيضا البخاري يعكس، البخاري يذكر أولا الحديث القوي، ثم يذكر بعده الحديث الذي قد يكون يستشهد به، ومسلم يذكر أحيانا الحديث الذي سيستشهد به، ثم يذكر الحديث الذي يشهد له أو يتابعه. وأنها تكون متابعة، مثلا ذكر الإمام البخاري في عدة حديث رواية يحيى بن سعيد، يعني يقول: حدثنا مسدد عن يحيى بن سعيد القطال عن حميد عن أنس، ويذكر الحديث، ثم يقول: وحدثني يحيى بن أيوب عن حميد عن أنس، أو يقول: حدثني حميد قال: حدثنا أنس، فيذكر الإسناد الآخر استشهادا، فتجد أنه يذكر يحيى بن أيوب؛ لأن يحيى بن أيوب مجروح، فلهذا يذكره استشهادا أو متابعة. وأحيانا يقول: تابعه فلان، ليس أنه ضعيف أو أنه فيه جرح، لا، فقط إنما تابعه لأجل أن يذكر أن هذا الحديث أيضا ذكره فلان وفلان. قال رحمه الله: فمن احتج به أو أحدهما ولم يوثق ولا غمز، فهو ثقة، حديثه قوي، يعني أنه إذا كان هناك رجل لم يوثق أحد، فذكروه في الصحيحين، بمعنى ذلك هذا التوثيق له؛ لأنه مشترط الصحة. قال: من احتج به ما أحدهما وتكلم فيه، فتارة يكون الكلام فيه تعنتا، والجمهور على توثيقه، فهذا حديثه قوي أيضا، وتارة يكون الكلام فيه تليينا وحفظه له اعتبار، فهذا حديثه لا ينحط إلى المرتبة الحسن التي قد نسميها من أدنى درجات الصحيح، لكن إذا كانت موجودة في الصحيحين فهي تعتبر، يعني يعتبر هذا الحسن أفضل من الصحيح في غيره؛ لأن الحديث الذي يكون في الصحيحين له درجة عالية؛ لأن العلماء قد تلقوه بالقبول. قالوا: وتارة يقول: الكلام في تلييني، قالوا: آه، طيب، عن درجات الصحيح. قال: فما في الكتابين بحمد الله رجل يحتج به البخاري ولا مسلم في الأصول، ورواياته ضعيفة، بل حسنة أو صحيحة، يعني يقول: أنه ليس هناك في الصحيحين رجل احتج به بالأصول يكون ضعيفا، بعضهم أحيانا يعني ذكروا حديث عشر خصال الفطرة، وفيه حمزة أو مصعب بن شيبة، مصعب بن شيبة وهو متروك، ذكره الإمام مسلم رحمه الله، فمسلم وجد، أما البخاري فأقل أن يوجد أنه احتج بهناس في الأصول، وهم جروحين، جرح مؤثر، إلا أن كان ينتخب من حديثه، كإسماعيل بن عبد الله اللويسي، ومحمد بن فليح، وغيرهم. قالوا: من خرج له البخاري ومسلم في الشواهد والمتابعات، ففي حفظه شيء، وفي توثيقه تردد، فكل من خرج له في الصحيحين فقد قفز القنطرة، فلا يعدل عنه إلا ببرهان بيِّن. يعني ليس هناك رجل متروك، لكن وجد هناك متروكين، كما قلنا مثل مصعب بن شيبة. نعم، الصحيح مراتب، والثقات طبقات، فليس من مطلقا كمن تكلم فيه، وليس من تكلم في حفظه واجتهادي في الطلب كمن ضعفوه، ولا من ضعفوه ورووا له كمن تركوه، يعني يستشهد به، ولا من تركوه كمن اتهموه وكذبوه، هم طبقات، فالترجيح يدخل عنده تعارض الروايات، يرجح بين الروايات بسبب بهذه المراتب. قالوا: حضروا الثقات في مصنفك المتعذر، وحصروا الثقات في مصنفك المتعذر، وضبط عدد المجهولين مستحيل. لكن شارك بعض العلماء في هذا، شارك بعض العلماء في هذا، ذكروا حديث الثقات، كالثقات لابن شاهين، والثقات لابن حبان، أما الثقات للعجلي، كما قلنا فالصحيح أنها ليس خاص بالثقات، أيضا قد ضعفاء للدارقطني، الضعفاء والمتروكين للنسائي، وكذلك الضعفاء أو المجروحون، كتاب المجروحين لابن حبان، وكذلك أيضا كتاب الضعفاء لابن الجوزي، وغيرهم ممن شارك في هذا. قال: فأما من ضعف وقيل فيه أدنى شيء، فهذا قد ألفت فيهم، وقد ألفت فيهم مختصرة، سميت بالمغني، أي المغني في الضعفاء، وبسطت فيه مؤلفا سميت بالميزان، أي في الضعفاء أيضا، كل من تكلم فيه، وسميته ميزان الاعتدال في نقد الرجال، وهو كتاب عظيم. وألف العراقي ذيلا سماه ذيل الميزان، واستدرك على الذهبي مجموعة، والحافظ ابن حجر التلميذ العراقي قام وألف كتاب لسان الميزان، وذكر فيهم لسان الميزان، أي من لم يترجم له في التهذيب، ولم يترجم له في التهذيب، ذكره في الميزان، وذكر في الميزان يذكره. قال: من الثقات الذين لم يخرج لهم في الصحيحين خلق، منهم من صححت له الترمذي، وابن خزيمة، ثم من روى لهم النسائي، وابن حبان، وغيرهما، ثم لم يضعفهم أحد، واحتج هؤلاء المصنفون بروايتهم، أنه إذا احتجوا فيقول: أنهم يعتبرون من الثقات، لكن بعضهم قد تساهل، كابن حبان، والترمذي قد تساهلا في هذا. قالوا: قد قيل في بعض فلان ثقة، فلان صدوق، فلان لا بأس به، فلان ليس به بأس، فلان محل صدق، فلان شيخ، فلان مستور، فلان روى عنه شعبة أو مالك أو يحيى، وأمثال ذلك، كفلان حسن الحديث، فلان صالح الحديث، فلان صدوق إن شاء الله، هذه كلها قد تقدم الكلام عليها، والمراد به مراتب الثقات. قال: في هذه العبارات كلها جيدة، ليست مضعفة لحال الشيخ، نعم، ولا مرقية لحديثه لدرجة الصحة الكاملة المتفق عليها، لكن كثير ممن ذكرنا متجاذب بين الاحتجاج به وعدمه، وقد قيل في جماعات: ليس بالقوي، واحتج به، وهذا النسائي قد قال في عدة: ليس بالقوي، ويخرج له في كتابه. قال: قولنا ليس بالقوي ليس بجرح مفسد، والكلام في الرجال يحتاج إلى ورع تام، وبراءة من الهوى والميل، وهذا الظن بالعلماء، الظن بحفاظ الحديث: أنهم لا يتكلمون في هذه المسائل إلا بورع تام، وأيضا لا يتكلمون في الرواة تشفيا، لأجل مثلا أغراض في أنفسهم، وإنما يتكلمون لله عز وجل نصحا للمسلمين. قال: ثم نحن نفتقر إلى تحرير عبارات التعديل والجرح، وما بين ذلك من العبارات المتجاذبة، معنا نفرق: هذه عبارة جرح، أو هذه عبارة التعديل، وقد ألفت فيه مؤلفات، منها الرفع والتكميل للكنوي، الرفع والتكميل في ألفاظ الجرح والتعديل، وألف أبو الحسن: شفاء العليل في مراتب الجرح والتعديل، أو في ألفاظ يقصد الجرح والتعديل. قال: ثم أهم من ذلك أن نعلم بالاستقراء التام عرف ذلك الإمام الجهبذ، واصطلاحه ومقاصده بعبارات الكثيرة، معنا أي شيء الذي يقصد بهذه العبارة، مثلا البخاري يقول: إذا كان مثلا يقول فيمن جرح أو أراد أن يجرح رواة جرحا شديدا، يقول: فيه نظر، فيه نظر، أو فيه مقال، هذا عنده جرح قوي، وعرف ذلك بالاستقراء. وأيضا كذلك بعض الأئمة لهم عبارات، مثلا: مقارب الحديث، مقارب الحديث، اختلفوا فيها، وهذا يقولها البخاري، هل هي من الجرح أو من التعديل؟ وبعضهم كابن الملقن الفرق بين كسر الراء واتهيأ، فقال: مقارب الحديث، معناه حديثه يقرب إلى غيره، ومقارب الحديث، أي حديثه أو حديث غيره يقرب إليه أيضا. سكتوا عنه، قال: أما قول البخاري: سكتوا عنه، فظاهره أنهم ما تعرضوا له بجرح ولا تعديل، وعلمنا مقصده بها بالاستقراء: أنهم بمعنى تركوه، سكتوا عنه، أي تركوه، وكذا عادته، إذا قال: فيه نظر، بمعنى أنه متهم أو ليس بثقة، فهو عنده أسوأ حالا من الضعيف. وبالاستقراء إذا قال أبو حاتم: ليس بالقوي، يريد بها أن هذا الشيخ لم يبلغ درجة القوي الثبت، والبخاري قد يطلق على الشيخ ليس بالقوي، ويريد أنه ضعيف، ومن ثم قيل: تجب حكاية الجرح والتعديل، فمنهم من نفسه حاد في الجرح، ومنهم من هو مؤتدل، ومنهم من هو متساهل، معناه على الطبقات، أو لمال الجرح والتعديل، منهم من يتشدد في الجرح، ومنهم من هو وسط، من يتشدد في الجرح: يحيى بن سعيد القطان، وشعبة، وكذلك ابن معين، ومن من يتوسط: أحمد بن حنبل، والبخاري، وابن المديني، وغيرهم من أولئك الأئمة، ومن من يتساهل: الترمذي، والحاكم، وابن حبان. فهكذا لهذا قالوا: المتساهل كالترمذي، والحاكم، ودرقطني في بعض الأوقات، ما أنا هنا ذكر، فالحاد، أي مشدد فيهم: يحيى بن سعيد، وابن معين، وابن حاتم، وابن خراش، وغيرهم، والمؤتدل فيهم: أحمد بن حنبل، والبخاري، وابن زرعة، والمتساهل كالترمذي، والحاكم، ودرقطني في بعض الأوقات، أيضا ابن حبان يتساهل في توثيق المجاهيل فقط، وإلا فهو متشدد في الجرح، يعتبر من المتشددين في الجرح. واش الفائدة في هذا؟ الفائدة أنه إذا وثق إذا وثق رجل من المتشددين رجلا، كما قال الحافظ الذهبي: فعط عليه بالنواجد، فإنهم لا يوثقون إلا رجلا ثبت ثقة غالبا، معناه رجل في القمة؛ لأنهم شديدين في التوثيق. قالوا: قد يكون نفس الإمام في موافق لمذهبه أو في حال شيخه ألطف فيه، ألطف منه، كان بخلاف ذلك فيما كان بخلاف ذلك، معناه يتلطف في عبارة أصحابه، وهذا يحصل. قالوا: العصمة للأنبياء والصديقين، وحكام العدل، والمراد أنهم أن العلماء مجتهدون، فإن حصل منهم خطأ وزل، فهم ليسوا بمعصومين، ليسوا بمعصومين، يحصل منهم الهفوات، والكلام قد يكون على ورع، أو قد يكون في حظ نفس. قالوا: لكن هذا الدين مؤيد محفوظ من الله، لم يجمع علمائه على ضلالة، بل كما قال في الحديث: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، يحسنه بعضها، لا عمدا ولا خطأ، معناه ما يجتمعون على الخطأ، فلا يجتمع اثنان على توثيق ضعيف، وهذا كما قال الحافظ ابن حجر، وهذه خبرة إمام. قال: وقال الحافظ الذهبي: وهو من أهل الاستقرار، أنه لا يجتمع اثنان على توثيق ضعيف، فأنا يجتمع اثنان من أهل الحديث على توثيق رجل، والأصل أنه ضعيف، هذا ما يحصل. قال: ولا على تضعيف ثقة، وإنما يقع اختلاف في مراتب القوة أو مراتب الضعف، يعني يثقون وهو ضعيف بعيد، ولا أيضا ضعيف أو يضعفون هو ثقة، ولم يحصل خلاف هذا بعيد. قال: والحاكم منهم يتكلم بحسب اجتهاده، وقوة معارفه، فإن ندر خطأه في نقده، فله أجر واحد، إن حصل هذا الخطأ وهو نادر، فله أجر واحد، أجر اجتهاده. قال: وهذا فيما إذا تكلموا في نقد شيخ، ورد شيء في حفظه وغلطه، فإن كان كلام فيه من جهة معتقده، فهو على مراتب، فإذا كان من جهة المعتقد هذا شيء آخر. قال: فمنهم من بدعته غليظة، ومنهم من بدعته دون ذلك، ومنهم الداعي إلى بدعته، ومنهم الكافر، وما بين ذلك، فمتى جمع الغلط والدعوة، تجنب لأخذ عنه، إذا كان أخطأ وهو من الدعاة، فهذا يتجنب، ومتى جمع الخفة والكفر، أخذوا عنه وقبلوه، على أنه لا يتكلم ولا يدعو إلى بدعته، فهو كاف عن بدعته، فهذا يأخذ، وهذا تجد حال كثير من أهل البصرة، ومن غيرهم، من من أخذ عنهم، وهم لهم بدع. فالغلظة كغلات الخوارج، والجهمية، والرافضة، والخفة كالتشيع، والإرجاء، التشيع بغير غلو، التشيع بغير رفض، مثل الزيدية مثلا. قال: وَأَمَّا مَنْ اَسْتَحَلَّ الكذب نصرا لرأيِه الخطابية، فبالأولى رد حديثه. قال: شيخنا ابن وهب: من دقيق العقائد، وأوجبت تكفير البعض للبعض، أو التبديع، وأوجبت العصبية، فنشأ من ذلك الطعن بالتكفير والتبديع، وهو كثير في الطبقة المتوسطة من المتقدمين، ما حصل هذا. فلهذا لا يأخذ كلام أحد على غيره، إلا إذا علم أن هذا الرجل قد أنكر أصلا من أصول الإسلام، قاله الذي تقرر عندنا: أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية، ولا نكفر أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة، فإذا اعتبرنا ذلك، وانضم إليه الورع والضبط والتقوى، فقد حصل معتمد الرواية. وهذا مذهب الشافعي رضي الله عنه، حيث يقول: أقبل شهادة أهل الأهواء، إلا الخطابية من الروافض. قال: شيخنا، وهل تقبل رواية المبتدع فيما يؤيد به مذهبه؟ فمن رأى رد الشهادة بالتهمة لم يقبل، ومن كان داعيا متجاهرا ببدعته، فليترك، هانة له، وإخمادا لمذهبه، معناه هذا كلام ابن دقيق العيد، يقول: إذا كان هذا الرجل مبتدع، تترك روايته إخمادا لبدعته. لكن الذي عمل به السلف، ورواة الحديث: أنهم أخذوا عن المبتدع، الذين هم أصدقوا في لهجتهم، حتى رووا عن بعض الروافض، الذين هم دعاة، لكن ظهرت دعوتهم بعد، مثل مثلا منصور بن عباد الجواليقي، فهذا الرجل رافضي خبيث، لكن رووا له البخاري، رووا له وغيره. ولهذا كان ابن خزيمة يقول: حدثنا منصور بن عباد، قبل أن يحدث ما حدث، قبل أن يحدث ما حدث، فدل على أنه أحدث بعد ذلك، فرووا عليه البخاري قبل، ولهذا يقول أبو زكريا الخياط: أتيت الجواليقي، وأردت منه الحديث، فقال: من فلق البحر؟ قلت: الله، قال: لا، قال: فليقل الشيخ: من الذي فلق البحر؟ قال: علي بن أبي طالب، فقال: من الذي سير السحاب؟ أو كذا، قال: الله، قال: لا، قال: فليقل الشيخ: علي بن أبي طالب، وهذا كلام بعيد جدا، هذا كفر. قال: فأخذت منه الحديث، ثم قبل أن أخرج، قلت له: تدري من فلق البحر؟ قال: تدري من فلق البحر؟ قال: من قلت: معاوية، وكان أعمى. قال: فأمسكت بهذا الخبيث، أنا أنظر إلى هذا الحديث، رجل معنا يدرس الحديث، لكن تشعبت فيه هذه العقيدة الرافضية. قال: فالمهم، الصحيح في أقوال هذا البدع، أو الأخذ عن هذا البدع: أن الأصل أنه تأخذ روايته، إذا كان عرف صدقه، وأكثر العلم على أنه كان داعيا لبدعته، لا يؤخذ، لكن استشكل البخاري، ذكر أيضا عمران بن حطان، عمران بن حطان داعيا إلى الخوارج، وقد يكون مذهب البخاري: أنه يأخذ من الخوارج مطلقا؛ لأنهم أصدقوا لهجة، لكن كما قلنا ذكر بعض الشيعة أيضا الرافضة، لكن لعلهم أحدثوا ذلك بعده، أيضا قد يكون مثلا عند البخاري مذهب آخر. لكن الذي استقر عليه أكثر هؤلاء العلماء: أن الداعية لا يأخذ منه، وخاصة إذا روى ما يؤيد بدعته، إذا روى ما يؤيد بدعته. وأما من كان بدعته ليست بتلك البدعة التي مثلا كبيرة، كبدعة الإرجاء مثلا، إرجاء الفقهاء، فهي محتملة، ولهذا أخذ العلماء عن المرجئة، حتى من دعاة المرجئة، كعمر بن ذر المرجئ، هو من دعاة الإرجاء، لكنهم أخذوا عنه؛ لأن بدعة الإرجاء كما قلنا قريبة من أهل السنة. قال: يعني أن تتفقد حال الجارح مع من تكلم فيه، مع من تكلم فيه باعتبار الأهواء، فإن لاح لك انحراف الجارح، وجدت توثيق المجروح من جهة الأخرى، فلا تعفل بالمنحرف وبغمزه المبهم، وإن لم تجد توثيق المغموز، فتأنه وترفق، أحيانا يجرح الرجل رجلا مثلا نهلهواء أو فيه هواء، مثل ما قال ابن خراش في بعض أهل السنة، ابن خراش رافضي، فذكروا له عند الرجل، قال: تكلموا فيه، فقال: الذهب يوم ماذا؟ قالوا فيه، وإنما تكلموا فيك، فقالوا: أنك رافضي، قال: ما تكلموا في هذا الرجل من أهل السنة، إنما تكلموا فيك؛ لأنك رافضي. ولهذا أيضا لم يأخذ كلام السليماني، وكلام أيضا بعض هؤلاء المنحرفين، لم يأخذ كلامهم في الرواة، خاصة إذا كان تكلموا في أهل السنة. قال: قال شيخنا ابن وهب رحمه الله: ومن ذلك الاختلاف الواقع بين المتصوفة وأهل العلم الظاهر، فقد وقع بينهم تنافر أو تجب، كلام بعضهم في بعض. وهذا لأن ابن دقيق العيد كان يصاحبهم، كان يصاحب الصوفية، لكن أنكر عليهم هذا، وليس المراد هنا أهل البدع القبورية المتصوفة القبورية، وإنما القدماء الذين كانت لهم شطحات. قال: وهذه غمرة لا يخلص منها إلا العالم الوافي بشواهد الشريعة، لكن هذا الخلاف الذي بينهم خلاف قوي، هناك من الناس من أنكر، وإن كان هو صوفيا، لكن أنكر مسألة العلوم اللدنية، العلوم الخاصة التي ادعاها أهل التصوف، فكثير منهم أنكر هذا، كأبي إسماعيل الهروي، وأيضا كذلك الجيلاني، وكذلك أيضا من أئمتهم الذين أنكروا هذا أيضا للجنيد، أنكر مسألة العلوم اللدنية، هذه التي تأتيها الشياطين أصلا، يظنون أنها من الله. حتى ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن الجنيد، وهو من أعدل الصوفية، أنه قال: أو أقصد الجيلاني عبد القادر الجيلاني، أنه مرة كان في عبادة، فجاءه الشيطان وقال: يا عبد القادر، قد أحللت لك ما حرمت على الناس، قد أحللت لك ما حرمت على الناس، أنا هاتف يهتف عليه، فقال: اخسى عدو الله، قال له: اخسى عدو الله، فخسى، عرف أنه الشيطان. فقال للشيخ عبد القادر: كيف عرفت أنه الشيطان؟ قال: الله عز وجل لم يحل المحرمات لنبي من الأنبياء، فكيف يحلها لي؟ وهذا عين العقل. ووقع كثير من أهل التصوف في مثل هذا، وهاء أولئك أهل علوم الباطنة كما يقولون، وقعوا في هذا، وأيضا لعبت عليهم الشياطين، فظلوا أنهم يحل لهم ما حرم على الناس، فيفعلون أشياء، فيقال لهم: هذا محرم، فيقولون: هذا عندكم أهل الظاهر، هذا عندكم أهل الظاهر محرم. وهذا تجد القصص التي تذكرها الصوفية بين أهل الظاهر وبين أهل الباطن، في تلك القصة التي ذكروها عن رجل من سادات حضرموت، أنه كان يقبل النساء، ويرقص، أو ترقص عنده النساء، وكذا، فقالوا: فسمع بموجداته، يسمونه الموجدات، فسمع بموجداته الفقيه بمخرمه، هذا يجعلونه من أهل الظاهر، فجاء لأجل ينصح، وأنكر عليه، وقال: سأتي، أرسل إليه الرسول: أنه سيأتي إليه وينكر عليه هذا الفعل. قال: فلما جاء، قال هذا الرجل لبعض هذه النساء: أول ما يأتي تمسكي فيه الرجل، أول ما دخل، جاء تمسكت فيه المرأة الرجل، سقط، ما أدري سقط من إيش، فلما سقط وقام، قال: اعترف بخدمته لهذا السيد، بدل ما ينكر عليها، أيضا خلاص اعترف الرجال، خلاص ظهر ذاب. فهذه شهوات يستعملونها، ويقولون: أنها علوم باطنة، وكذا، هذا كلام باطل، أنا يجلس الرجل إذا أراد العلم الباطن على قول، يجلس أيام لا يصلي ولا يصوم ولا يتكلم، إما يجلس في الشمس، أو يجلس في مكان فيه ظل، ولا يتكلم، ولا أيضا يصلي، ولا يأكل ولا يشرب، مثل ما فعل البدوي أحمد البدوي أربعين يوما، يقولون هكذا، والله أعلم، أربعين يوم ظهر، بعيد، لكن الفقيه المقدم عندنا هنا حق آل علوي، قاله: ثلاثة أيام جلس، آخرها انفجر، فقال: أنا الله، وأنا هو، صار هو الله. قال: وهذه غمرة لا يخلص منها إلا العالم الوافي بشواهد الشريعة، ولا أحصر ذلك في العلم بالفروع، فإن كثيرا من أحوال المحققين من الصوفية لا يفي بتمييز حقه من باطله علم الفروع، بل لابد من معرفة القواعد الأصولية، والتمييز بين الواجب والجائز والمستحيل عقلا. يعني هؤلاء يقولون: أن المتصوفة هؤلاء لا يعرفون الحق من الباطل، منهم كثير من هؤلاء، حتى دخلت عليهم هذه العلوم التي سموها علوم الباطل. قالوا: المستحيل عادة، وهو مقام خطير، إذ القادح في محق الصوفية داخل في حديث: «من عاد لي وليا فقد بارزني بالمحاربة»، هذا إذا ميز أنه رجل صالح، وآل السنة بحمد الله عرفوا من كان من أهل الصلاح، ووقع في الشطحات، فهم يبجلونه، يبجلونه كالجنيد، الجنيد رجل من أعدل الصوفية، صحيح أن له شيء من الشطحات، لكن أكثر أمره إلى الاعتدال، وعقيدته صحيحة، وكذلك أيضا إبراهيم بن أدهم، إن كان جعلناه من أهل التصوف، هم يجعلونه منهم، وسهل بن عبد الله التسري، هؤلاء أي معنى ذكر عنهم التصوف، لكنه تصوف محمود، ليس فيه شطحات. وأما عبد القادر الجيلاني، فعقيدته صحيحة، وهو على مذهب الحنابلة، لكن له شطحات أكثر، أكثر من الجنيد، الجنيد كان أكثر اتباعا للسنة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك أبو إسماعيل الهروي، له شطحات من شطحات القلوب، لكنه كان على السنة، بل شديدا في السنة، ولهذا يعتذر له شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك ابن القيم، معناه هذب كتابه، وشرحه: منازل السائرين، شرحه في مدارج السالكين، وأنكر عليه بعض العبارات. ولهذا كما قلنا: أن هؤلاء عندهم تصوف، لكنهم أقرب للحق، أقرب إلى الحق، وأيضا تصوفهم غالبا، أو العبارة شطحاتهم قليلة، قليلة بالنسبة إلى بعضهم. ثم تطور هذه الشطحات، فصارت كبيرة جدا، جاء الحلاج، وابن سبعين، وابن الفارض، وجاء بعدهم الكبريت الأحمر محيي الدين بن عربي، فمعنى هذا يقرح، معنى كبريت الأحمر يقرح بسرعة، فصار أقرب إلى الزندقة، بل هو الزندقة نفسها، وألف كتاب التفسير. قال: أيضا جاء أيضا السلمي أبو عبد الرحمن السلمي، عبد الله بن الحبيب أبو عبد الرحمن السلمي، هذا المتأخر، وهو من أهل الحديث، لكن غلا في التصوف، حتى ألف تفسيرا، قال عبد الواحد صاحب أسباب النزول، ابن عبد الواحد المقدسي، قال: إن كان هذا يعتقد أنه تفسير، فهو زندقة، إذا كان يعتقد أن هذا تفسير، فهذه زندقة، تفسير بالإشارات، إشارات الصوفية. فلهذا قال الذهبي بعدما ذكر كلام ابن عبد الواحد، قال: واغوثاه، واغوثاه، أنا على هؤلاء. ثم لما ذكر رحمه الله إنكار الإمام أحمد على الحارث المحاسبي، فقال الإمام الذهبي: كيف لو رأى الإمام أحمد ما في مؤلفات عبد القادر الجيلاني من الشطحات؟ كيف لو رأى قوة القلوب لطار لبه، قوة القلوب لأبي طالب المكاشفي، قال: كيف لو رأى ما سطره محيي الدين ابن عربي؟ قال: لما كان علماء القوم، لما كان علماء القوم الحارث المحاسبي، كان أئمتهم أحمد ويحيى وعلي، ولما كان أئمة القوم، أي صوفية محي الدين العربي وأمثاله، كان أئمة الإسلام ابن دقيق العيد، وكذا، يريد أن يعير على بعض من كان في وقتهم ممن أخذ عنهم، وأيضا عذرهم، لكن أئمة الإسلام لم يعذروا مثل هؤلاء. قال: وهو مقام خطر، إذ القادح في محق الصوفية داخل في حديث: «من عاد لي وليا فقد آذنته فقد بارزني بمحاربة»، إذا كان هذا النقد الذي ينقده من باب النقد ما عليه من الباطل، ما في شيء، وإن كان أيضا هو أيضا قد وقع في باطل، وهو داعي إلى هذا الباطل، فكلامه فيه ليس من هذا الباب، بل هو من النصيحة. قال: الإنكار الباطل مما سمعه من بعضهم تارك للأمر بالمعروف، أنه المنكر، معناه هنا الآن يقول: أن مثل هؤلاء والتارك لإنكار الباطل مما سمعه من بعضهم، معناه يقول: إذا كان عندهم شطحات وعندهم أشياء، لا بأس أنه ينكر عليهم، وأما إذا كانوا محقين فلا ينكر عليهم ولا يتكلم فيهم. قال: من ذلك الكلام بسبب الجهل بمراتب العلوم، فيحتاج إليه في المتأخرين أكثر؛ فقد انتشرت علوم للأوائل، أي علوم المنطق، وفيه حق كالحساب والهندسة والطب، وباطل كالقول في الطبيعيات، وكثير من الإلهيات، وأحكام النجوم، بعضها حق، الحساب هذا حق، والهندسة والطب، لكن المنطق والعلم الإلهي وغيرها من هذه الأشياء هذه باطلة، والكيميا والسيميا هذه من علوم السحر، عن الكيميا القديمة، ليس الكيميا الآن، ليسمونها كيميا الرموز لا. قال: فيحتاج القادح أن يكون مميزا بين الحق والباطل، فلا يكفر من ليس بكافر، أو يقبل رواية الكافر، ومنه الخلل الواقع بسبب عدم الورع، والأخذ بالتوهم والقرائن التي قد تتخلف. قال: «صلى الله عليه وسلم: الظن أكذب الحديث، إياكم الظن، فإن الظن أكذب الحديث»، قال: فلابد من العلم والتقوى في الجرح، هذا لابد أنه يكون عنده علم بسبب الجرح والتعديل، فعنده ورع وتقوى، فلصعوبة اجتماع هذه الشروط في المحدثين، عظم خطر الجرح والتعديل. وكما قال المؤلف: ذكر عن شيخه أبو الفتح القشيري: أن طائفتان من الناس وقفوا على شفير جهنم: الحكام والمحدثون، الحكام والمحدثون. قال: المختلف والمؤتلف، قال: فن واسع، المهم وأهم ما تكرر وكثر، وقد ينظر كأحمد بن عجيان، وأبي اللحم، وابن أتش الصلعاني، ومحمد بن عبادة الواسطي العجلي، ومحمد بن حبان الباهلي، وشعيب بن محرر، وشعيث بن محرر، والله أعلم. معناه يقول: هذا الباب المختلف والمؤتلف، معناه المختلف والمؤتلف، المختلف ما اتفق في الخط وصورته، لكن اختلف في النطق، اختلف في النطق، مختلف، ومؤتلف معناه اتفق في الخط، سليم وسليم، عباس وعياش، معناه اختلف في النطق من النطة من ناحية التشكيل أو النقط، فهذا كثير. لكن يقول: هناك بعض الأسماء نادرة، ليس شيء يشبهها، كأحمد بن عجيان، وأبي اللحم على كنية، وابن أتش الصلعاني، وغيرها، هذه أيضا: صدي بن عجلان، أبو أمامة، بعض أيضا: صديغ، وصبيغ، بعض الأسماء ليس لها إلا أسماء مفردة، ليس لها شيء من معناه يشبهها من الأسماء، فهذا سهل. لكن الذي يحصل الخلاف فيه إذا كانت مشتبهة بغيرها: سليم وسليم، علي وعلي، وعياش وعباس، أيضا كذلك، غيرها كثير، معناه تجد تشابه في الكتابة، لكن تختلف في النطق، تختلف في النطق، فهذا يسمى المختلف والمؤتلف. وهناك المتفق والمفترق، معناه المتفق والمفترق، وهو الذي اتفقوا في الاسم، واسم الأب، أو اسمه هو اسم الأب، واسم القبيلة، لكن اختلفوا في الأشخاص، كما قلنا: البخاري أربعة ممن يسمى بعبد الله بن محمد، ابن أبي شيبة، وابن أبي أسامة، وابن جو