عشر ركائز في تربية الأبناء 10

الدرس في عشر ركائز في تربية الأبناء 10، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أهمية التربية المبنية على التوحيد والنصح

يؤكد الشيخ على أهمية تربية الأبناء على العقائد الدينية وبر الوالدين، ويشير إلى ضرورة تعليق قلوبهم بالله وتوجيههم للصلاة والزكاة. هذا يشمل البدء بالتوحيد ومراقبة الله.

بر الوالدين وتوحيد الله وأهمية الإحسان

يناقش المقطع أهمية بر الوالدين بعد توحيد الله، ويشير إلى أن الله قرن حقه بحق الوالدين في عدة آيات، وأمر بالإحسان إليهما حتى وإن كانا كافرين. هذا يدل على عظم حق الوالدين.

التوجيهات الأخلاقية والتعامل مع المحرمات

يتناول المقطع توجيهات أخلاقية مثل التواضع وخفض الصوت، ويحذر من المحرمات مثل سماع الغناء والقنوات الضارة. كما يشجع على توجيه الأبناء للصلاة واجتناب ما يغضب الله.

توجيه الأبناء للمساجد والعلم وحفظهم من اللهو

يحث المقطع على اصطحاب الأبناء للمساجد لحضور حلقات العلم ولينشأوا على محبة القرآن وبعدًا عن اللهو المحرم، مما يسهم في نشأتهم نشأة طيبة. هذا يوجه الوالدين لأهمية التربية الصالحة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله في رسالته "عشر ركائز بتربية الأبناء": ركيزة الثامنة، بذل النصح والتوجيه. قالوا: أيضا من ركائز تربية الأبناء العظيمة المداومة على النصح والتوجيه، لا سيما إلى معالي الأمور ومكارم الأخلاق، بدءا بتعليم العقائد الدينية وفرائض الإسلام وأركانه، وسائر الأوامر الشرعية. وكذا عند الزجر والتحذير يبدأ بالكبائر من الذنوب والآثام وسائر المناهي الشرعية. فهذه الأمور يجب أن يكون لها النصيب الأكبر من التوجيه والنصح، وبعدها يلتفت الوالد والوالدة إلى غيرها من الأمور التي يصلح بها حال أبنائهم في الدنيا من المطعم والملبس وغيرها. أن ينبغي الاهتمام بالغذاء الروحي قبل الاهتمام بغذاء الأبدان، فإنه إذا صلحت الأبدان في ظاهرها وفسدت في باطنها لم ينتفع بها. والذي ينبغي أن يعتنى به العناية التي تكون بها صلاح القلوب وصلاح الجوارح، وهو الاعتناء بالغذاء الأرواح بالنصح والتوجيه، وسماع الآيات والأحاديث، وما يعين الولد على الصلاح والاستقامة، ولزوم الطاعات والبعد عن المعاصي والمحرمات. قالوا: من الوصايا البليغة النافعة المسددة ما ذكره الله عز وجل في كتابه عن لقمان الحكيم حينما وعظ ابنه في سورة لقمان، حيث بدأ معه بالتوحيد، وثنى بالأمر ببر الوالدين، وبعدها نبهه على إحاطة الله بخلقه، وفي ذلك إشارة لضرورة مراقبة الله عز وجل في جميع أفعاله، ثم حثه على إقامة الصلاة التي أعظم الأعمال البدنية، وختم وصيته بتنبيه على جملة من رفيع الأخلاق ومعالي الأمور. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. أول ما بدأ معه في هذه الوصية، وهي وصية أب لولده مشفق عليه محب له الخير، فلا شك أنه ما سيوصيه إلا بشيء يرى أن الوصية به أمرا مهما ينبغي الاعتناء به. فبدأ معه بأمر التوحيد، لأنه أساس صلاح الأعمال، إذا صلحت توحيد صلحت سائر الأعمال، وإذا فسد التوحيد فسدت سائر الأعمال. فلهذا قال له في موعظته هذه: "يا بني لا تشرك بالله، احذر احذر من الشرك في عبادة الله جل وعلا، سواء كان شركا أكبر أو كان شركا أصغر، وسواء كان شركا يتعلق في الربوبية باعتقادي أن هناك خالق أو رازق أو محي أو مميت أو من يصر في هذا الكون غير الله سبحانه وتعالى، أو كان شركا في الألوهية بصرف العبادة لغير الله جل وعلا من دعاء أو صلاة أو ذبح أو نذر أو غير ذلك من العبادات والطاعات أو غير ذلك من أنواع الشرك". قال: "إن الشرك لظلم عظيم"، الشرك أعظم الذنوب على جهة الإطلاق. قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. قال الصحابة رضوان الله عليهم: "لما نزلت هذه الآية يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه من الذي لم يقع في شيء من الظلم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألم تسمع إلى قول الرجل الصالح لولده: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم»، أي أن المراد بهذه الآية هو خصوص الشرك في عبادة الله، فهو أعظم الظلم". إن الشرك لظلم عظيم. وفي حديث عبد الله بن مسعود حين سئل النبي عليه الصلاة والسلام: "أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك»". هكذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. فهكذا ينبغي للوالدين أن يربوا أولادهم على التوحيد، على تعليق قلوبهم بالله جل وعلا، فينشأ الطفل والولد منذ صغره وهو متعلق بالله عز وجل، يعلم أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله سبحانه وتعالى، يعلم أنه لا يستحق العبادة أحدا من الخلق إلا الله سبحانه وتعالى، فيعلم أن صرف العبادة لغير الله من الشرك في عبادة الله سبحانه وتعالى. وهكذا أن تعليق الحروز والتمائم من الشرك في عبادة الله، أن سؤال غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من الشرك، وهكذا غير ذلك من أنواع الشرك. قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾. بعد أن ذكر أهم الأمور وهو أمر التوحيد، ثنى ببر الوالدين، ولما لهما من حق عظيم على الولد. وكثيرا ما يقران الله عز وجل حقه عز وجل بالأمر بعبادته وطاعته، ثم يعطف عليه الأمر ببر الوالدين. ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. نعم، وهكذا آيات كثيرة مما يدل على عظم حق الوالدين. قال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾، أي تعب على تعب ومشقة على مشقة، نعم مشقة الحمل ثم الولادة ثم الرضاع والتربية. ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، أي فصال رضاعه وتربيته يكون في عامين. وفي الآية الأخرى في سورة الأحقاف: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، أي ستة أشهر للحمل وأربعة وعشرين شهرا للرضاع. وبهذا استدل أهل العلم بهذه الآية على أن أقل الحمل هو ستة أشهر. ولا شك أن هذه مشقة عظيمة، يعني تقوم بها الأم في التربية والرضاع والاهتمام. قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾، كن شاكرا لله عز وجل الذي خلقك وأوجدك وأنعم عليك بالنعم وتكفل لك بالرزق، وكذلك أيضا أشكر لوالديك الذين هم السبب في وجودك في هذه الدنيا، وما لهما من فضل عظيم عليك. ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، أي المرجع إلى الله جل وعلا. قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. أي عليك ببر الوالدين حتى وإن كانا كافرين، حتى وإن كانا كافرين وجاهداك وأمراك أن تشرك بالله عز وجل، فلا تطعهما في ذلك. إنما الطاعة بالمعروف، ومع ذلك فلهما حق الإحسان، وكذلك أيضا حق حسن المعاملة لأنهما ما زالا والديك. وهذا معنى قولي: "وصاحبهما في الدنيا معروفا". قال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾. هنا أوصاه أن يكون مراقبا لله جل وعلا، وأن يعلم أن الله عز وجل مطلع عليه، عالم بأحواله، وعالم بأقواله وأفعاله، وأن الله عز وجل لا يخفى عليه شيء مما يعمله العباد، وإن كان أمرا حقيرا أو أمرا دقيقا، فالله عز وجل يعلمه. قال: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. أوصاه بعد ذلك بالمحافظة على الصلاة التي هي أوجب الواجبات وأعظم أركان هذا الدين العظيم، هي أعظم الواجبات البدنية التي أمر الله سبحانه وتعالى بها في سائر الشرائع، وهكذا في شريعتنا الإسلامية. فالصلاة هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين. وهكذا أيضا أمره بالأمر بالمعروف، أي المعروف شرعا أو المعروف عرفا، ونهاه وأمره بالنهي عن المنكر مما حرمته الشريعة ونهت عنه، وأن يصبر على ذلك على أمره بالمعروف والنهي عن المنكر، مما قد يصيبه من البلاء، وكذلك أيضا من الذنب والتحقير، فعليه بالصبر. قال: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾. لا تصعر خدك للناس، أي لا تميل بوجهك إذا خاطبت الناس أو خاطبك الناس، فتميل بوجهك تكبرا وإعجابا، فهذا من سوء الخلق. أنك تعامل الناس بهذه المعاملة. ولا تمش في الأرض مرحا، أي متبخترا معجبا بنفسك متكبرا، فإن هذا من كبائر الذنوب. كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل يمشي اختال في مشيته إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة». نعم، فالذي ينبغي للمسلم أن يكون متواضعا، أن يكون خافض لجناحه متواضعا للناس غير متكبر. قال: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. واقصد في مشيك، أي كن في مشيك مقتصدا لا مسرعا إسراعا مفرطا، ولا كذلك بالبطيء الشديد البطء، بل وسط بين ذلك. هذا الاعتدال في المشي. واغضض من صوتك، أي لا ترفع صوتك، لا تصيح، يعني دائما وأنت في صياح وترفع صوتك، فإن هذا يعني يشبه صاحبه بأبلد الحيوانات، هو الحمار. إن أنكر الأصوات لصوت الحمير، معنى هذا أن الذي يرفع صوته هو يتشبه بهذا بالحمار، لأن الحمار إذا نهق يعني رفع صوته وصاح وتأذى الناس من صوته، فلا تكون كمثل هذا الحيوان الذميم. قال: وقد انتهج هذا المسلك الأنبياء والصالحون، كما مر في الوصية السابقة، وذكر الله عز وجل عن نبيه إبراهيم ويعقوب عليهما السلام، فقال: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. إلى آخر الآية. وقال: وآثنى رب العالمين على نبيه إسماعيل عليه السلام بكونه يأمر أهله بالصلاة والزكاة، فقال عز وجل: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾. وهذا في مقام المدح والثناء، أثنى الله عز وجل على إسماعيل عليه السلام بهذا، أنه كان يأمر أهله، يوصيهم، يعظهم، ينصحهم، يوجههم. وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وكان عند ربه مرضيا. وهذا يدل على أن من فعل ذلك فهو يتأسى بأنبياء الله جل وعلا وبالصالحين. قال: وأمر الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يحافظ على أداء الصلوات المفروضات، وأن يأمر أهله بها أيضا ويحثهم على فعلها، كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾. قال: ويدخل في توجيه الأبناء ونصحهم أيضا أن يجنب الوالد أبناءه كل ما يفسد أخلاقهم ودينهم، مثل سماع الأغاني، ما يجعل الوالد يسمع الغناء وهو عادي ما يبالي، لا يكلمه ولا ينصحه ولا ينهى، بل يأتي ويسمع معه، ويقول: ارفع الصوت، ارفع الصوت حتى يسمع معه. لا ينبغي أن يربيه على ترك المحرمات. فإذا رأيته يسمع الغناء نهيته وزجرته، وبينت له أن سماع الغناء محرم، وأنه يمرض القلوب ويفسدها، حتى يتربى على البعد من سماع الغناء، وتحبب له سماع القرآن. قال: والقنوات الضارة، وما أكثرها، التي ينشر فيها ما يفسد الأخلاق، وما يبث فيها من أفلام ومسلسلات، يعني تطمس الأخلاق الدينية، وتربي الأبناء على الأخلاق الرذيلة والأخلاق الفاسدة. والآلات المحرمة، وكذا يحذر من الذهاب بأبنائه لأماكن اللهو المحرم، كأماكن الغناء والرقص والسينمات ونحو ذلك، مما تشتمل على أنواع من الذنوب والمعاصي، حتى ينشأ الولد على بعد عما يغضب الله عز وجل، وتعوده بالذهاب به إلى المساجد، حضور حلقات العلم، حتى ينشأ على محبة العلم ومحبة القرآن، فينشأ النشأة الطيبة التي تقر بها عين الوالدين. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.