الدرس في كتاب الصلاة 17، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور والجلوس عليها لما فيه من تشبه بعباد القبور وذريعة إلى الشرك. كما ورد وعيد شديد في الجلوس على القبور.
يشرع الصلاة بالنعال إذا لم يكن فيها قذر، وتختلف المسألة باختلاف فرش المساجد، فإذا كانت مفروشة بفرش ثمينة فلا ينبغي الصلاة بالنعال فيها. كما يتناول آراء العلماء حول كون الصلاة بالنعال رخصة أم سنة.
الصلاة بالنعال مستحبة وليست واجبة مع مراعاة المصالح والمفاسد، والصلاة صحيحة إذا لم يعلم بالنجاسة في الثوب إلا بعد انتهاء الصلاة. يبين حكم الصلاة مع وجود نجاسة في الثوب.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحافظ أحمد، ابن حجر رحمه الله، في كتابه "بلوغ المرام"، كتاب الصلاة، في باب شروط الصلاة: وعن أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها». رواه مسلم. هذا الحديث حديث أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه، هو مرثد، ابن أبي مرثد الغنوي، أسلمه وأبوه، وشهد بدرا، وقتل مرثد يوم غزوة الرجيع شهيدا في حياته عليه الصلاة والسلام. فيه نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة إلى القبور، «لا تصلوا إلى القبور»، أي لا يصل المسلم إلى جهة القبر، والأصل في النهي أنه للتحريم، فيدل ذلك على تحريم الصلاة إلى القبور. والنهي يقتضي الفساد لعود النهي إلى ذات المنهي عنه، فيدل على فساد الصلاة من صلى إلى القبر، وصلاته باطلة. والعلّة في ذلك هو أن الصلاة إلى القبور فيه تشبه بمن يعبد القبور، وهو ذريعة إلى الوقوع في الشرك في عبادة الله جل وعلا، وعبادة من فيها. فلذلك نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة إلى القبور. وهكذا أيضا فيه النهي عن الجلوس على القبور، النهي عن الجلوس على القبور، وذلك من باب احترام الميت، فالميت له حرمة كما أن له حرمة وهو حي، فكذلك له حرمة بعد موته، فلا يجوز للمسلم أن يجلس على قبر المسلم. وقد جاء في صحيح الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أن يقعد أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر». وهذا وعيد يدل على عظم الإثم في ذلك. وهكذا وطء القبور بالأقدام من باب أولى، لأن الجلوس عليها محرم، فكذلك وطؤها بالأقدام كذلك محرم. قال رحمه الله: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه أذى أو قذرا فليمسحه وليصل فيهما». أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة. هذا الحديث لأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة، من طريق حماد بن سلمة، عن أبي نعامة، عن أبي نظرة، عن أبي سعيد. فحماد بن سلمة رواه موصولا، ورواه حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن أبي نعامة، عن أبي نظرة مرسلا، فاختلف في وصله وإرساله. فحماد بن سلمة وصله، وحماد بن زيد أرسله، لكن تابع حماد بن سلمة على الوصل حجاج بن الحجاج، وهو ثقة. ولهذا رجح الوصل الإمام الدارقطني، وكذلك أبو حاتم، فالحديث صحيح. والحديث له قصة، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه وهو لابس لنعليه لخفافهما، والصحابة لابسين لخفافهم، وفي أثناء الصلاة نزع النبي صلى الله عليه وسلم خفيه، فنزع الصحابة رضي الله عنهم خفافهم. فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: «ما لكم نزعتم خفافكم؟» قالوا: قلنا يا رسول الله رأيناك نزعت خفيك فنزعنا خفافنا، أو نزعت نعليك فنزعنا نعالنا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن جبريل أخبرني أن فيهما قذرا، فإذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه أذى أو قذرا فليمسحه وليصل فيهما». فهذا الحديث فيه أولا مشروعية الصلاة في النعال، وأنه يشرع أن يصلي المسلم في نعليه. وفي ذلك أحاديث كثيرة، من هذا الحديث، وحديث أنس بن مالك في الصحيحين، قال سعيد بن يزيد: سألت أنس بن مالك: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في نعليه؟ قال: نعم. وغيرها من الأحاديث الكثيرة. وقد ذكر الإمام الطحاوي رحمه الله في كتاب "شرح معاني الآثار" عدة أحاديث، ذكر 12 حديثا، وذكر أن أحاديث الصلاة في النعال متواترة. ولشيخنا الوادعي رحمه الله رسالة في ذلك، سماها "مشروعية الصلاة في النعال". وتأتي مسألة أخرى، وهي هل يصلي المسلم في نعليه في بيوت الله المفروشة بالفرش؟ فالجواب كما قال أهل العلم: لا ينبغي أن يصلي المسلم في نعليه في المساجد المفروشة. في السابق كانت المساجد تفرش بالحصى أو بالرمل، فليس في الصلاة في النعال إفساد لفرشها وعبث بها، بخلاف المساجد في هذه الأزمان، فهي تفرش بالفرش الثمينة، فالصلاة في النعال فيها سيؤدي إلى تلفها، فتتلف تلك الفرش، حتى مع العناية بنظافة النعالين، لكن لما يكون فيهما من رائحة أو رطوبة أو شيء من ذلك فيؤدي ذلك إلى تلف تلك الفرش. فلهذا لا يصلى فيها. وهل الصلاة في النعال رخصة أم سنة؟ بعض العلماء ذهب إلى أن الصلاة في النعال هي رخصة، يعني يشرع ويباح ويرخص في الصلاة في النعال، لكن لا تبلغ إلى درجة المستحب. وذهب إلى ذلك الإمام الدارقطني رحمه الله. والقول الثاني: أن الصلاة في النعال سنة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها، بحديث شداد بن أوس رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في خفافهم ولا نعالهم». ومخالفة اليهود أمر مطلوب. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة في النعال، والأصل في الأمر أنه للوجوب. لكن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى حافيا وغير منتعل، فيدل هذا على أن هذا الأمر للاستحباب. إذن الصلاة في النعال مستحبة. وهل معنى هذا أن المسلم إذا سمع مثل ذلك يلبس نعليه ويدخل إلى مساجد المسلمين فيصلي بنعاله؟ الجواب: لا، لابد من مراعاة المصالح والمفاسد. فلو صلى الإنسان في نعليه في مساجد المسلمين اليوم لأدى ذلك إلى مفسدة أعظم. الصلاة في النعال سنة، وإذا فعلها عند المسلمين مع الجهل وعدم العلم بهذه السنة سيترتب على ذلك مفسدة أعظم. فمراعاة للمصالح والمفاسد، فإن المسلم لا يفعل ذلك. لكن لك أن تصلي في النعال في الصحراء مثلا، أو إذا صليت على جنازة في مصلى فلا بأس أن تصلي في نعليك، أو مثلا في البيت لا بأس أن تصلي في نعليك من غير أن ترد مفسدة في ذلك. وكذلك أيضا في هذا الحديث: أن المسلم إذا صلى وعليه نجاسة، إذا لم يعلم بهذه النجاسة حتى فرغ من الصلاة، فإن صلاته صحيحة. إنسان صلى في ثوب وفيه نجاسة لم يعلم بهذه النجاسة حتى فرغ من الصلاة، فما حكم صلاته؟ نقول: الصلاة صحيحة. ما هو الدليل؟ هذا الحديث، النبي صلى الله عليه وسلم كان في نعليه أذى أو قذر، ولما أخبر بذلك نزع خفيه واستمر في الصلاة. ولو كانت الصلاة تبطل بالنجاسة مع عدم العلم بها، لاستأنف النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة من جديد، لكن ما فعل ذلك، فدل هذا على أن الصلاة صحيحة. لكن إذا علم بها وفي أثناء الصلاة، إذا علم بالنجاسة وهو في أثناء الصلاة، فهنا نقول: إن أمكن أن ينزع هذا الثوب الذي فيه النجاسة من غير أن يحتاج لعمل كثير، فعل ذلك واستمر في صلاته. مثلا ذكر أن العمامة فيها نجاسة وهو في أثناء الصلاة، ينزع العمامة ويستمر في الصلاة. لكن إذا كانت النجاسة في ثوب، ومثلا الذي يستر به عورته، وما عنده غيره، يعني في أثناء الصلاة وذكر أن فيه نجاسة، هنا ما يمكن أن ينزع هذا الثوب، فهنا يخرج من الصلاة ويطهر هذا الثوب من النجاسة، ثم يستانف الصلاة من جديد. وأراد المؤلف رحمه الله الاستدلال بهذا الحديث على وجوب الطهارة، من طهارة الثياب من النجاسة، وأن الواجب على المسلم إذا صلى أن يكون طاهرا في بدنه وفي ثوبه وفي بقعته. وهذا الحديث فيما يتعلق بثيابه ولباسه. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.