الدرس في كتاب الجنائز 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا المحور آداب التعامل مع الميت من تغطية الجسد بثوب حسن وجواز تقبيله، مع التحذير من خطورة الدين على المؤمن لتعلّق نفسه به حتى يُقضى. كما يفصّل أحكام غسل المحرم وتكفينه في ثوبي إحرامه دون حنوط أو تغطية رأس ليُبعث ملبيًا.
يشرح المقطع طريقة الغسل الشرعي بالبدء بماء وسدر والختم بالكافور على وتر ثلاثًا أو خمسًا، مع ضفير شعر المرأة وإسداله خلفها. ثم يبيّن التكفين في ثلاثة أثواب بيض مستحبة ويكفي الواجب ثوب واحد كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع مصعب بن عمير.
يوضح هذا المحور صفة الكفن الشرعي بأنه ثياب بيض بلا قميص ولا عمامة، ويستحب الإحسان في جودته وتكفينه دون إسراف. ويسرد قصة قميص النبي لعبد الله بن أبي، وجواز جمع الشهيدين في ثوب واحد وتقديم أكثرهم قرآنًا في اللحد.
يميّز المقطع بين شهيد المعركة الذي لا يُغسل ولا تجب الصلاة عليه ويجوز ذلك، وبين من مات بجراحه بعد أيام أو غير شهداء المعركة كالمغرق فيُغسل ويُصلى عليه. ويستدل بصلاة النبي على شهداء أحد بعد ثمان سنين على جواز الصلاة بعد الدفن بطول المدة، وينهى عن المغالاة في الكفن.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: الحديث الثامن والخمسون بعد الستمائة. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي سُجِيَ ببرد حبرة. متفق عليه. سُجِيَ بمعنى غُطِّيَ ببرد حبرة، يعني ببرد من برود اليمن، وهي من البرود يعني الجيدة والثياب الحسنة. فالنبي عليه الصلاة والسلام حين توفي غُطِّيَ بهذا البرد، برد حبرة. استدل به أهل العلم على أنه يشرع عند موت الميت أن يُغطَّى، أن يُغطَّى الميت حتى لا يُرى منه ما يحصل له من تغير حال موته، فيُغطَّى لأجل ذلك. وتكون هذه التغطية بعد أن يُجرَّد من ثيابه، بعد أن يُجرَّد من ثيابه فإنه يُغطَّى ويُستَر. يعني جرت عادة بعض الناس أنه إذا مات يدهن جسمه بشيء يعني من الزيت حتى لا يتصلب، لا بأس بهذا أن يدهن جسمه بالزيت حتى يبقى لينًا فلا يتصلب عند تغسيله. وسيأتي أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يُجرَّد من ثيابه. قال: الحديث التاسع والخمسون بعد الستمائة. وعنها أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قبَّل النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته. رواه البخاري. هذا الأثر فيه جواز تقبيل الميت بعد موته، جواز تقبيل الميت بعد موته. فأبو بكر الصديق رضي الله عنه قبَّل النبي عليه الصلاة والسلام بعد موته، قال: «طبتَ حيًّا وميتًا». فهذا جائز، يعني إذا مات الميت وكان قريبًا للإنسان كأبيه مثلًا أو أخيه أو صديق له أو من أهل العلم والفضل مثلًا، لا بأس أن يكشف عن وجهه ويقبِّل رأسه مثلًا. قال: حديث الستون بعد الستمائة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يُقضى عنه». رواه الترمذي وحسَّنه. هذا الحديث فيه دلالة على عظم أمر الدين، عظم أمر الدين، وأن المؤمن إذا مات وفي ذمته دين للناس فإن نفسه تكون محبوسة معلقة، يعني محبوسة بدينه من دخول الجنة حتى يُقضى عنه هذا الدين، حتى يُقضى عنه هذا الدين. إن أمر الدين أمر خطير، إذا مات الإنسان عليه دين فإنه يُحبس عن دخول الجنة حتى يُقضى عنه دينه. بل حتى لو قُتل في المعركة، في حديث قتادة لما ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن الشهيد يُغفر له كل شيء، قيل: يا رسول الله، أو قال بعد ذلك: «إلا الدين، فإن جبريل أخبرني بذلك». الشهيد يُغفر له كل شيء يعني من ذنوبه إلا الدين، ما يُغفر له لأن الدين يتعلق بحقوق الآخرين، فلا بد من وفائه وسداده. إذا نفس المؤمن معلقة يعني محبوسة عن دخول الجنة إذا كان عليه دين حتى يُقضى عنه هذا الدين. وهذا يعني يحث المسلم على أنه يحرص على سداد الديون، إن كان في ذمته ديون للآخرين، وكذلك أن يوصي إذا كان هناك مثلًا شيء من الديون التي لا يعلم بها أحد، فينبغي أن يكتبها وأن يذكر أن فلانًا له كذا وفلانًا له كذا حتى تُقضى عنه بعد موته. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام شدَّد في هذا الأمر، في أول الأمر كان لا يصلي على من عليه دين، إذا جئ له بميت قال: «هل عليه دين؟» إن قالوا: نعم، قال: «صلوا على صاحبكم»، ما يصلي عليه، يعني من باب الزجر عن التساهل في أمر الدين. ثم لما فتح الله عليه ويعني أصبح لبيت المال مال، تحمَّل يعني شيء من الديون عن الناس، وكان يصلي بعد ذلك على من عليه دين، أو ربما سأل: «هل عنده ما يسدِّد به دينه؟» إن قالوا: نعم، صلَّى عليه. كل ذلك يعني زجرًا عن التساهل في أمر الدين. على أن المسلم إذا أخذ الدين وفي نيته أن يسدِّد لصاحبه وصادق في ذلك، فإن هذا يعني يوفِّقه الله سبحانه وتعالى في سداد الدين، حتى إن لم يسدِّده في الدنيا فإن الله عز وجل يرضي صاحبه فيتنازل ويسامحه يوم القيامة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله». قال: الحديث الحادي والستون بعد الستمائة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي سقط عن راحلته فمات: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنِّطوه، ولا تُخمِّروا رأسه، فإن الله عز وجل يبعثه يوم القيامة ملبيًا». متفق عليه. هذا الحديث فيه وجوب غسل الميت، قال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المحرم الذي سقط عن راحلته فمات: «اغسلوه بماء وسدر». وهذا أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب، وهذا قول جمهور أهل العلم أنه يجب غسل الميت. وهذا الوجوب وجوب كفائي، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين. ومن أهل العلم من يذهب إلى الاستحباب، هو الإمام مالك. والصحيح الوجوب، أنه واجب لهذا الأمر. وأيضًا سيأتي في أمر النبي عليه الصلاة والسلام بغسل ابنته زينب. فإذا غسل الميت واجب، غسله وتكفينه وحمله ودفنه والصلاة عليه، كل هذه الأفعال من واجبات الكفائية، من واجبات الكفائية. وقوله: «اغسلوه بماء وسدر»، فيه أن الميت يُغسل بماء وسدر، ماء وسدر، يُفلط السدر بالماء ويغسل به الميت، وسيأتي إن شاء الله شيء من الإيضاح في حديث أم عطية. «وكفنوه في ثوبيه»، يعني الإزار والرداء، الإزار والرداء. «ولا تحنِّطوه ولا تُخمِّروا رأسه»، الحنوط نوع من أنواع الطيب، يعني من النبت التي يُطيب بها الكفن، فالمحرم يمنع من ذلك لأنه، لأن المحرم ممنوع من استعمال الطيب، ممنوع من استعمال الطيب. «ولا تُخمِّروا رأسه» يعني لا تغطوا رأسه، لأن المحرم كذلك ممنوع من تغطية رأسه. فقال عليه الصلاة والسلام: «فإن الله عز وجل يبعثه يوم القيامة ملبيًا»، يعني سيُبعث يوم القيامة وهو يلبي، أي محرِمًا. فإذا كان كذلك فإنه يمنع مما يمنع منه المحرم. ففي هذا الحديث كما سمعتم وجوب غسل الميت، وأنه يُغسل بماء وسدر، وأن المحرم إذا مات فإنه يُكفَّن في ثوبيه، يُكفَّن في ثوبيه الإزار والرداء، وأنه لا يُحنَّط، لا يُطيب بشيء من الطيب، ولا يُغطَّى رأسه، بل يبقى رأسه مكشوفًا، ويغطى وجهه. في رواية: «ولا تُقمِّروا رأسه ووجهه»، هذه رواية الوجه شاذة، والعلة في ذلك والحكمة أنه سيُبعث يوم القيامة ملبيًا. وفي هذا الحديث كذلك دلالة على أن الإنسان يُبعث على ما مات عليه، يُبعث على ما مات عليه، كما جاء حديث جابر في مسلم: «يُبعث المرء على ما مات عليه». وهذا يعني يحمل على معنيين: الأول على ما مات عليه من إيمان وكفر، على ما مات عليه من إيمان وكفر. والمعنى الثاني أنه يُبعث على الحالة التي مات عليها، يعني إن مات على طاعة بُعث عليها، وإن مات على معصية بُعث عليها، ويدل عليها هذا الحديث، فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا لأنه مات وهو يلبي، فيُبعث على هذه الحالة التي مات عليها. قال: الحديث الثاني والستون بعد الستمائة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أرادوا غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: والله ما ندري أنُجرِّد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نُجرِّد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه؟ الحديث رواه أحمد وأبو داود. وفيهم أنهم سمعوا بعد ذلك مناديًا يقول: «اغسلوه بثيابه». فغسل النبي صلى الله عليه وسلم بثيابه. قولها: «نُجرِّد رسول الله كما نُجرِّد موتانا»، معنى هذا أنهم كان من عادتهم أنهم يُجرِّدون الميت من ثيابه، أنهم يُجرِّدون الميت من ثيابه، إلا أنهم تشككوا هل يفعلون هذا بالنبي صلى الله عليه وسلم أم لا، فكان الأمر أنهم غسَّلوه بثيابه عليه الصلاة والسلام. إذن في هذا الأثر دلالة على أن الميت إذا مات يُجرَّد من ثيابه، لأن بقاء الثياب عليه قد تتسبب في تغير جسده، فتخرج منه الثياب، ويُسجَّى يعني يُغطَّى بثوب حتى لا يتغير أو يتسرع عليه التغير، نعم، ويغسل وهو مجرد من ثيابه، وتوضع عليه خرقة يعني على عورته بين السرة والركبة، ثم يُغسل. قال: الحديث الثالث والستون بعد الستمائة. وعن أم عطية رضي الله عنها قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته، فقال: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور». فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه، فقال: «أشعرنها إياه». متفق عليه. وفي رواية: «ابتدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها». وفي لفظ للبخاري: «فضفرنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها». نعم، في هذا الحديث ذكر شيء من صفة وكيفية غسل الميت. فالنبي عليه الصلاة والسلام دخل على أم عطية ومن معها في غسل ابنته، وجاء في بعض الروايات أنها زينب رضي الله عنها، فقال: «اغسلنها»، هذا أمر، والأصل في الأمر أنه للوجوب، وعلمنا أن غسل الميت واجب كفائي. قال: «اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك»، يعني يجوز أن يُغسل الميت ثلاثًا، فإن احتاج إلى الزيادة كأن يكون يعني فيه شيء يحتاج إلى زيادة غسل من أوساخ ونحو ذلك، فلا بأس أن يُزاد فيُغسل خمسًا أو سبعًا على حسب الحاجة، ويكون غسله وِترًا، يكون غسله وِترًا، وإلا الواجب هو مرة واحدة، مرة واحدة، لكن يستحب أن يُغسل أقل شيء ثلاث مرات، فإن احتاج إلى الزيادة فلا بأس أن يُغسل خمسًا أو سبعًا. قال: «إن رأيتن ذلك» يعني الزيادة، «بماء وسدر»، إذن يُغسل الميت بماء وسدر، يبدأ بالماء أولًا، ويبدأ في غسله بمواضع الوضوء كما في الرواية الأخرى: «ابتدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها»، فيبدأ مثلًا بغسل كفه الأيمن ثم الكف الأيسر، ثم يؤتى به القطن وينظف الفم والأنف، ثم يغسل الوجه، ثم تغسل اليد اليمنى ثم اليد اليسرى، ثم القدم اليمنى ثم القدم اليسرى، ثم يغسل الجسد كله بالماء، ثم يؤتى به السدر، السدر يُخرط بالماء ويغسل الجسد كاملًا، يبدأ بالشق الأيمن ثم الشق الأيسر، ثم يُغسل هذا السدر بالماء، ويحتاج إلى زيادة بعد ذلك يعني زيد غسل أخرى ثالثة ورابعة وخامسة. طيب. قال: «واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور»، يعني في آخر غسله، الآن غسل بالماء ثم بالسدر ثم غسل بالماء، ثم يؤتى بالكافور، الكافور عبارة عن نبت أبيض يُدق ويخلط بالماء ثم يُغسل به الميت في آخر غسله. طيب، ما فائدة السدر؟ قالها العلم: السدر يلين الجسد، يلين يجعل الجسد رطبًا ما يكون متصلبًا فيسهل يعني تحريكه عند التغسيل. وأما الكافور فهو يصلب الجسد، يجعل الجسد قويًا، وأيضًا يبعد عنه الهوام، يبعد عنه الهوام، وأيضًا يساعد على عدم سرعة التغير، يعني حصول ماذا، تغير الجسد، فالكافور يساعد على عدم سرعة التغير. «فلما فرغنا آذناه»، فقوله هنا: «فضفرنا شعرها ثلاثة قرون»، إذا كان الميت أنثى فيستحب أن يُضفر شعرها، يُضفر يعني يجعل أظفارًا ثم يُسدَل خلفها، وتُلَقَّى القرون خلف ظهرها. وقولها: «فلما فرغنا آذناه» يعني أعلمناه، قال: «فألقى إلينا حقوه»، حقوه يعني إزاره، يعني إزاره، فقال: «أشعرنها إياه»، «أشعرنها إياه» أي جعلنا هذا الإزار مما يلي الجسد، الشعار هو الثوب الذي يلي الجسد مثل الفنيلة، هذا هذا يسمى شعار لأنه متصل بالجسد. طيب، وهذا يسمى دثار، الذي يكون خلف الثوب الذي يلي الجسد يسمى دثار، والشعار الثوب الذي يلي الجسد. قال: «أشعرنها إياه» يعني جعلناه متصلًا بجسدها قبل وضع الكفن. نعم، إذن في هذا الحديث أن الميت يُغسل ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك عند الحاجة، فيكون غسله وِترًا، وأنه يُغسل بماء والسدر، طبعًا هذا جهة الاستحباب، وإنه يُغسل بالماء فقط أجزاء، لكن يستحب أن يُغسل بالماء والسدر، وأيضًا يجعل في آخر الغسلة شيئًا من الكافور، فيرش على سائر الجسد، ثم مع ذلك يُنشَّف يعني بمنشفة حتى يذهب منه الماء، وإن بُخِّر لا بأس أن يُبخَّر الميت، لا بأس بذلك أيضًا لأن هذا من الطيب، من الطيب، وتطيب الميت مستحب. قال: حديث الرابع والستون بعد الستمائة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة». متفق عليه. الكرسف، السحولية هي ثياب تنسب إلى سحول، وسحول منطقة في اليمن من بلاد إب، منطقة في اليمن من بلاد إب يقال لها السحول، هذه ثياب يعني منسوبة إليها. وقولها: «من كرسف» يعني من قطن، ثياب من قطن. «ليس فيها قميص ولا عمامة»، أي هذه الثلاثة الأثواب ليس فيها قميص ولا عمامة، إنما عبارة عن يعني أثواب صافية. فهذا الحديث فيه استحباب تكفين الميت بثلاثة أثواب، استحباب تكفين الميت بثلاثة أثواب، وأن الثلاثة الأثواب يعني مستحبة وليست واجبة، الواجب أن يُكفَّن بثوب واحد، أن يُكفَّن بثوب واحد، في قصة مصعب بن عمير رضي الله عنه لما قُتل يوم أحد لم يوجد له ما يُكفَّن به إلا يعني بردة، انغطي بها وجهه بدت رجله، وانغطي بها رجله بدا وجهه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُغطَّى بها رأسه، وأن يجعل على رجليه شيء من الإذخر. وقصة المحرم التي مرَّت معنا، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُكفَّن بثوبيه، ولو كانت الثلاثة الأثواب واجبة لأمر، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُغطَّى بثوب ثالث، فدل هذا على أنه ليس بواجب إنما مستحب، المستحب أن يُكفَّن بثلاثة أثواب. وقوله: «بيض» أيضًا يدل أنه يستحب أن يكون الكفن أبيض، أن يكون الكفن أبيض. وقوله: «ليس فيها قميص ولا عمامة» يعني لا يكون الكفن فيه قميص ولا عمامة يُغطَّى بها الرأس، وإنما يكون ثوبًا مجردًا، عبارة عن قماش مجرد، ليس فيه قميص، هذا القميص الآن الذي فيه أكمام وجيب الآخرة لا يكون فيه شيء من ذلك، ولا أيضًا عمامة، وإنما ثوب صافٍ. يعني توضع الأثواب الثلاثة كل واحدة فوق الأخرى، ثم يوضع الميت فوق الثالثة، يقع فوق الثالثة، ثم يؤتى بطرف هذا الثوب الثالث طرفه الأيمن فيوضع على طرف الميت الأيسر، والطرف الأيسر على الطرف الأيمن، ويشد من الأطراف من الأعلى والأسفل من جهة الرأس وجهة القدم، ثم الثاني كذلك، ثم الثالث، ثم تشد الجميع وتربط من الأطراف والوسط، حيث أن الكفن يعني يثبت عند حمله وتنقله. قال: الحديث الخامس والستون بعد الستمائة. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أعطني قميصك أكفنه فيه»، فأعطاه قميصه. متفق عليه. عبد الله بن أبي كما هو معلوم رأس المنافقين، رأس المنافقين، لكن ابنه عبد الله، عبد الله بن عبد الله بن أبي، كان من خيار الصحابة، كان رجلًا صالحًا، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يطيب خاطره بذلك، لما طلب منه أن يُكفِّن أباه بقميصه عليه الصلاة والسلام، فأعطاه إياه. وقال بعض أهل العلم: إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه قميصه من باب يعني مجازاة عبد الله بن أبي، لأنه لما أُسِر العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم كساه عبد الله بن أبي، كساه عبد الله بن أبي، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم يعني رد هذا الجميل، فلهذا أعطاه قميصه، وحتى يُكفَّن به أباه. وإذا كُفِّن بثوب قميص يعني ممكن أن يُشق، يُشق القميص ويجعل يعني ثوبًا مفتوحًا ثم يُلف، يُلف على الميت. قال: الحديث السادس والستون بعد الستمائة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْبَسُوا من ثيابكم البيض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم». رواه الترمذي وصحَّحه. نعم، هذا الحديث في استحباب لبس الأبيض من الثياب، لبس الأبيض من الثياب، فإنها من خير ثيابكم، يعني البيض، إذن الثوب الأبيض هو أفضل الثياب، القميص أو إزار ورداء. «وكفنوا فيها موتاكم» يعني يستحب أن يُكفَّن الميت بالثياب البيض، يستحب أن يُكفَّن الميت بالثياب البيض. قال: الحديث السابع والستون بعد الستمائة. وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه». رواه مسلم. «فليحسن كفنه»، هذا الحديث فيه الأمر بإحسان الكفن، كفن الميت. المراد بإحسان الكفن يعني اختيار أولًا الكفن الحسن الجيد الذي لا يكون باليًا، لا يكون باليًا يعني قديمًا يعني معرضًا للتمزق أو شيء من ذلك، فإن هذا يكون من التفريط في الكفن، وإنما يكون كفنا حسنًا يعني قماشه جيد وصالحًا للاستعمال. أيضًا يكون إحسان الكفن ب كيفية تكفينه، أن يحسن في تكفينه، أن يحسن في تكفينه بوضعه في الكفن ولف الكفن عليه، يعني كذلك ربط الكفن إلى آخر ذلك في صفة تكفينه، بأن يكون تكفينه ماذا، تكفينًا حسنًا. وليس المراد بإحسان الكفن المغالاة في ثمن الكفن، كما سيأتي أن هذا يعني منهى، وكان حديث الوالد في هذا الباب ضعيف، لكن معناه صحيح أنه ما ينبغي أن يُغالى في الأكفان، أن يُغالى في الأكفان، وليس من إحسان الكفن أن يُكفَّن بثوب من حرير مثلًا، هذا ليس بصحيح، هذا خطأ، أو يتغالى في شراء الكفن، لا يتوى بكفن يعني ممن يحسن أن يُكفَّن به من أكفان المعتاد التي يُكفَّن بها الناس من أثواب البيض ونحو ذلك، فهذا من إحسان الكفن. إذن إحسان الكفن يكون في ذات الكفن، أن يكون كفنا حسنًا جيدا ليس بالبالي القديم الذي هو عرض للتمزق والتلف، ولا يكون أيضًا من الأكفان الغالية التي يُغالى فيها، بل الأمر وسط، لا إفراط ولا تفريط. والمعنى الثاني في إحسان الكفن في كيفية تكفينه، في كيفية تكفينه، أن يكون تكفينه حسنًا وكذلك صوابًا وكيفية تكفينه. قال: الحديث الثامن والستون بعد الستمائة. وعنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: «أيهم أكثر أخذا للقرآن؟» فيقدمهم في اللحد، ولم يُغسلوا ولم يُصلَّ عليهم. رواه البخاري. نعم، في هذا الحديث جواز، جواز دفن أكثر من ميت في قبر واحد إذا احتاج إلى ذلك أو اضطر إلى ذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، لأنه قُتل من الصحابة يوم أحد سبعون رجلًا، وحفر يعني قبر لكل واحد فيه مشقة، أن تحفر سبعين قبرًا، فلأجل ذلك أسلم، يجمع بين الرجلين والثلاثة في القبر الواحد، فهذا يدل أن يجوز الجمع بين اثنين أو ثلاثة أو أكثر في القبر الواحد عند الضرورة، مثل ما يحصل مثلًا من القتال والحروب فيموت الكثير من الناس فيُدفنون جماعة في قبر واحد، أو إذا حصل شيء من المرض والأسقام والأوبئة التي يموت بها العشرات من الناس فإنهم كذلك يجمعون ويُدفنون في مقابر جماعية، فهذا جائز. ثم قوله: «أيهم أكثر أخذا للقرآن فيقدموا في اللحد»، هذا فيه فضيلة لحامل القرآن، أنه مُقدَّم، أنه مُقدَّم في حال الحياة وفي حال الموت، فهو المقدم في الصلاة، وكذلك يقدم عند الدفن إذا اجتمع أكثر من واحد وأريد دفن جماعة في قبر، ينظر من أكثر أخذا للقرآن فيُقدَّم، يُقدَّم في اللحد. وقوله: «ولم يُغسلوا»، هنا قوله: «يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد»، في ثوب واحد يعني في كفن واحد، في كفن واحد. قال بعض أهل العلم: هذا على ظاهره، أنه يُوضع الواحد والاثنان في نفس الكفن، وهذا للضرورة، وهذا للضرورة. ومنهم من قال: بل المراد في ثوب واحد أن الثوب يعني يُقص ويُبدد، ويُكفَّن كل واحد بجزء من هذا الثوب، يُكفَّن بجزء من هذا الثوب، وهذا قول أكثر أهل العلم، وإن كان ظاهر الحديث أنهم يجمعون الواحد والاثنين في ثوب واحد، هذا هو الظاهر، والله أعلم، أن هذا جائز للضرورة، جائز للضرورة. وقوله هنا: «ولم يُغسلوا»، أي لم يُغسل شهداء أحد، وفيه أن قتيل المعركة أو شهيد المعركة لا يُغسل، إذا مات المسلم في أرض المعركة لا يُغسل، إنما يبقى بدمائه، يبقى بدمائه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يُبعث يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك». فإذن لا يُغسل شهيد المعركة إذا مات في أرض المعركة، أما إذا جرح وأخذ مثلًا وعولج ومات بعد أيام مثلًا في أرض المعركة فهذا يُغسل ويُصلَّى عليه، هذا يُغسل ويُصلَّى عليه، كما حصل لعمر رضي الله عنه لما طُعن وهو يصلي بالناس، فأُغسل وصُلي عليه، وهكذا عثمان رضي الله عنه. «ولم يُصلَّ عليهم» يعني لم يُصلَّ على شهداء أحد، واستدل به جمهور أهل العلم على أنه لا يُصلَّى على الشهداء، شهداء المعركة، شهداء المعركة. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز، يجوز الصلاة عليهم. والجمع بين القولين أنه لا يجب الصلاة على شهيد المعركة ويجوز الصلاة عليه، لا يجب مع الجواز. واضح: من قال لا يُصلَّى عليه أي لا يجب الصلاة عليه، ومن أجاز لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة على بعض الشهداء، فيحمل هذا على الجواز، يحمل على الجواز. إذن قوله: «ولم يُصلَّ عليهم» يستفاد منه أنه لا تجب الصلاة على شهداء المعركة، وأما من حيث الجواز فيجوز، لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة، وصلاة على شهداء أحد بعد ثمان سنين، كما سيأتي. نعم، وأما غير شهيد المعركة ممن أطلق النبي صلى الله عليه وسلم فيهم أنهم شهداء كصاحب البطن والهدم والغرق والحرق والنفساء إلى آخره، فهؤلاء يعني يعاملون معاملة الشهداء في الآخرة، أما في الدنيا فيعاملون معاملة غيرهم، يُغسلون ويُصلَّى ويُصلَّى عليهم. قال: الحديث السبعون بعد الستمائة. وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثمان سنين، كالمودع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: «إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد». الحديث متفق عليه. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين، بعد ثمان سنين من قتلهم ودفنهم. من أهل علم قال: المراد بالصلاة هنا الدعاء، أي أنه دعا لهم، أنه زارهم ودعا لهم. لكن يعكر على هذا رواية: «كصلاته على الأحياء»، أنه صلى على شهداء أحد كصلاته على الأحياء، هذا يعكر على هذه الرواية أنه صلى صلاة جنازة، أنه صلى عليهم صلاة جنازة. إذن هذا يدل أنه يجوز الصلاة على الميت، على الشهيد، الصلاة على شهيد المعركة، وأيضًا فيه دلالة على أنه يجوز الصلاة على الميت بعد دفنه ولو طالت المدة، ولو طالت المدة، فالنبي صلى الله عليه وسلم صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين. قال: «كالمودع للأحياء والأموات» يعني كأنه أراد أن يودعهم عليه الصلاة والسلام، وذلك قرب موته عليه الصلاة والسلام. قال: «ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد». الفرط: الذي يتقدم القوم ليهيئ لهم، الذي يتقدم القوم ليهيئ لهم. فكانوا يقولون: أنا سأرحل وأتقدمكم عليه الصلاة والسلام، وأنا عليكم شهيد يوم القيامة. قال: الحديث الحادي والسبعون بعد الستمائة. وعن علي رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تُغالوا في الكفن فإنه يُسلب سريعًا». رواه أبو داود. «لا تُغالوا في الكفن» يعني لا تتغالوا في سعر الأكفان وتتباهوا بذلك، لماذا؟ لأنه يذهب يعني يبلى سريعًا، يبلى سريعًا، فلا داعي إلى المغالاة في الأكفان. وهذا الحديث ضعيف، هو من طريق الشعبي عن علي ولم يسمع منه، فهو منقطع، وإن كان معناه صحيح من حيث عدم المغالاة في الكفن، فليس هذا شيئًا مطلوبًا مقصودًا. ومر معنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإحسان، ليس المراد به المغالاة في الأكفان، وإنما كما سمعتم فيما مضى في توجيه ذلك، فيكون إحسان من غير مغالاة، إحسان من غير مغالاة، ومن غير إفراط في ثمن الكفن. طيب، إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.