الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 31، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه يجمع كفيه وينفث فيهما ويقرأ المعوذات الثلاث (الإخلاص، الفلق، الناس) ثم يمسح بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده ثلاث مرات، وقد ترك ما كان يتعوذ به قبل نزولها واعتصم بها لما فيها من التوحيد والتعوذ من شرور الخلائق والشيطان، مع التنبيه للفرق بين هذا الفعل المعتاد وفعله في مرض الموت.
يستعرض المقطع سنة النبي ﷺ في النوم على الجانب الأيمن وقراءة الأذكار المأثورة كدعاء الاضطجاع وآية الكرسي، مبيناً أن هذه الأذكار تحصين للمسلم من الشيطان والشرور، وسبب لحسن الخاتمة إن قُبض روحه أثناء النوم، وتجسيداً للاعتصام بالله والتوكل عليه.
من يلجأ إلى الله بصدق ويعتصم به يحفظه الله بحفظه الخاص، وهذا من أعظم ثمار التوكل على الله وفضائله التي تجنيها النفس المؤمنة بأذكارها وأعمالها.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، وهو قتيبة بن سعيد بن طريف بن جميل، أثق في البغلان، أبو رجاء المصري، رحمه الله، كان حافظاً كبيراً، وقد عمر رحمه الله حتى أدرك الأحفاد بالأجداد، وروي عنه خمس طبقات من طبقات المحدثين. وهو أيضاً من التسعة الذين روى عنهم أهل السنة أهل الأمهات الست كلها، بل وأيضاً أحمد وأبو يعلى والبزار، كلهم رووا عنه، أي أصحاب الكتب التسعة رووا عن قتيبة بن سعيد. وهناك تسعة من الطبقات روى عنهم أهل السنة جميعاً، وكذلك أحمد وأبو يعلى والبزار، منهم قتيبة بن سعيد. قال: حدثنا المفضل بن فضالة، والمفضل من الحفاظ أيضاً، قال: عن عقيل، وهو ابن خالد العيلي المصري، وكان من شرطة بني أمية، وكان يلازم الزهري إذا جاء إلى مصر، وأخذ منه علماً كثيراً، حتى أنه كان يروي عنه كبار أهل مصر ك الليث بن سعد وغيره، يأخذ منه حديث ابن شهاب. قال: عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما، فقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات. وهذا الحديث على الصحيح أنه غير الحديث الذي تقدم، فالحديث الذي تقدم في مرض النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الحديث في قبل نومه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وأكلاهما من طريق ابن شهاب عن عروة عن عائشة. فكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما. فهنا النفث قبل القراءة، وفي الحديث الذي تقدم النفث بعد القراءة. وكما قلنا: الرقية يكون فيها النفث بعد القراءة، بخلاف هذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم عند النوم، فإنه يجمع كفيه ثم ينفث فيهما. والنفث هو إخراج هوى يسير من الفم مع شيء من الريق، يكون هوى في من البزاق أو البصاق، لكن شيئاً يسيراً جداً، فيسمى نفثاً. فينفث فيهما، أي في كفيه، ويقرأ هذه السور الثلاث: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. وقد تقدم في كتاب التفسير تفسير هذه السور، وأنها من أعظم السور. السورة الأولى اشتملت على التوحيد، والسورة الثانية اشتملت على التعوذ من شرور كل ذي شر، وخاصة الشرور التي تحيط بالإنسان في ليله ونهاره، وكذلك أيضاً شرور السحرة، وأيضاً الحساد. وأما السورة الثالثة فهي تعوذ من أصل الشر وهو الشيطان الرجيم، تعوذ من أصل الشر وهو الشيطان الرجيم. فلذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر من هذه السور عند نومه، وعند أن يصبح، وعند المساء، وكذلك بعد الصلوات، وأيضاً في أماكن كثيرة تجد أنه يقرأ هذه السور يستعيذ بها. وقد ذكرنا قبل أن النبي عليه الصلاة والسلام كما قالت عائشة كان يتعوذ بتعاويذ، فلما نزلت هذه المعوذات ترك ما كان يتعوذ به وتعوذ بهما. ففي هذا الحديث: النبي عليه الصلاة والسلام كان يذكر ربه جل وعلا إذا أراد أن ينام، وقد جاءت أذكار كثيرة عند النوم، ومنها هذا الذكر: أنه يقرأ هذه السور الثلاث: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. وقبل أن يقرأها ينفث في يديه، يجمع كفيه وينفث فيهما، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، فيبدأ على رأسه ثم وجهه ثم ما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات. وظاهر الحديث أنه يفعل ذلك، أي هذه القراءة وهذا المسح، وليس المسح فقط، وإنما يفعل ذلك، أي يكرر النفث والقراءة ثم بعد ذلك المسح، فيفعل ذلك ثلاث مرات. يبدأ برأسه ووجهه وما استطاع من جسده بعد ذلك. فهذه سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وقد يكون هذا من باب الحفظ، ومن باب أيضاً الاعتصام بكلام الله جل وعلا، وهو أيضاً من الوقاية، يعتبر من الوقاية من الشرور. فإن النائم لا يدري ما يحدث، ما يحدث عند نومه، فلذلك يحصن، يحصن بهذه الأذكار، ويحفظ بهذه الأذكار. وكذلك النائم أخ الموت، أو النوم أخ الموت كما جاء في الحديث، فلذلك يذكر الله عز وجل قبل نومه، حتى يكون إن - كما قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾. وقد جاء في الحديث الذي في الصحيحين، حديث أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا اضطجع قال: «بِاسْمِكَ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ». فينام الإنسان على ذكر الله جل وعلا، فينام على ذكر الله، فإنه إن قبضت نفسه فهو مات على خير، على ذكر الله سبحانه وتعالى، فهذه خاتمة حسنة. فإن مات في نومه، فتوفى الله عز وجل نفسه، فإنه قد مات على خاتمة حسنة. فلذلك يحرص المسلم على ذكر الله عز وجل عند نومه، ومن الذكر هذا الأمر. وكذلك آية الكرسي، كما تقدم أيضاً، تحفظ النائم من شر الشيطان، فقال: «فَلَا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ حَتَّى يُصْبِحَ، لَا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ حَتَّى يُصْبِحَ». فهي حماية من الشيطان. وأيضاً هذا الحديث، أو هذا الذكر، وهذه الآيات أيضاً حماية والتجاء إلى الله عز وجل. ولا شك أن من التجأ إليه سبحانه وتعالى فهو الملجأ سبحانه وتعالى. وكذلك أيضاً يحفظ عباده الذين يعتصمون به جل وعلا. ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم، سواء كان في طريقه، أو كذلك في مخاوفه، أو في غيرها من هذه الأمور من الشرور. فإذا التجأ بالله عز وجل، فالله عز وجل يحفظه بحفظه سبحانه وتعالى. فهذا شيء مما يذكر، والله تعالى أعلم.