الدرس في عشر ركائز في تربية الأبناء 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الرفق والرحمة أساسيان في تربية الأبناء، يحسنان التعامل معهم ويولدان المحبة والمودة. الرفق يزين الأمور بينما العنف ينقصها.
النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد على الرحمة والعطف على الأبناء، ويعتبرهما شرطاً لرحمة الله. تقبيل وضم الأبناء من الرحمة.
الرفق والرحمة سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، ويعززان الترابط بين الآباء والأبناء وييسران قبول النصائح.
الدعاء للتوفيق للطاعة والتخلق بالرفق والرحمة، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله في رسالته "عشر ركائز في تربية الأبناء"، قال: الركيزة السابعة: الرفق والرحمة. قالوا: من ركائز تربية الأبناء الرفق واللطف بهم، ومعاملتهم بالرحمة والإحسان، والحذر من الغلظة والبعد عن الشدة والجفاء. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه». والحديث أخرجه مسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. فأخبر عليه الصلاة والسلام أن الرفق -يعني الليونة والسهولة وعدم أخذ الأشياء بالقوة والعنف- لا يكون في شيء إلا زانه، يعني حسّنه وجملّه وكملّه، ولا ينزع من شيء إلا شانه، أي عابه. فلا يكون العنف في شيء -يعني ينزع منه الرفق- إلا ويكون فيه نقص وخلل وعيب. وهذا في كل الأمور، في باب الدعوة إلى الله جل وعلا، إن كانت بالقسوة والغلظة والعنف نفر الناس، وإن كانت بالرفق واللين بالضوابط الشرعية فإن الناس يقبلون. ولهذا قال الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. ما جلس عندك أحد، ولا التف حولك أحد، ولا استمع إليك أحد. وهكذا أيضا في باب التعامل، تعامل المسلم مع إخوانه، ومع أصحابه، مع جيرانه، مع المسلمين في بيعه وشرائه. وهكذا أيضا في تعامل الوالدين مع أولادهما، إن كان بالرفق حسنت التربية، وصلحت ونفعت، وإن كانت بالعنف والقهر والقوة حصل النفور، وكذلك حصل الشر. قالوا: هذه الرحمة والرفق يجب أن تبدأ مع الأولاد منذ صغرهم ونعومة أظفارهم، يعني يشعر الولد بالرفق والرحمة ولين الجانب والعطف. قال: وتمضي وتستمر معهم -يعني بعد كبرهم- فإنها سبب لقرب الأبناء من آبائهم ومحبتهم لهم. ومع وجود هذا القرب وهذه المحبة يسهل توجيه الأبناء للخير، وتتيسر النصيحة لهم، وكذا استجابتهم وقبولهم لها. وذلك لما بين الأب وابنه من حسن تعامل ومن رفق ولين، فينشأ عن ذلك المحبة والمودة. وإذا حصلت المحبة والمودة حصل بذلك قبول النصيحة، إذا نصحت الولد ووجهته، فهو لما يكن لك في قلبه من محبة وتقدير وإجلال وتعظيم يستجيب لك ويأخذ بنصيحتك، فيكون ذلك عونا له في صلاحه واستقامته. وأما إذا كان العكس، إذا كان الأب غليظا قاسيا، لا تعامل عنده إلا بالضرب، كما يفعل بعض الآباء هداهم الله، لا يعرف إلا العنف، ربما لكم وضرب وصياح، ما يتفاهم إلا بهذا، هذا سينشأ عنه بغض الولد لأبيه، سيكون كارها له باغضا له. وهكذا يعني إذا أمره بشيء سيعصيه، وإذا نصحه لم يقبل نصيحته، لأنه ليس بينه وبين ولده أسباب قبول النصيحة من الود والمحبة والعطف واللين الذي يكون سببا في قبول ما يريد أن يوصله الأب لولده، بل يحصل بينهما النفور، وكذلك البغضاء والشحناء. قالوا: قد تكاثرت النصوص من سنة النبي صلى الله عليه وسلم في بيان هذه الركيزة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الحسن بن علي رضي الله عنهما. قال: والأقرع بن حابس رضي الله عنه جالس عنده، والأقرع من أهل البوادي، فقال: «إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا»، يقول: عندي عشرة أبناء ما قبلت واحدا منهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من لا يرحم لا يرحم». والحديث في الصحيحين. ومعنى هذا أن تقبيل الأبناء وضمهم والعطف عليهم هذا من الرحمة، وهذا من الرحمة والشفقة التي تكون في قلب الوالدين لولدهما. فإذا كانت هذه معاملة الوالد لولده، لا يعرف له رحمة ولا شفقة، ولا يقبله ولا يضمه، يشعر الولد بالحنان والعطف ومحبة الوالد له. فإذا كان لا يعامل مثل هذه المعاملة دل هذا على قسوة قلب هذا الوالد. «من لا يرحم لا يرحم»، إذا لا ترحم أولادك ولا تعطف عليهم، فكيف تريد من الله جل وعلا أن يرحمك؟ كيف تريد من الله عز وجل أن يرحمك؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». إذا تريد أن يرحمك الله عز وجل فلا بد أن ترحم عباده، وأقرب الناس وأولى الناس بهذه الرحمة هم الأبناء، أولى الناس بهذه الرحمة هم الأبناء. للأسف أن بعض الآباء تجده مع الناس عنده رحمة، عنده رحمة وشفقة وعطف ولين وحسن تعامل، لكنه للأسف يفقد هذه الرحمة مع أولاده، إذا دخل البيت فهو الأسد الذي ما يعرف إلا الهجوم والكسر، وإذا خرج فهو اللين السهل. لا، هذا خطأ، أولى الناس بهذه المعاملة بهذا اللين وهذه السهولة هم أهلك، أولادك، أن تعطف عليهم وتشفق عليهم وترحمهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لا يرحم لا يرحم». إذا العطف على الأبناء هذا من الرحمة التي جعلها الله عز وجل في قلب الآباء. قال: عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «تُقبلون صبيانكم؟ فما نقبلهم»، يعني كانوا يتعجبون أنتم تفعلون هذا، تقبلون صبيانكم، نحن ما نقبلهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَوَ أَمْلِكُ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ». والحديث في البخاري. يعني الذي لا يعامل أولاده بهذه المعاملة، معناه ما عنده رحمة في قلبه، نزع الله عز وجل من قلبه الرحمة. قالوا: عن أم الفضل رضي الله عنها أنها أتت بالحسن بن علي رضي الله عنهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد فطمته -يعني فطمته من الرضاع- وأصبح يأكل الطعام. قال: فوضعه على صدره، فبال على صدره، فأصاب البول إزاره -يعني ثوبه الذي يلبسه في الأسفل، الإزار ما يلبس في أسفل البدن من السرة إلى الركبة كالفوطة ونحوها- قالت: فزخزخته بيدي، قالت: فزخزخت بيدي على كتفه، زهزخت -يعني دفعته- دفعت الحسن بن علي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ارفقي بابني رحمك الله». والحديث في مسند الإمام أحمد. «ارفقي بابني رحمك الله»، يعني لا تعامليه بهذه المعاملة، لا تدفعيه، ارفقي به، كونه بَوَل، لا بأس، هو طفل، هو طفل، يعني مثل هذا يحصل من مثله، أمر سهل، يغسل هذا البول الذي حصل منه والحمد لله، لا يحتاج هذا الأمر إلى معاملة بالعنف والقسوة والشدة. وهذا ما قد يحصل من الأبناء من مثل هذه الأعمال، قد يبول في مكان، ربما يكسر شيء خطأ، يحتاج إلى رفق في التعامل، يأخذ هذا الشيء ينبه، إذا كان ممن يعقل، إذا كان مميزا، وإذا كان دون سن التمييز فهو يعني لا يعقل شيئا، لا يفهم، ما زال صغيرا، يحتاج إلى أن يعامل برفق ولين ورحمة وشفقة. إذن رحمة الأبناء كما سمعنا أمر مطلوب، وهو أيضا من أسباب نيل العبد رحمة الله سبحانه وتعالى، فينبغي للوالدين أن يربوا أنفسهم على هذا الخلق، خلق الرحمة والرفق واللين والعطف، ولين الجانب في التعامل مع الأبناء. لا بأس -يعني الأخذ- أخذ الأمر بشيء من الجد في بعض الأحيان يحتاج المقام إلى ذلك، لكن لا يكون هذا هو الأصل والأساس في التعامل معهم، لا، الأصل يكون هو الرفق واللين، ويحتاج إلى أن يشد في بعض المواضع لأن المقام يقتضي ذلك، لا بأس، لكن الأصل كما سمعنا هو الرفق واللين. قالوا: مما يدل على أهمية العناية بجانب الرفق والرحمة بالأبناء، وأنه من أبواب دخول الجنة والعتق من النيران -يعني الرفق والرحمة بالأبناء سبب عظيم من أسباب دخول الجنة- ما ذكرته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: «جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث مرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها -يعني كل واحدة تقول اعطيني- بعد أن أكلت كل واحدة منهن تمرتها، طلبتا التمرة التي مع أمهم، فاستطعمتها ابنتاها، فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، رحمة بهتيني البنتين، وآثرتهما على نفسها». قال: «فأعجبني شأنها، فذكرت الذي صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار». والحديث في مسلم. «إن الله قد أوجب لها بها الجنة»، هذه التعامل، وهذه التمرة التي رحمت بها ابنتيها، فأعطتها لابنتيها، وتركت نفسها بلا شيء، رحمة وشفقة وعطفا ولينا، كان سببا في دخولها الجنة. «إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار»، أو أعتقها بها من النار، معناه حرم عليها دخول النار. إذا كان هذا في تمرة، إذا كان هذا في تمرة، فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ كيف بما هو أكثر من ذلك؟ إذا كان هذا حال الوالدين مع ولدهما بالشفقة والرحمة والعطف ولين الجانب والإيثار لهما على أنفسهما، وبذل لهما ما يحتاجان إليه، لآخر ذلك، لا شك أن هذا سبب عظيم من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار. مع كذلك أيضا ما علمنا من أنه سبب عظيم لحصول التواصل والترابط بين الآباء وأبنائهم، فيكون ذلك سببا لقبول نصائحهم وتوجيهاتهم، مما يكون عونا لهم على صلاحهم واستقامتهم. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأنعمنا وإياكم على التخلق بالرفق والرحمة ولين الجانب، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.